العرب والعالم

شبح المجاعة لا يغادر غزة

 

منذ الصباح الباكر تجوّلت ولاء حمد البالغة من العمر 40 عامًا والأم لستة أطفال في سوق السرايا بمدينة غزة؛ بحثًا عن بعض الخضراوات أو اللحوم المجمدة لتعدّ بها وجبة الجمعة لأطفالها، لكنها فوجئت بإغلاق معظم المحال وغياب أصناف غذائية كانت تأمل العثور عليها. وبعد جولة طويلة اشترت علبة واحدة من اللحوم المعلبة بسعر مضاعف، ثم عادت إلى خيمتها المقامة على ركام المباني في ساحة الجامعة الإسلامية.

ما إن وصلت حتى أسرع أطفالها لاستقبالها، يترقبون ما أحضرته من السوق، لكنهم فوجئوا بأن مشترياتها لا تتجاوز تلك العلبة.

لم تكن خيبة الأطفال وحدها ما أثقل قلب ولاء، بل الخوف من أن تكون هذه البداية لأيام جديدة من الجوع، تشبه ما عاشته عائلتها خلال المجاعة السابقة.

تقول ولاء: إنها تخشى عودة المجاعة بشدة بعدما عاشت مع زوجها وأطفالها ظروفًا قاسية خلال العام الماضي حين كانت تتوجه برفقة زوجها إلى مناطق توزيع المساعدات في منطقتي النابلسي والسودانية شمالي قطاع غزة. وهناك تعرّض زوجها لإصابة بالغة خلّفت مشكلات صحية لا يزال يعاني منها حتى اليوم.

تضيف: «منذ أيام عندما سمعت أن السوق أصبح فارغًا، وأن شاحنات المساعدات مُنعت من الدخول، وأنا أبكي خوفًا من عودة تلك الأيام الصعبة التي عشناها خلال المجاعة».

تستعيد ولاء مشاهد الفلسطينيين الذين خرجوا بحثًا عن الطعام والدقيق لأطفالهم، ولم يعد بعضهم إلى عائلاته. وتقول: إن الخوف من تكرار تلك المأساة بات يرافقها كلما سمعت عن نقص الغذاء أو تعذّر وصول المساعدات.

بالنسبة إلى أم لستة أطفال تعيش في خيمة نزوح، لا يعني اختفاء بعض السلع من السوق مجرد نقص في الخيارات، بل سؤالًا يوميًا عن قدرتها على توفير وجبة أخرى لأبنائها في ظل ارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل.

شاحنات أقل ومخاوف متزايدة وتأتي مخاوف العائلات في ظل اضطراب الإمدادات التجارية والإنسانية إلى القطاع؛ حيث لا يرتبط توفر الغذاء بعدد الشاحنات وحده، بل بنوعية حمولاتها وانتظام دخولها وقدرة السكان على شراء السلع المتاحة.

ووفق بيانات غرفة تجارة غزة التي أوردتها الأمم المتحدة؛ انخفض عدد حمولات الشاحنات التجارية التي جُمعت داخل القطاع إلى نحو 9.5%.

ولا تقتصر الأزمة على نقص المعروض؛ إذ تواجه العائلات النازحة صعوبة في شراء السلع المتاحة أصلًا بعد فقدان المساكن ومصادر الرزق واستنزاف المدخرات.

وهكذا قد تجد بعض المواد طريقها إلى الأسواق بينما تبقى بعيدة عن موائد أسر لا تملك ثمنها.

هذا وقد أعلن برنامج الأغذية العالمي عن خفّض الحصص الغذائية المقدمة إلى النازحين إلى النصف، لتتلقى الأسرة طردا واحدا بدلًا من طردين وكيسا أصغر من الدقيق، وقلّص الوجبات الساخنة من 250 ألفا إلى 150 ألف وجبة يوميا.

وحسب برنامج الأغذية العالمي يعاني نحو 4ر1 مليون شخص في غزة انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مستوى الأزمة أو أسوأ بينهم نحو 200 ألف في مستوى الطوارئ.

ذاكرة المجاعة وأرقام الضحايا تستند مخاوف السكان إلى تجربة سابقة خلّفت خسائر بشرية مؤلمة. ووفق بيان لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة سُجّلت 466 وفاة مرتبطة بسوء التغذية والتجويع منذ عام 2024 بينها 157 طفلًا.

وتعكس هذه الحصيلة حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال والفئات الأكثر هشاشة عندما يتراجع الغذاء وتتفاقم صعوبة الحصول عليه. ولا تعني الأرقام أن جميع الوفيات وقعت خلال موجة واحدة من المجاعة، بل إنها حصيلة تراكمية للفترة التي يغطيها الإحصاء.

الخوف الذي يسكن الخيام بالنسبة إلى ولاء، لا تظهر هذه الأرقام في جداول الإحصاء، بل في تفاصيل حياتها اليومية: رحلة طويلة إلى السوق، ومحال مغلقة، وأصناف غائبة، وأسعار لا تناسب ما تبقى من قدرة الأسرة على الشراء.

وفي خيمتها لا تستطيع ولاء أن تفسر لأطفالها لماذا عادت أمهم من السوق بعلبة واحدة بعدما خرجت بحثًا عن وجبة تليق بيوم الجمعة،ن ولا تملك وعدًا بأن الغد سيكون أفضل في ظل غياب ضمانات واضحة لاستمرار تدفق الغذاء بأسعار يمكن للأسر تحملها.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس ما إذا كانت الأسواق ستشهد نقصًا جديدًا فحسب، بل كم من الوقت تستطيع عائلات مثل عائلة ولاء أن تصمد أمام هذا النقص قبل أن يتحول الخوف من عودة المجاعة إلى مأساة جديدة يدفع ثمنها الأطفال أولًا.

لا يقتصر خطر الجوع على ما يتركه من ألم آني، بل يمتد إلى نمو الأطفال وصحتهم على المدى البعيد؛ فنقص الغذاء المتوازن، خصوصًا البروتينات والفيتامينات والمعادن، قد يؤدي إلى تأخر النمو الجسدي، وضعف المناعة، وزيادة احتمالات الإصابة بالأمراض. كما يؤثر سوء التغذية في نمو الدماغ والقدرات المعرفية والتركيز والتعلّم، ما يهدد مستقبل أطفال غزة الذين أنهكتهم الحرب والحرمان.

في غزة لا يبدأ الخوف من المجاعة بالضرورة بإعلان رسمي، بل قد يبدأ من رفوف تفرغ، وأسعار ترتفع، وأم تعود إلى أطفالها بما لم يكن يكفيهم، وهي تتساءل كيف ستؤمّن لهم وجبتهم التالية؟