أفكار وآراء

حصار الأجهزة

اشتريت مؤخرًا جهاز آيباد، بعد نصائح واستشارات وبحث، وذلك كبديل لجهاز الكمبيوتر المحمول «اللابتوب». طبعًا افترضت أن الجهاز الجديد سيلبي كل احتياجاتي السابقة؛ لكن الممارسة أثبتت لي أني بحاجة كذلك لجهاز كمبيوتر، لا لشيء إلا لأن هذه الأجهزة اللوحية لا يمكن أن تفطمها عن الإنترنت؛ بل إن بعض التطبيقات لا تعمل إلا بالاتصال المباشر.

ولما كانت خطتي هي أن أبقي الجهاز بعيدًا عن الإنترنت إلا في حالات محددة أحتاجها للعمل، فلا حاجة بي لفاتورة شريحة جديدة أدفعها؛ لكن خطتي فشلت حتى الآن في فطام الجهاز، وتعقد الأمر أكثر بنقل الملفات عندما رفض الجهاز الجديد التعرف على الأقراص الخارجية بسلاسة رغم توافقها.

حاولت جاهدًا التأقلم؛ خاصة وأن الجهاز الجديد أخف وأسهل وأسلس وبه لوحة مفاتيح رقمية مدمجة في الشاشة، ويتيح لي استخدام أغلب البرامج التي أعمل عليها عادة؛ لكني اكتشفت كذلك أن بعض البرامج لا تعمل عليه لاختلاف نظام التشغيل بينه وبين الكمبيوتر، وأن ما افترضت أنه جهاز كمبيوتر لم يكن إلا هاتفًا بشاشة أكبر ومعالج أقوى وأسرع.

بالتدريج وبعد فترة من الوقت وجدت نفسي مضطرًا لشراء جهاز كمبيوتر ثابت، في المكتب؛ فلا فائدة من جهازين محمولين، وهذا كان خطأ آخر؛ إذ إنني وجدت بسرعة أنني مدفوع دفعًا لترقية اشتراكي في خدمة التخزين السحابي إلى حجم أكبر كي أتمكن من الوصول لملفاتي؛ وهذا يعني في المحصلة مزيدًا من التكاليف والفواتير، وهو الأمر الذي كنت أحاول تجنبه حسب خطتي المالية، حتى وجدت نفسي أمام سؤال إن لم أكن أوقعت نفسي في حصار الأجهزة دون أن أدري؟ وأني شربت ما يدعوه توماس كريتشلي وبرنارد ستجلر الفارماكون: الدواء والسم.

لم أتبحر في طرح ألبرت برجمان في كتابه (نموذج الجهاز) لكن ما فهمته منه هو أن الأداة اختلفت حين جاء الجهاز؛ ليست خبرة إشعال نار التدفئة القديمة هي نفسها حين تشغل بضغطة زر جهاز التكييف، وليس الكمبيوتر كما نفهمه ورقة أو لوحة رقمية.

الجهاز بوجهين؛ وجه للمستخدم ووجه للشركات المتصلة والمشغلة للبرامج والأنظمة والتي تقدم الخدمة. ونحن كمستخدمين واقعون وسط كل ذلك. ولأنها آلات مصنعة، فإنها بين الإخلاص لملاكها ومشتريها بأموالهم وبين الإخلاص لمن صنعوها، يبدو أنها مصممة لتميل وتخدم مصنعيها أكثر من ملاكها.

يطرح جونار اندرس في كتابه (تقادم الجنس البشري) فكرة أننا كبشر اصبحنا متخلفين عن التقنية، صرنا تدريجيا النقطة الأضعف وأصبحنا نجاهد للحاق بها، لنكون بمستوى الأجهزة الحاسوبية التي تحولت من خادمة لمتحكمة. أصبحت هي التي تصوغ تجاوبنا، وفي عصر مواقع الاتصال أصبحت تصوغ حتى شكل اتصالنا ببعضنا وعلاقاتنا الاجتماعية.

في كتاب المراقبة والعقاب يستعير ميشيل فوكو تصميم الإنجليزي جيرمي بينتام للسجن الدائري، «البانوتيكون» حيث يستطيع الحارس مراقبة جميع السجناء في نفس الوقت؛ يرى فوكو أن هذه هي بنية السلطة في الدول الحديثة؛ هذا التصور يستعاد اليوم ويعمل بفعل التقنية حيث كاميرات المراقبة تراقب وتسجل ليل نهار، بل أصبحت الكاميرا في حد ذاتها أداة تحكم حتى لو لم متصلة أو يتابعها أحد.

أما جيرمي بينتام فجسده محنط حسب وصيته، ولعله ينتظر أن تصل الإنسانية لاختراع يعيد الموتى، وقد تبرع بجسده لهذه التجربة؛ لكن ألن يكون مجرد ميّت مفزع عاجز عن الحياة؟

بسرعة أصبحت أجهزة الهاتف مزودة بكاميرات. الكاميرات تغلغلت في الأجهزة. الأجهزة تومض. أبعث رسالة صوتية على تطبيق الواتساب وأرى الكاميرا تومض. الدفع الإلكتروني يطلب مني أن أنظر للكاميرا. على الحدود يتم تصويري وأخذ بصمة عيني في المطارات، الشوارع والمحلات، وحتى البيوت فضلًا عن الطرقات كلها ملغمة بكاميرات مراقبة وترصد. هل اتحدت المراقبة بالعقاب في الكاميرا؟ وما معنى الخصوصية بعد هذا؟ هل فقط أن لا تصل الكاميرات إلى الحمام؟

من حصار الأجهزة بدأنا نخشى على أطفالنا، ربما لأننا لا نعرف أين سيأخذنا هذا السيل المتدفق من الأجهزة، وأين سيفضي بنا هذا البحر الرقمي؛ رغم ذلك ومنذ ولادة الأطفال تبدأ الأجهزة تحيط بهم.

أنظر لتعلق الصغار بالأجهزة، ألاحظ أنهم يبدأون بسرعة في فضحنا، في تمييز أجهزتنا من بعضها البعض. الطفل يحاول أن يدخل لعالم والديه، أن يدخل رأسه في الشاشة التي يغرق فيها عمر أمه وأبيه، وكأنه يفهم أن هذا هو العالم الموازي، نوع من الوجود الرقمي. يستكشف الطفل عالمه، قبل أن تبتلعه هو الآخر أجهزة الألعاب؛ «شغل التلفزيون للولد خليه يشوف كرتون» تسليه رخيصة، لكنها كالسم، بالضبط دواء وسم في الوقت نفسه.

اليوم حين ندخل عصر الذكاء الاصطناعي ومخاطره وتهديداته فإننا نحاول أن نركب دماغًا لهذه الأجهزة، نحاول أن نجعل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات، والآن حتى الكمبيوترات والهواتف نحاول أن نجعلها تنفذ العمليات المعقدة التي عقدنا بها حياتنا التي كانت بسيطة من قبل، تدفعنا الرغبة والاكتشاف لربما، بينما نحن في واقع الأمر وكأننا نستبدل أنفسنا بالأجهزة.

قريبًا يأتي الروبوت الذي سيحل محل المربية، والروبوت الذي سيحل محل الممرضة؛ وبالتدريج سنترك أطفالنا وشيوخنا لتراقبهم الشاشة؛ بينما نحن غرقى أكثر منهم في الشاشات وكاميراتها، غرقى حتى النخاع في المراقبة، وربما العقاب كذلك.

ما يدرينا إن لم يكن كل هذا الحصار يطفئ شيئًا داخلنا؟ ألن تحولنا كل هذه الأجهزة التي تحاصرنا إلى أجهزة نحن أنفسنا؟ ألن نتحول أنفسنا إلى آليين؟ كل هذا النسخ واللصق الذي نمارسه كل اليوم، ألن يجعل منا في لحظة ما متشابهين في الكلام والتفكير والمواضيع لدرجة مفزعة؟ ألا يفرغ هذا الاتصال الإنترنتي المستمر والتعرض للخوارزميات نفسها كل اتساع عالمنا وتنوعه من معناه؟ ألسنا نحشر أنفسنا طواعية في زاوية ضيقة من التشابه والتطابق؟ ربما غدًا إذا طالعت وجهي في المرآة سأجد ترامب أو إيلون ماسك يحدق فيَّ.

لا شك أنني مضطر للتعايش مع حصار الأجهزة هذا، هذا هو سبيلي الوحيد للاتصال أكثر بعالمي ومن حولي، بل هذا هو السبيل لأداء أعمالي وما أسعى لتحقيقه؛ لكني لا بد أن أدرك كذلك كنه هذه الدوامة التي أعيش فيها؛ كلما أردت تسهيل الأمر وتبسيطه زدته تعقيدًا. وما كان يدعى بالفطرة والحس السليم كأنه يتآكل تدريجيًا من عالمي، ولا أعرف ما الذي سيقترحه علي الذكاء الاصطناعي لأتخلص من متاهتي الإلكترونية هذه؛ ربما سيقترح علي أن أشتري جهازًا لوحيًا للقراءة، كيندل أو إي بوك، كي أضعه قرب سريري يهدهدني ريثما أنام.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني