هكذا ترى روسيا العالم الآن
ديمتري آدمسكي - ترجمة: أحمد شافعي
الخميس / 10 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:35 - الخميس 22 أكتوبر 2026 20:35
وكانت تعد أوروبا وحلف الناتو إلى حد كبير امتدادا للقوة الأمريكية. وكانت ترى في استعراض القوة النووية وسيلة فعالة لفرض ضغطها القسري.
ويتصل بهذا أن موسكو تنسب إلى أوروبا الآن دورا استراتيجيا بسبب الحشد العسكري الهائل الجاري في كثير من البلاد الأوروبية وبسبب تنامي اهتمام بعض الزعماء الأوروبيين بتطوير رادعهم النووي أو توسيعه. وثمة تحول ثالث يثير قلق نظرية الردع الروسية: وهو أن فهم موسكو التقليدي للإكراه النووي يتراجع أمام تفكير جديد حول الردع الاستراتيجي غير النووي باستعمال أنظمة أسلحة تقليدية تستهدف أوروبا.
فكما تبين من العقد الماضي، كانت الأفكار المتداولة داخل مؤسسة الأمن الوطني الروسي تشكل كيفية تأطير المسؤولين للمشكلات، وتحديدهم للخيارات، واتخاذهم في نهاية المطاف الخيارات الاستراتيجية الأساسية. والتحولات الثلاثة الحديثة في التفكير الاستراتيجي الروسي سوف تلعب على الأرجح دورا مهما في كيفية تناول موسكو لأي تفاوض من أجل إنهاء الحرب، وكذلك في كيفية إدارتها للتصعيد والتنافس المستقبليين مع أوروبا والولايات المتحدة.
وقد استعمل خبراء الدفاع في موسكو هذا المفهوم لوصف استراتيجية للتعامل مع واقع جديد: فللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية يجادلون بأن أوروبا وليس الولايات المتحدة أصبحت الخصم الجيوسياسي الرئيسي لروسيا.
ووفقا لهذه الرؤية، فالبلاد الأوروبية الآن هي المصدر الأساسي لقدرة أوكرانيا العسكرية، وعزيمتها السياسية، وصمودها الاستراتيجي، وأوروبا لا الولايات المتحدة هي التي جعلت من أوكرانيا وكيلتها وتشجع كييف على السعي إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بموسكو.
والفارق هو أن القسر الروسي لا بد أن يستهدف الآن أوروبا لا الولايات المتحدة من أجل تحقيق هذه الأهداف.
وهم يشيرون إلى عزوف الإدارة عن دعم أوكرانيا، ورغبتها في إنهاء الحرب، واستمرارها في التقرب من الكرملين. وقد جاء قرار الإدارة الأمريكية في منتصف أكتوبر بتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا وفرض ضغوط جديدة على أوكرانيا ليعزز هذه الرؤية في موسكو. كما يفترض الخبراء الاستراتيجيون الروس أن واشنطن تسعى إلى ترسيخ سيطرتها على نصف الكرة الأرضية الغربي وترى الصين لا روسيا خصمها الأساسي بعيد المدى.
ومثلما ترى روسيا الأمر، فإن الحزم الأمريكي الجديد في فنزويلا وكوبا ومنطقة الكاريبي غير مفاجئة. وعلى النقيض، فهمت موسكو الحرب الجارية في إيران ـ وهي أضخم اشتباك عسكري أمريكي في السنوات الأخيرة ـ باعتبارها انحرافا غير مقصود عن اتجاه السياسية الأمريكية الجديد وأن واشنطن تسعى إلى تصحيحه بأسرع ما تستطيع. وسواء أكان هذا الفهم انعكاسا لنوايا أمريكية فعلية، فإن الأمر الأهم هو أنه أصبح الفهم السائد في موسكو.
وعلى وجه التحديد، يشعر الخبراء الاستراتيجيون الروس بالقلق من تحديث الحكومتين الفرنسية والبريطانية لبرنامجيهما النوويين وجاهزيتهما الظاهرة لاستعمالهما بشكل أشد حزما. وقد لاحظت موسكو أيضا احتمال توسع الضمانات النووية الفرنسية أو البريطانية إلى دول أوروبية وعواصم أوروبية غير نووية تفكر في تطوير خيارات نووية خاصة بها.
وفي هذا السياق، برزت بصفة خاصة تصريحات مسؤولين بولنديين في مطلع 2026 تعرب عن تأييد لردع نووي بولندي. ويراقب الخبراء الاستراتيجيون الروسي عن كثب مناقشات باريس ولندن لتقديم ردع موسع يشمل القارة بديلا للمظلة الأمريكية.
وبالنسبة للناتو، يخفف هذا الوضع الأوروبي الأكثر نشاطا من مخاطرة ابتعاد واشنطن عن حلفائها الأوروبيين، لكنه بالنسبة لموسكو يشير إلى أن أوروبا يمكن أن تنفذ ضربات لنزع سلاح ترسانة روسيا النووية أو لقطع رأس قيادتها.
ولكن هذا الافتراض يتغير. فإلى جانب الاعتقاد بأن أوروبا الآن هي خصم ر وسيا الجيوسياسي الأساسي، فإن استقلال القارة الاستراتيجي المتنامي، سواء في القضايا النووية أو التقليدية، بات متغيرا أساسيا في الحسابات الروسية. ووفقا لمفكري الدفاع في موسكو، قد تحتاج روسيا إلى تغيير وضعها لاحتواء هذا الاتجاه، ومن ذلك السعي إلى أدوات جديدة لإبعاد أوروبا وإرغامها على البقاء دون العتبة النووية.
كما أخفق هذا النهج في ردع غزو أوكرانيا البري لروسيا وتوجيهها ضربات لأهداف روسية رمزية وبنية أساسية استراتيجية، ناهيكم بإرغام كييف على الاستسلام.
ويتضمن الردع الاستراتيجي غير النووي (NNSD ) بالنسبة للمؤلفين العسكريين الروس استعمال قدرات تقليدية متقدمة من بينها الأسلحة دقيقة التوجيه والمسيرات والصواريخ البالستية وصورايخ كروز، والصواريخ فرط الصوتية، وكذلك «الأسلحة القائمة على مبادئ فيزيائية جديدة» وهذا مصطلح روسي شامل لأسلحة النبض الكهرومغناطيسي وأسلحة الميكروويف عالية الطاقة لردع الخصوم وإجبارهم.
فمنذ أولى سنوات القرن الحالي، يحاول الخبراء الاستراتيجيون الروس تطوير بدائل تقليدية للردع النووي. لكن إلى أن بدأت حرب أوكرانيا بكامل نطاقها في عام 2022، بقيت هذه الأفكار غير متطورة. وظهر الردع الاستراتيجي غير النووي من دروس الصراع المستفادة.
ومن جراء ذلك، ومع احتدام الحرب وتوطيد أركانها، وبخاصة منذ عام 2024، حولت موسكو تركيزها إلى موجات إطلاق مقذوفات متعددة بالستية أكثر تطورا تتضمن ضربات باستعمال صاروخ أوريشنيك الباليستي الروسي متوسط المدى.
وبرغم أن ملامح الردع الاستراتيجي غير النووي لا تزال في أولها، فإن المفهوم يبدو أكثر تصعيدا من الحرب الهجينية وحملات الردع غير المتكافئة التي تنفي روسيا حاليا أنها تقوم بها في أوروبا.
كما تعمل جميع فروع الجيش الروسي على تطوير نسخها من الردع الاستراتيجي غير النووي وتسعى إلى تحقيق تميز نسبي في تنفيذها. وهذا التنافس بين الفروع قد يرسخ ما يمثل قسرا مقبولا دون العتبة النووية ويصوغ أولويات الاستهداف وكذلك إدارة التصعيد.
وينبغي أن تدرك واشنطن أن الكرملين لا يعد أوكرانيا صراعا مستقلا، وإنما هو جزء من صراع أوسع على النظام الاستراتيجي في أوروبا. فكل جهد ذي قيادة أمريكية للتوسط في مخرج لأوكرانيا سوف يضطر إلى التفكير في منطق التبييت الروسي الناشئ ومخاوف روسيا المتزايدة بشأن أوروبا.
ومن المرجح أن أي تسوية تتعامل مع ميدان المعركة المباشر وتترك احتكاكات موسكو الأوسع على حالها لن توفر غير هدنة مؤقتة في هذا الصراع الأكبر. فعلى واشنطن أن تفهم أن القسر الروسي غير النووي أصبح جزءا من استراتيجيتها المستمرة في ردع أوروبا وليس محض ملمح من ملامح الحرب ذاتها.
وسوف تفعل ذلك لأسباب عديدة: للمواءمة بين شروط التسوية والمصالح الروسية، ولصقل نظرية روسيا الناشئة بشأن الردع الاستراتيجي غير النووي، ولإرغام أوروبا على تبني معمار أمني مختلف. ولذلك قد تقوم روسيا بضربات دقيقة للبنية الأساسية الحيوية، وربما تلجأ إلى محاولات لاستهداف القيادات، وكذلك هجمات محسوبة الشدة في أوكرانيا، بجانب التعامل الدبلوماسي.
وباستعمال هذه التكتيكات، سوف تسعى موسكو لا إلى اكتساب نفوذ في المفاوضات مع كييف وحسب، لكن إلى استرداد ردعها الاستراتيجي لأوروبا أيضا. واستجابة لذلك، قد تقرر أوروبا التصعيد، في ظل تشككها في مصداقية التزامات إدارة ترامب وسعيها إلى إثبات عزمها.
وقد يساء فهم الإجراءات التي يتخذها أي من الجانبين، والتي يراد بها الإكراه المحدود أو الإشارة أو الضغط، فيؤدي هذا إلى حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل، يسعى كل طرف فيها إلى استعادة الردع بدلا من تقويضه.
ومن المفارقات، أن تظهر هذه الديناميكية تحديدا في اللحظة التي يسعى فيها جميع الأطراف - ومنها الكرملين - إلى إيجاد مخرج. وتواجه كل من أوروبا وروسيا خطر تجاوز «نقطة ذروة الإكراه»، والتي قد تؤدي بعدها أي تهديدات باستعمال القوة، أو استعمالها الفعلي، إلى توسيع نطاق الحرب.
وسوف يكون لزاما على المسؤولين الأمريكيين أن يتوقعوا أي تحركات قسرية من جميع الأطراف دون الوقوع في خطأ حسبانها رفضا للدبلوماسية، ودون السماح لها بعرقلة المفاوضات. وسوف ينبغي على واشنطن أن تساعد كلا من أوروبا وروسيا على احتواء استخدامهما للقوة قبل أن تدفعهما المعضلة الأمنية إلى تصعيد خطير.