ثقافة

قرنان على الرحلة "الطهطاوية"

 

(1)
في واحدة من أهم وأكبر أحداث الثقافة العربية، والفكر العربي الحديث في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ أي قبل قرنين من الزمان، سافر الشيخ الشاب -آنذاك- رفاعة رافع الطهطاوي، وكان عمره خمسة وعشرين عاما فقط، سافر إلى فرنسا ليصحب 'البعثة' التي ستسافر إلى هناك لتعلم العلوم الحديثة والضرورية لبناء جيش عصري حديث؛ يكون قوام الدولة المصرية الحديثة التي طمح محمد علي باشا لتأسيسها، ويكون له ولأبنائه من بعده حكمها.
قبل قرنين كاملين، سافر الشيخ الأزهري الشاب في 1826 ليكون إمامًا وواعظا لأعضاء البعثة من الضباط والدارسين، يؤمهم في الصلاة ويعظهم ويحثهم على الالتزام بآداب وأخلاقيات دينهم في بلد غريب لا يعرفون عنه شيئا!
وتشاء الأقدار أن يكون هذا الشيخ هو العلَم الأبرز والفتى الأنبه والعين الباصرة الأولى للثقافة العربية كلها على ما جرى في الناحية الأخرى من البحر المتوسط، وما قطعوه من أشواط بعيدة في مسارات النهضة والتقدم العلمي والحضاري والمعرفي كنا نجهله جهلا بشعا ومريعا.
من هنا تأتي قيمة هذه الرحلة الأولى، هذه الرحلة المعرفية التي سجل تفاصيلها ودوَّن خلاصتها في كتابه الأشهر والأهم والأبرز «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» أو 'الرحلة الطهطاوية' الذي حمل لنا (أي الكتاب) ولأول مرة أفكار الحداثة والتنوير والتجديد، وكان الطهطاوي بذلك أول سفير 'معرفي' مصري وعربي ومسلم يسافر إلى فرنسا، ويمكث بها خمس سنوات ويعود إلى بلاده ليؤسس لنهضة موازية للنهضة التي كان ينشئها والي مصر -آنذاك- محمد علي باشا..
(2)
قرنان كاملان من الزمان؛ جرت مياه كثيرة وغزيرة في نهر الفكر العربي، وما زلنا نلف وندور حول ذات الأسئلة التي انتبه لها الطهطاوي وطرحها واجتهد في تقديم إجاباتٍ ممكنة ومحتملة لها، استحق معها وبها أن يكون رائدًا للفكر العربي الحديث، وأول مثقف عربي بالمعنى العصري لكلمة 'مثقف'؛ وأول معلم ومترجم ومؤسس للمدارس، وأول ممارس للصحافة وتحرير المجلات بمعناها الحديث.. إلخ.
أدوار تأسيسية كبرى مارسها الجد العظيم رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) الذي ملأ حياتنا علمًا ونورًا ومعرفة وفكرًا وحثًّا على التعلم والتعليم، والبحث عن المستقبل، كان رجلًا عظيمًا ورائدًا مؤسسًا يستحق معه كل تقدير وإجلال واحتفاء مهما توالت العقود والقرون. إنه أحد الآباء العظام الذين نفخر بهم وبانتمائهم إلى هذه الثقافة..
لولا رفاعة الطهطاوي، ما كان ظهر كل من علي مبارك، والشيخ الإمام محمد عبده (والصلات بينهما أظهر من رصدها والإشارة إليها)، ولا عبد الله النديم ولا أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل، وكل آباء الرعيل الأول والثاني من النهضة العربية الحديثة في الفكر والثقافة والمعرفة..
في هذه الحلقة والحلقات التالية من (مرفأ قراءة) سنقف أمام هذه الرحلة الفارقة وأثرها العميق والمكين الذي كان نقطة الالتقاء الأولى'، و'الشرارة الأولى' و'لحظة الاندهاش الأولى' بين (الطهطاوي) ممثل أمة عريقة تراجعت عن ركب الحضارة لأسباب وعوامل عديدة، وبين أبناء أمة أخرى (الفرنساويين) استمدوا عوامل وأسباب نهضتهم من ذروة نهضتنا وتقدمنا ثم تفوقوا علينا وجاوزونا بقرون!
(3)
في كتابه صغير الحجم عظيم الفائدة عنه، يتتبع العلامة أحمد أمين خطوات الشيخ رفاعة الطهطاوي، منذ بدأ في تلقي العلم على يد شيوخه بالأزهر، ثم ابتعاثه إلى فرنسا سنة 1826، وتفاصيل السنوات الخمس التي قضاها هناك، ثم عودته إلى مصر سنة 1831 ليمارس أعظم وأخطر أدواره على الإطلاق، والتي لخصها أحمد أمين في عبارة جامعة دالة بصدر كتابه «مؤسس النهضة الحديثة».
كيف رأى -إذن- المرحوم أحمد أمين شخصية الطهطاوي وقيمته ودوره؟ وكيف قرأ سيرته وقدمها بهذا 'التكثيف' و'الإيجاز'؟ وكيف اطمأن إلى وصفه الدقيق والصائب بـ'مؤسس النهضة العلمية الحديثة'؟
يعتبر أحمد أمين نقطةَ البدء التي غيرت مجرى حياة الطهطاوي إلى الأبد، وأحدثت ما أحدثت من تحولات أفضت إلى المسارات التي ارتادها، علاقتَه بالشيخ حسن العطار، ويقف أحمد أمين عند تلك العلاقة المدهشة بين الشيخ رفاعة الطهطاوي وأستاذه العطار، مشيرًا إلى أن 'شيئًا واحدًا فقط ميَّز الطهطاوي عن كثيرٍ من المجاورين، في الفترة السابقة على سفره إلى فرنسا، هذا الشيء هو اتصاله اتصالًا وثيقًا بالشيخ حسن العطار، وكان هذا رجلًا ممتازًا واسع النظر، خبيرًا بالدنيا على قلة الخبيرين بها من علماء الأزهر في ذلك العصر، ولم تعجبه طريقة الأزهريين في الاقتصار على كتب النحو والفقه والتفسير والحديث، فضم إلى ذلك نظرته في كتب التاريخ والأدب'.
هذا هو الشيخ العطار الذي صار فيما بعد شيخ الأزهر، على ما يقول أحمد أمين، وهذا هو أستاذ الشيخ رفاعة الذي أثر فيه أثرًا غير شائع عند الأزهر بين إذ ذاك، من ميل إلى الأدب واطلاع على الكتب غير المتداولة، وكان التلميذ المحبوب عند شيخه العطار في بيته وفي قراءته الخاصة وفي دروسه العامة.
(4)
وفي الحق أن الأزهر كان فيه نبع صغير متسلسل يُعنى بالتاريخ والأدب، بجانب ذلك النبع الكبير الذي يُعنى بعلوم اللغة والدين فقط، وكان من هذا النبع الصغير الشيخ الجبرتي المؤرخ الكبير، وتلميذه العطار، وتلميذه رفاعة. وظل رفاعة يتلقى دروسه في الأزهر حتى أتمها وتصدى للتدريس فيه، ثم عين في منصب صغير هو واعظ بالجيش، ثم حدثت الحادثة الكبرى التي غيرت مجرى حياته ورسمت طريق نبوغه، ومكنته من أن يتولى زعامة النهضة، وهي بعثته إلى باريس.
كانت أهم نتيجة وأبرزها من هذه البعثة، هي إيمان الطهطاوي بالعلم والمعرفة والنظر العقلي في إحداث التغيير، وقد آمن كذلك بأن 'الترجمة' واحدة من أخطر أدوات النهضة والتحديث لمن بحث عنهما وطلبهما!
نعم. كانت الترجمة هي وسيلة رفاعة الطهطاوي الأولى في الانتقال بوطنه مصر إلى آفاق العصر الحديث، نقل بها كتب الاستنارة الفرنسية، وعرّف بها، منذ أن تعرّف على هذه الكتب لأول مرة في السنوات التي قضاها في باريس (1826-1831) منذ أن ذهب إليها وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وصافحت عينه هناك مؤلفات روسو وفولتير ومونتسكيو، وكل أعلام التنوير الفرنسي.
و'الترجمة' هي قناع رفاعة المراوغ، حين كان يحاول نقل أفكاره السياسية وتوصيلها، بكل ما تحمل هذه الأفكار من إشارات إلى كيفية تحقق العدل، والثورة على الظلم، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعجب رفاعة الطهطاوي بميراث الثورة الفرنسية في هذا المجال، وأن يترجم وهو في باريس نشيد المارسيلييز نظمًا، ويتبعه بترجمة 'القصيدة الباريسية' التي قيلت في ثورة الفرنسيين ضد ملكهم شارل العاشر، لقد أهاجته قيم الحرية والعدالة والمساواة التي رفعتها الثورة الفرنسية.
(5)
لقد بدأت 'رحلة الطهطاوي' التنويرية بالرحلة إلى فرنسا، وقبل الرحلة نبهه أستاذه الجليل الشيخ حسن العطار (1766-1835) إلى ضرورة تدوين مشاهده في كتاب، وهكذا انبثقت فكرة «تخليص الإبريز في وصف باريز» (سنقف عنده تفصيلًا ونحلِّل أفكاره في الحلقات القادمة بمشيئة الله)، وذلك بالمعنى الذي جعل الكتاب استخلاصًا لأسباب تقدم الفرنسيين، ووصفًا للمظاهر الفعلية لهذا التقدم، وكما كان السفر 'مرآة الأعاجيب' على نحو ما قال الشيخ حسن العطار في تقديمه كتاب تلميذه بعد أن فرغ منه وعاد إلى الوطن، كان السفر تحولًا للوعي، وتغيرًا في الفكر، وتنشيطا للخيال، وإعمالًا للدهشة والتأمل، وارتحالًا من منظور إلى منظور، وكانت الكتابة تسجيلًا لهذا التحول، خطوة، خطوة، وفكرة فكرة..
ومن هنا بدأت الرحلة، ولم تنته بعد، رغم العثرات والتعثرات والعوائق والتحديات.. وما زلنا محكومين بالأمل رغم كل شيء!.