أفكار وآراء

رسالة إلى وزراء الإعلام في اجتماعهم بالبحرين

أصحاب المعالي وزراء الإعلام في دول مجلس التعاون...

في مارس الماضي عقدتم اجتماعا استثنائيا عبر الاتصال المرئي، وكانت آثار الحرب في المنطقة قد امتدت إلى دول في المجلس، وبحثتم يومها التصدي للشائعات وحملات التضليل، وكان ذلك ما تقتضيه الساعة.. وبين ذلك الاجتماع واجتماعكم المرتقب في مملكة البحرين هذا الأسبوع برز خطر آخر مصدره داخل البيت الخليجي نفسه، وأداته هواتف أبنائه، ويمكن النظر إليه باعتباره تطورا لخطر حملات التضليل أو أنه نوع آخر من الأخطار الأشد فحشا وفتكا.

وبات نمط هذا الخطر معروفا لكم كما هو معروف عند الجميع. تتباين تقديرات الموقف في عاصمتين خليجيتين، وهذا أمر طبيعي بين دول ذات سيادة، فينتقل التباين في ساعات من غرف السياسة وصناعة القرار إلى منصات التواصل الاجتماعي. يتصدر «وسم»، وتتكاثر في ليلة واحدة حسابات بلا وجوه، ثم يتحول الكلام من نقد موقف حكومة إلى الطعن في شعب كامل، ومن الشعب إلى قبائله وأنسابه ومذاهبه ونسائه، وخلال ساعات يتناقل الكثيرون في الخليج ما لا يصح أن يقال أو يسمع لأنه غير صحيح أولا ثم لأنه يزرع الحقد والضغينة ويخرج الناس من طور إلى طور.

يحدث هذا اليوم في دول مجلس التعاون التي احتفل مجلسها في مايو الماضي بمناسبة مرور 45 عاما على تأسيس المجلس. ورغم أن المناسبة مرت فاترة ولم يشعر بها أبناء الخليج إلا أن أحدا لا يستطيع تجاهل أن الحلم الذي تأسس عليه المجلس مازال مغريا ورومانسيا عندما تصفى النيات ونستعيد جوهر الأشياء وحقيقتها. لقد عاشت أغلب أجيال الخليج الفاعلة اليوم كارثة غزو الكويت ووصلت حينها إلى قناعة أن أي خطر يقع على دولة خليجية يقع بالضرورة على الجميع. وهذه القناعة صنعتها ثقة الناس بعضهم ببعض بقدر ما صنعتها قرارات القادة، والثقة أسرع ما تذهب وأبطأ ما تُستعاد.. فالدول تستطيع أن ترمم موانئها بعد الحرب وتعيد بناء مطاراتها وكل بنيتها الأساسية، أما الشرخ الذي يحصل بين شعبين فيبقى جيلا كاملا وقد تنتقل بذوره من الآباء للأبناء.

والشعوب الخليجية مثل دولها تعيش لحظة فارقة وصل التهديد فيها إلى الجانب الوجودي الذي يمس وحدة أراضيها ومصادر حياتها؛ فالحرب التي لم تخترها تستنزف مواردها وتهدد استقرارها وتنذر بتغيير كبير وحاسم في عقد دولة الرفاه التي تأسست عليها فكرة الدولة الحديثة في الخليج. ولا شك أن هذه لحظة تاريخية تحتاج إلى خطاب خليجي مختلف عن الخطاب السائد اليوم في وسائل الإعلام وفي التواصل الاجتماعي. يحتاج أبناء الخليج إلى خطاب إعلامي تنويري يشرح حقيقة ما يجري في الخليج ويضعه في سياقه الإقليمي والدولي. ومع الأسف فإن هذا الخطاب غائب أو يكاد، وما يجده أبناء الخليج في مساحات واسعة من الإعلام الحديث هو الإثارة والتعبئة والمحتوى السريع الذي يفكك فكرة الترابط الخليجي وفكرة المصير المشترك التي عاشت عليها هذه الشعوب طويلا. والتعبئة والتسطيح في هذه اللحظة خطر سياسي قبل أن تكون عيبا مهنيا وأخلاقيا، لأن الجمهور الذي تسطح معرفته بهذه الطريقة يسهل تعبئته بسهولة ويسر.

ومن يريد لهذه المنطقة أن تتفكك لم يعد يحتاج إلى جيش أو إلى سنوات من التدبير، تكفيه لحظة احتقان، وبضع مئات من الحسابات المنسقة، ثم يكمل الجمهور الغاضب المهمة بلا مقابل. وفي هذه اللحظة التي تعيد فيها الحرب الدائرة رسم النظام الإقليمي، وتتبدل من حولنا حسابات القوى الكبرى، يصبح تماسك المجتمعات الخليجية جزءا من أمنها بالمعنى الصلب للكلمة.

أصحاب المعالي..

أعرف أن الأمر سيكون حاضرا على طاولتكم، ففي اجتماعكم عام 2023 استعرضتم ميثاق الشرف للإعلام الإلكتروني لدول المجلس، ولديكم خطة استراتيجية للتعاون الإعلامي تمتد حتى 2030، وفي اجتماع الدوحة دعا أحدكم إلى ثوابت متفق عليها وميثاق شرف يربط وسائل الإعلام الخليجية.

والسؤال الذي يشغل الكثير من العقلاء في الخليج: إذا كانت هذه النصوص موجودة والنيات حولها صادقة، فلماذا لا يظهر أثرها حين تشتعل «الوسوم» بين أبناء الخليج؟

أما أنا فأرى لذلك ثلاثة أسباب. الأول أن خطابنا الإعلامي الرسمي ظل متجها إلى الخارج؛ بياناتكم المتعاقبة تستنكر الحملات الممنهجة الموجهة ضد دول المجلس، وهذا مفهوم، غير أن أخطر الحملات اليوم تدور بين شعوب المجلس نفسها، ولا يكاد بيان يسميها. والثاني أن مواثيق الشرف تُلزم من لديه التزام أصلا، والحساب المجهول الذي يدير الفتنة ليلا خارج كل ميثاق. والثالث، وهو أصعبها قولا، أن في دولنا الست قوانين صارمة للجرائم الإلكترونية، لكن صرامتها تظهر في الغالب حين يُمس الداخل، وتلين، أحيانا، حين يكون المستهدف شعبا شقيقا. ولا يصح أن نحمّل الحسابات المجهولة وحدها ما يجري، ففي كل موجة من هذه الموجات وجوه معروفة وأقلام لها جمهور واسع، وبعضها قريب من المؤسسات الإعلامية الرسمية.

فما الذي يمكن أن يخرج به اجتماع البحرين؟ أقترح وأنا مواطن محب للخليج ولاستقراره أربعة أمور.

أولها ميثاق ملزم يُرفع إلى المجلس الأعلى، يعرّف بدقة ما يمكن تسميته خطاب الكراهية بين شعوب المجلس: الطعن في شعب بعينه أو في قبائله وأنسابه ومذاهبه، والتحريض عليه، والسخرية من رموزه الوطنية. ويحمي بالدقة ذاتها حق النقد، فنقد سياسة أي حكومة، بما فيها حكوماتنا، شأن مشروع، وإذا تحول الميثاق إلى أداة لإسكات الرأي خسر شرعيته وخسر الناس معه. والمطلوب حد واضح يفصل بين الاختلاف مع السياسات وبين الطعن في الشعوب وفي تاريخها وثقافتها وأهلها.

وثانيها التزام بالتطبيق المتكافئ، تتعهد فيه كل دولة بأن تحاسب من يسيء من مواطنيها والمقيمين على أرضها إلى شعب شقيق بالمعيار الذي تحاسب به من يسيء إليها. ويتبعه بروتوكول للأزمات؛ فلديكم، يا أصحاب المعالي، خطة مشتركة للطوارئ أثناء الأزمات والكوارث، والخلاف بين عاصمتين شقيقتين أزمة تستحق خطة مماثلة، يلتزم فيها الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في البلدين بأن يبقى الخلاف في لغة السياسة، ولا يُترك لينزل إلى لغة الشعوب. وقد صار عدد من دولكم يرخّص لصناع المحتوى والمؤثرين، والترخيص الذي يمنح حق الإعلان يمكن أن يحمل معه التزاما بهذا كله.

وثالثها مرصد خليجي مشترك للحملات المنسقة والحسابات المزيفة، ينشر تقارير دورية علنية تبين للناس من أين جاءت الموجة ومن غذّاها. وحين يعرف القارئ أن الوسم الذي أغضبه صنعته شبكة منظمة، وأحيانا من خارج المنطقة كلها، يتراجع غضبه من تلقاء نفسه. ويمكن للمرصد أن يفاوض المنصات الكبرى باسم الدول الست مجتمعة، فالسوق الخليجية مجتمعة لها عند هذه الشركات وزن قد لا تملكه دولة منفردة.

ورابعها، وهو أبطؤها أثرا وأبقاها، بناء الوعي. المحبة التي نرجوها بين هذه الشعوب تولد من المعرفة، والشاب الخليجي اليوم قد يعرف عن مدن بعيدة أكثر مما يعرف عن تاريخ جاره ومجتمعه، وهذا الدور يقع على وسائل الإعلام عبر تبني برامج يتم فيها تبادل بين الصحفيين الشباب داخل المؤسسات الخليجية، وإنتاج وثائقي مشترك يروي التاريخ الذي تقاسمته هذه المجتمعات، ومساحات في صحفنا وشاشاتنا تعرّف القارئ في عاصمة خليجية بالحياة في العواصم والمدن الأخرى كما هي، بعيدا عن صورة المناسبات الرسمية.

أكتب لكم من عُمان، وقد تعلم العمانيون من تاريخهم أن الكلمة التي تقال في ساعة غضب تبقى بعد أن تنقضي الساعة، وأن الجار يبقى جارا مهما تبدلت المواقف والظروف. سيصدر عن اجتماعكم بيان ختامي كما صدرت بيانات قبله. وما يرجوه الناس، وأرجوه معهم، هذه المرة أن يجدوا أثره في أول وسم يشتعل بعد أن تنفض قاعة الاجتماع.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عمان»