بريد القراء

لماذا الأوبئة كالمدن .. لا أسوار لها؟!

 

يبدو أن الجوائح في العالم لن تهدأ أو تستريح من حصدها للأرواح البريئة، فحاليًا تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية وباءً حادًّا لمرض فيروس «إيبولا»، حتى ولو أنه لم يُصنَّف عالميًّا كجائحة، إلا أن انتشاره قد بدأ منذ منتصف مايو الماضي، لذلك سارعت منظمة الصحة العالمية إلى الإعلان عنه كـ«طارئة صحية عامة»، مما أثار قلقًا دوليًّا متزايدًا بعد أن حصد قرابة عشرة آلاف إنسان حتى الآن، فيما يتصاعد عدد المصابين بالوباء يوميًّا إلى معدلات تثير الكثير من التكهنات بأن هذا المرض قد يخرج عن السيطرة في ظل عدم وجود دواء شافٍ، رغم المحاولات الطبية لإيجاد ترياق لهذه الحالة.


هناك مقولة مشهورة للفيلسوف اليوناني بيقور: «يمكن للإنسان أن يكونَ في مأمن من كلّ شيء سوى الوباء، فأمامه يعيش كل البشر في مدينة لا أسوار لها».


إن فيروس «إيبولا» يعيد لنا وجعًا قديمًا ترسخ في الذاكرة القديمة، أي قبل نحو سبع سنوات تقريبًا، عندما عصفت جائحة وباء كوفيد-19 بالعالم، وحتى يومنا هذا لم يتعافَ الكثير من الناس، سواء نفسيًّا أو جسديًّا، بسبب تلك الحالة المرضية التي أصابت الملايين حول العالم، وأوقفت قطار الزمن، حتى كنا نعتقد أن نهاية العالم قد تكون من خلال ذلك الوباء القاتل، لكن لطف الله ورحمته بعباده أخرجا العالم من تلك المحنة الطاحنة.


كلما نتذكر مَن فقدناهم نشعر بكم هائل من الوجد والشوق إليهم، ونتخيل كيف أن المرض كتم على أنفاسهم وأزهق أرواحهم البريئة، ونتذكر أيضًا كيف أن «انتقال المرض» من إنسان مصاب إلى شخص سليم يمكن أن يكون شيئًا مخيفًا للغاية، ليس الرعب فقط من لحظات الموت، ولكن أيضًا من الإصابة والمعاناة الشديدة التي يتركها الفيروس في أجساد الضعفاء، وحتى الذين تعافوا قليلًا من الوباء لا تزال أحوالهم الصحية غير مستقرة، فهناك في هذا العالم بشر لا تزال بقايا تأثير كوفيد تستقر في أجسادهم وتجعلهم لا يشعرون بالراحة أو العافية كما كانوا قبل إصابتهم بكوفيد.


محنة «إيبولا» يتوقع العلماء أن لا تكون أقل من «كوفيد-19»، فالمؤشرات الصحية تدعو إلى القلق، وسرعة انتقال المرض من دولة إلى أخرى تدق ناقوس الخطر من جديد، طالما هناك أعداد تُصاب وأخرى ترحل في جنح الظلام.


من المثير أن الأوبئة على مر التاريخ حظيت بنصيب وافر من تأملات الأدباء والفلاسفة، فأكثر مَن عاشوا في الماضي لم يكونوا يَرَونها مجرد أزمة صحية، بقدر ما هي مرآة تكشف عورات المجتمعات القديمة، وتختبر الأخلاق الإنسانية، وتضع مفهوم الوجود والحرية على المحك، وهذا يضعنا أمام حقيقة راسخة كرسوخ هذا الكون الذي نعيش فيه، فالأوبئة في الأعماق البعيدة تجرد البشر من أقنعتهم التي يتباهون بها، لكن بالمقابل تبرز أسمى قيم التضحية والتضامن عند البعض، وتظهر أبشع صور الأنانية والخوف عند البعض الآخر، هكذا كان حال الناس في كوفيد-19 عندما فقد المنقذون حياتهم من أجل الآخرين، قصص مؤلمة وملاحم إنسانية يصعب أن ننساها أو ندسها في التراب لتموت كغيرها من القصص البطولية القديمة التي غابت عن أذهان الناس وأصبحت جزءًا من ماضٍ لا يعود.


حتى الأمس كنا نعتقد بأن الجوائح تأتي مرة واحدة كل قرن، ولكن يبدو أن نمط الحياة في طريقه إلى التغير، فليس هناك وقت محدد نكون فيه بمأمن من عذابات المرض أو فقدان التوقع بما هو صعب ومستحيل لحدوثه.


في المقابر البعيدة، يتوسد الأحبة أديم الأرض، أما فوقها فهناك مَن لا يزال يعاني من الضعف والوهن ويحاول التشافي من ألم الجائحة بالتأقلم مع الحياة.


لكم هو مخيف أن تعيش وسط موجات من الخوف والجزع من عدو يأتي إليك ليقتلك دون أن تراه، هكذا هي الجوائح تنتشر من جثة إلى أخرى، وتبقى تزاحم الناس في حياتهم حتى يأذن الله لها بالرحيل.