أي خرافة عن الذكاء الاصطناعي سنتبنّى؟
ريتشارد ك. شيروين
الخميس / 10 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:33 - الخميس 22 أكتوبر 2026 20:33
ويروي لنا بلينيوس الأكبر أن الرسام اليوناني زيوكسيس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، رسم عناقيد من العنب بواقعية بلغت حدًّا جعل حتى الطيور تنخدع بها.
فعلى سبيل المثال، منحت الكلمات الافتتاحية الثورية لإعلان الاستقلال الأمريكي («إننا نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية بذاتها») الحرية الفردية مكانة الصدارة، بصرف النظر عن الطبقة الاجتماعية أو ملكية الممتلكات أو المعتقدات الدينية والسياسية.
ومن خلال هذه «الميثوس»، وضع الآباء المؤسسون الأساس لنظام حكم يقوم على الحرية والمساواة.
ومع ذلك، ثمة أسباب وجيهة تدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كانت هذه الأسطورة ليست سوى ذريعة لتبرير الاندفاع المحموم نحو الهيمنة على السوق ومراكمة الثروة والاستحواذ على السلطة.
فلو كانت «أنثروبيك» تسعى بصدق إلى جعل سلوك نموذجها «كلود» منسجمًا مع خدمة خير البشرية، لكانت بدأت أولًا بتعليم مهندسيها مبادئ الحكمة والفضيلة.
أما أي اعتبارات أخلاقية تُضاف إليه بعد ذلك، فليست سوى زينة شكلية؛ غطاء يُضفى على المبرر الاقتصادي الأساسي لوجوده، ومحاولة لاسترضاء جمهور تتزايد مخاوفه من هذه التكنولوجيا.
أما إذا كانت الثقافة ترفض الغرور المنفلت من كل قيد، وتصرّ على تبنّي سردية مضادة تقوم على التعاون الاجتماعي، فمن الأرجح أن تنشأ فيها ضوابط تكبح الغطرسة وتحدّ من الأخطار التي قد تترتب عليها.
فقد قتل أوريستيس أمه انتقامًا لأبيه، القائد الآخي العظيم أجاممنون، الذي قتلته كليتمنسترا لأنه ضحّى بابنتهما إيفيجينيا. وكانت حياة الفتاة اليافعة هي الثمن الذي قال العرّافون إنه لا بد من دفعه حتى تهبّ رياح مواتية تُمكّن الأسطول الآخي من الإبحار لشنّ الحرب على طروادة. وهكذا تتواصل المأساة، جيلًا بعد جيل.
فقد تطلّب التوصل إلى اتفاقيات دولية تحظر الانتشار النووي في القرن العشرين إدراكًا للاعقلانية البشرية، وللجنون الكامن في مبدأ «التدمير المتبادل المؤكد». وهكذا انتصر التعاون الاجتماعي في مواجهة السعي اللاعقلاني إلى القوة والهيمنة.
ولحسن الحظ، لم يتسبب الاختراق التلقائي لمنصة «هاجنج فيس» (Hugging Face)، الذي نفّذه وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعون لشركة «أوبن إيه آي»، إلا في أضرار محدودة. غير أن حوادث مماثلة كُشف عنها منذ ذلك الحين، ويحذّر الخبراء من أننا قد لا نكون محظوظين بالقدر نفسه في المستقبل.
فمن احتمال استيلاء وكلاء الذكاء الاصطناعي على أنظمة البنية الأساسية الحيوية دون تصريح، إلى تنفيذ رغبات الجماعات الإرهابية أو تصميم مسبّبات أمراض جديدة، لا يمكن استبعاد أيٍّ من هذه التهديدات.
وعلى الرغم من أن هذه السردية التأسيسية قد توارت خلف الرواية التي يقدمها الاقتصاد الكلاسيكي عن «الإنسان العقلاني» الذي تحركه مصلحته الذاتية، فإنها لم تندثر.
فما زالت القصص التي تستحضر أعمال التضحية والخدمة التي قدمها البشر في الماضي من أجل الجماعة حاضرة، كما لا يزال هناك من يتخيل إمكانات أخلاقية جديدة يمكن أن تتحقق في المستقبل.
فما الذي يتطلبه إذن احتواء التهديد الذي يمثله الذكاء الاصطناعي؟ يمكننا أن نتصور تنسيقًا عالميًا بين لجان مستقلة لتقصّي الحقائق، تمتلك المؤهلات والإمكانات اللازمة لاكتساب معرفة مباشرة بالمخاطر التي تشكلها نماذج بعينها.
ويمكن بعد ذلك استكمال المراقبة الشاملة بضوابط معترف بها دوليًا، تتمثل في معايير دنيا إلزامية للسلامة، تكون قادرة على استباق التهديدات قبل ظهورها، والتعامل معها بفاعلية عندما تقع.
وربما لا يكون هناك ما يستطيع إبقاءنا على طريق البقاء والازدهار المشترك سوى التحلّي بالحكمة والحذر، مقرونين بسردية مضادة تُعلي من شأن التعاون الاجتماعي.