فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
الخميس / 10 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:48 - الخميس 22 أكتوبر 2026 20:48
أقوم بحفظ ومراجعة القرآن الكريم في مصحفي الخاص، أحيانًا أضيف بعض الملاحظات أو التحديدات الملوّنة كالخطوط والدوائر لتوضيح مواضع الأخطاء أثناء التسميع أو لربط المتشابهات أو لتصحيح أخطائي. هل هذا جائز شرعًا؟ وهل يُعتبر ذلك تقليلًا من تعظيم القرآن الكريم؟
الأصل أن يُنزَّه كتاب الله عز وجل عن الكتابة فيه، وعن التلوين والرسومات، ولكن رخّص أهل العلم في المصحف الخاص للمسلم، رجلًا كان أو امرأة، إن كان يحفظ منه ويتدبّر في آياته؛ لأنه لا يقصد تنقّصًا من كتاب الله عز وجل، ولا هو في سياق ما يمكن أن يُعدّ إهانة للمصحف الشريف، وكان ذلك في خاصة مصحف المرء لنفسه.
فهذا مما يُرخّص فيه، لكن مع ذلك فإن التنزّه أولى إن أمكن، أما إن لم يمكن، فليقتصر القارئ الذي يريد أن يعمد إلى شيء من الملاحظات أو العلامات أو ما يعينه على الفهم أو الحفظ أو التدبّر أو شيء من رفع ما يلتبس عليه من المتشابهات، فهذا مما يجوز، شريطة، كما تقدّم، ألّا يكون فيه شيء من التنقّص، فلا حاجة إلى المبالغة والتزيّن في هذا الفعل، وألّا يكون بقصد إهانة المصحف، وحاشا من سأل هذه المسألة أن يكون من هؤلاء، وإلا لما طرح السؤال، لكن حتى لا يتوسّع الناس ويقتدي الصبيان بالكبار، فيظنون أن تعاملهم مع المصحف الشريف كتعاملهم مع سائر الكتب والصحف، فلا ينبغي أن يتوسّع في هذا الشأن. الأولى التنزّه، لكن إن احتاج، فبقدرٍ مع تعظيم كتاب الله عز وجل، وعدّ ذلك مما يعين على الفهم أو الحفظ أو التدبّر، والاقتصار على القدر اليسير في مصحف المرء الخاص به، فهذا من الواسع إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.
توفيت والدتي، رحمها الله، وكانت تملك قلادة ذهب، وأصبحت عندي بعد وفاتها، أرغب الآن في معرفة الحكم الشرعي في التصرف بها. هل يجوز لي أن أبيعها وأن أجعل ثمنها صدقة جارية عن والدتي، أم أنها أصبحت من التركة ولا بد من تقسيمها؟
هذه القلادة هي من التركة التي يستحقها الورثة بحسب أنصبتهم المفروضة شرعًا، فليس لها أن تتصرف بها منفردة لتبيعها، ولو كان ذلك بقصد أن تجعلها صدقة عن أمها، بل الواجب أن تفصح عنها، وأن تجعلها من جملة التركة التي تنالها القسمة، ليأخذ بعد ذلك كل وارث نصيبه المفروض شرعًا، ثم يتصرف في نصيبه ذلك.
وهذا السؤال جيد في التنبيه على أمر يجب أن يلتفت إليه الورثة، فمن كان في يده شيء مما تركه المورّث عنده على سبيل الأمانة أو على سبيل الانتفاع، فإن عليه أن يبيّنه لسائر الورثة، وأن يجعله من جملة التركة التي تُقسم، وألّا يستأثر بذلك الشيء بقطع النظر عن قصده من احتفاظه به.
فالقصد هنا حسن، وهو ما ذكرته السائلة من أنها تريد أن تجعل هذا الشيء في شيء من الصدقات عن أمها، وكذا الحال فيمن جعل في مقاصده مثل هذه الغايات، لكن هذا المال فيه حق للورثة، فليس له أن يستأثر به، بل عليه أن يبيّنه وأن يكشفه لسائر الورثة، وأن يقتسموه فيما بينهم، قلّ أو كثر، مما يصدق عليه أنه مال يمكن أن يُنتفع به.
يذكر أهل العلم أن ما كان أشبه بما تقتنيه النساء عادة فيكون للنساء، وما كان أشبه بما يقتنيه الرجال عادة من التركة يُجعل للرجال، فليس المقصود على سبيل التمليك دون أن تناله القسمة، وإنما المقصود أن يُقوَّم ذلك من أنصبتهم.
فما كان من حلي النساء، على سبيل المثال، أو ملابس نسائية أو غير ذلك، فالأولى أن يُجعل من نصيب البنات، وما كان مما هو من شأن الرجال، كالخناجر وما أشبهها على سبيل المثال، فالأولى أن يُجعل من نصيب الرجال.
وهذا لا يعني أنه لا يمكن أن تُجعل أمثال هذه المقتنيات من التركة للجنس الآخر، وإنما هو من باب الاستحباب، لكن في كل الأحوال يجب أن تنالها القسمة، وهذه القسمة إنما هي بحسب ما أقرّته هذه الشريعة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى أعلم.
تُقام في بعض المساجد أو مدارس القرآن الكريم التابعة للمساجد فعاليات ودروس صيفية للقرآن والأخلاق وتعليم الصلاة، ما حكم تمويل هذه الأنشطة من وقف المسجد، على اعتبار أن ذلك من العمارة المعنوية للمسجد؟ وهل يوجد فرق بين أن يكون التدريس في المسجد أو في المدرسة؟
أولًا، لنحرر أصل المسألة، فالأوقاف التي جُعلت للمساجد لا يُقصد منها العمارة المعنوية، وإنما يُقصد منها في الفقه الإسلامي ما يتعلق بالصيانة والإصلاح وعمارة المسجد نفسه، وما يحتاج إليه لبقاء رسالته وما أُقيم من أجله من الذكر والصلاة والقرآن وتهيئة كل ما يحتاجه مرتادو المسجد، فيما يتعلق بما نعرفه اليوم بالعمارة المادية، إلا إذا كان الواقف قد أدخل هذا الجانب، وهو العمارة المعنوية.
ما يُقام في المسجد وفي مرافق المسجد، إذا كانت المدرسة تابعة للمسجد، من محاضرات وتعليم وتفقّه وحلقات ذكر وتعليم، فإذا كان الوقف عند تأسيسه، أو أُضيف إلى الوقف القديم الذي جُعل لعمارة المسجد المادية، أُضيفت أصول أخرى وأُريد لها أن تشمل أيضًا هذه الوجوه، فحينئذٍ لا مانع من الصرف لهذه الوجوه.
أما ما وُجد من أوقاف، لا سيما من الأوقاف القديمة التي نصّ الواقفون فيها على أنها للمساجد، فهذا يعني ما تحتاجه المساجد من صيانة وإصلاح وأدوات وأجهزة وفرش وغير ذلك من ترميم، وما يمكن أن تحتاجه حتى عند إعادة البناء. هذا الذي تُوجّه إليه.
أما ما يتعلق بالمصلين والمتعلمين بالقرآن وتعليمه، فلها أوقاف أخرى، لكن إذا أدخلوها، كما قلت، في أوقاف جديدة أُنشئت، أو عندما أُنشئت هذه الأوقاف لبعض المساجد الحديثة نسبيًا، فقصد المؤسسون هذه الوجوه، ففي هذه الحالة لا مانع، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: «إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ»، وقوله: «يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ»، ما الدلالة في المعنى الذي أضافه استخدام «مع الساجدين» وليس «من الساجدين» في الآية الشريفة في سورة الحجر؟
قال: «يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ»، وقال قبلها: «إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ». «مع» تدل على المعية والمصاحبة، وهذا السياق سياق بيان لإباء إبليس، لعنه الله تعالى، من أن يسجد لآدم استجابة لأمر الله تبارك وتعالى. فإظهار الامتناع والإباء، كما يقول المفسرون، يظهر أكثر حين يكون الوصف لنفي المعية والمصاحبة، لا لنفي أن يكون منهم فقط، بل هو أبى وامتنع من أن يكون مع هؤلاء، أن يكون في مجموعة، أن يكون معدودًا في صحبتهم ومعهم.
وإلا فقد ورد في سورة الأعراف وصفه بـ«من الساجدين»: «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» في الأعراف، وورد في سورة البقرة: «فَأَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ». الآن هذا هو التبعيض باستعمال «من» هنا، وهناك «مع» للدلالة على المعية والمصاحبة، لكن الذي ورد في الأعراف هو وصف للمشهد، هل كان من الساجدين؟ لا، لم يكن إبليس من الساجدين.
إذا حكى الله تبارك وتعالى لنا في الأعراف، بعد أن بيّن في البقرة: «فَأَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ»، هنا علمنا حالته، أنه أبى واستكبر، وأنه كان من جملة الكافرين، فمقتضى هذا أنه امتنع عن السجود تكبّرًا وطغيانًا، ولم يستجب لأمر الله تبارك وتعالى، فعلمنا وصفه إجمالًا وبواعثه وتصورنا حالته.
جاءت آية الأعراف لحكاية المشهد: الملائكة تسجد، «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ»، هذا امتنع فلم يكن منهم، فحكاية هذا المشهد لنتصوره ونراه: «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ»، «ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا فَسَجَدُوا»، إلا إبليس لم يكن من الساجدين.
هي حكاية للمشهد، فهو لم يكن من الساجدين، فالتبعيض هنا مقصود؛ لأن الآية الكريمة تحكي هذا المشهد، وكان المخاطب يلحظ هذا المشهد فيرى أن إبليس ليس من الساجدين، فكان استعمال حرف الجر «من» في آية الأعراف هو الأبلغ الموفّي للمعنى المراد. أما آية الحجر، فنحن علمنا أنه كان من الكافرين في البقرة، وأنه أبى واستكبر، ثم علمنا أنه لم يكن من الساجدين في الأعراف، الآن تحكي لنا الآية الكريمة، تبيّن لنا الآية الكريمة في الحجر أنه امتنع ولم يكن معهم، ولم يكن في معيّتهم، لا من قريب ولا من بعيد، لا في الظاهر ولا في الباطن.
كما أن الحكاية في الأعراف لا تعني أنه لم يكن من الساجدين حقيقة، وإنما كان يتظاهر بالسجود؛ لأن السياق نفسه لا يسمح بهذا، وإنما لم يكن من زمرة هؤلاء الملائكة الذين أمرهم الله تعالى، وأمره هو أيضًا على وجه الخصوص، فلم يكن منهم، ولم يكن من الساجدين أبدًا، نفيًا لأن يكون بعضًا من هذا المشهد. فالآية في الأعراف تحكي لنا هذا المشهد، والآية في الحجر تبيّن لنا أنه أبى وامتنع من أن يكون معهم أصلًا، فكان استعمال الحرف «مع» هو الأبلغ الموفّي للمعنى حقه في هذه الآية الكريمة، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ»، لماذا جاء ذكر التكذيب بصيغة الماضي والقتل بصيغة الحاضر؟
في هذه الآية الكريمة، أولًا الآية فيها تفصيل بعد الإجمال: «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ»، الآن بدأ التفصيل: «فَفَرِيقًا»، ولذا قُدّم المفعول به أولًا للشروع في التفصيل بعد الإجمال، وللتشويق والاهتمام. هذه فائدة إضافية غير التي سأل عنها.
ثم قال: «كَذَّبْتُمْ»؛ لأن التكذيب متقدم، وقد صدر منهم. وقال: «وَفَرِيقًا»، هذا التفصيل الآخر: «تَقْتُلُونَ»، مع أن القتل حاصل أيضًا في زمن ماضٍ، لكن الإتيان بصيغة المضارع لحكاية حدث ماضٍ فيه حِكَم بيانية بلاغية.
أولها تصوير المشهد وكأنه يحصل أمام المخاطب، وهذا تكرر في أكثر من مناسبة. ينقلك هذا الخطاب من التعريف بالماضي إلى تصوير ذلك المشهد الذي حصل في الماضي، وكأنك تراه يقع أمامك الآن، ولما في ذلك من هول هذا المشهد، فكان القرآن الكريم هنا يريد من المخاطبين أن يتصوروا هول هذا الجرم الذي اقترفه هؤلاء، بقتلهم الأنبياء.
فاستعمل صيغة المضارع لحكاية الحال، ولإظهار الاهتمام، ولتصوير المشهد وكأنه يقع الآن، ثم يُضاف إلى ذلك التنبيه، تنبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن هذا شأن هؤلاء اليهود في الماضي، وهم غير منفكّين عنه في الحاضر.
ففيه تنبيه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين إلى أنهم كما قتلوا في الماضي، فإنهم لا يتورعون عن قتل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في الحاضر. وهذا ما أثبته التاريخ، فقد حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمحاولات شتى، منها السم، ومنها إلقاء الحجر الشديد، ومنها المقاتلة وتهييج الناس، وتأليب المشركين، والتآمر مع المشركين، فهذه المعاني كلها حاضرة في استعمال صيغة المضارع هنا بدل صيغة الماضي، والله تعالى أعلم.