أفكار وآراء

بـدايـات بـلا نـهـايـات!

تـوشـك ولايـة دونـالـد تـرامب الـحـالـيـة عـلى الانـتـصـاف مـن غـيـر أن يـنـجـز شـيـئـًا مـمـا وعـد بـه نـاخـبـيـه فـي حـمـلـتـه الـرئـاسـيـة؛ وقـد لا يـكـون مـعـلـومـًا لـدى أحـد فـي أمـريـكـا والـعـالـم إن كـان يـسـتـطـيـع، فـي الـنـصـف الـثـانـي الـقـادم مـن هـذه الـولايـة، أن يـتـدارك مـا تـنـكـب عـن تـحـقـيـقـه فـي مـا مـضـى، خـاصـة أن احـتـفـاظـه وفـريـقـه وحـزبـه بـالـغـالـبـيـة فـي مـجـلـسـي الـكـونـغـرس لـيـس مـضـمـونـا بـالـنـظـر إلـى هـزال حـصـيـلـة الـنـتـائـج الـمـتـحـقـقـة!

مـنـذ تـولـى الـرئـاسـة، فـي انـتـخـابـات 2024، وهـو يـكـاد أن يـدور فـي الـحـلـقـة عـيـنـهـا دورانًـا رتـيـبًـا. يـفـتـح مـلـفـا مـا؛ فـيـبـادر إلـى اتـخـاذ قـرارات فـيـه ويـبـاشـر فـي إجـراءات للـتـنـفـيـذ، ثـم لا يـلـبـث أن يـتـوقـف، عـلى حـيـن غـرة، مـن غـيـر أن يـسـتـكـمـل مـا بـدأ فـيـه ولا أن يـحـرز الـنـزر الـيـسـيـر مـن الـنـجـاح لـيـنـتـقـل، بـعـده، إلـى مـلـف ثـانٍ يـصـيـبـه مـن الـكـبـو والـنـقـصـان فـي تـدبـيـره مـا أصـاب سـابـقـه، فـإلـى ثـالـث ورابـع... وهـكـذا دوالـيـك، وسـط حـال مـن الإحـبـاط والـذهـول فـي حـزبـه ومـجـمـوعـتـه الأيـديـولـوجـيـة «مـاغـا» وجـمـهـوره أمـام مـا يـجـري! ولـقـد حـدا ذلـك الـقـفـز عـلى الـقـضـايـا والـمـلـفـات، ومـا وسـمـه مـن قـصـور حـاد، بـكـثـيـر مـن الـمـعـلـقـيـن وكـبـار كـتـاب أعـمـدة الـصـحـف، مـن الأمـريـكـيـيـن والأوروبـيـيـن، إلـى تـشـبـيـه مـا يـقـوم بـه دونـالـد تـرامـب بالاسـتـعـراض الـسـيـاسـي الـذي لا يـتـغـيـا بـه أكـثـر مـن الـمـبـاهـاة وإشـبـاع نـهـم الـذات فـي الـتـعـبـيـر عـن نـرجـسـيـتـهـا الـمـبـالـغ فـيـهـا!

سـنـشـيـر، فـي إسـراع، إلـى حـالات سـت - مـصـطـفـاة مـن حـالات عـديـدة - لـذلـك الانـتـقـال الـمـتـلاحـق مـن مـسـألـة إلـى أخـرى، مـن غـيـر عـلاج، فـي سـيـاسـات الإدارة الحـالـيـة ورئـيـسـهـا.

أولـهـا وأظـهـرهـا إنـهـاء الحـروب والـسـعـي إلـى تـحـقـيـق الـسـلام فـي العـالـم، وهـي الـدعـوى التـي بـنـيـت عـلـيـهـا حـمـلـتـه ضـد كـمـالا هـاريـس، الـمـرشـحـة الـديـمقـراطـيـة، وضـد شـراكـتـهـا مـع بـايـدن فـي تـأجـيـج حـربـي روسـيـا - أوكـرانـيـا و«إسـرائـيـل» - غـزة.

ومـع أن إدارة تـرامـب ادعـت مـسـاهـمـة فـي «إنـهـاء» ثـمـاني حـروب، لـم تـثـبـت مـنـهـا حـالـة واحـدة صـحـيـحـة، ومـا تـوقـف رئـيـسـهـا عـن الـمـطـالـبـة بـمـنـحـه جـائـزة نـوبـل للـسـلام جـزاء مـا «قـدم» لـ «الـسـلام»! إلا أن الحـقـيـقـة الـتي لـم يـعـد يـنـكـرهـا حـتـى أقـرب الـمـقـربـيـن مـنـه فـي الـمـاضـي الـقـريـب، أمـثـال الإعـلامـي تـاكـر كـارلـسـون، أن أمـريـكـا دخـلـت مـع تـرامـب عـهـدا جـديـدا مـن الحـروب الـتي لا أفـق لـهـا، وأنـه مـا اسـتـطـاع أن يـعـالـج أيـا مـن الـنـزاعـات الـمـسـلـحـة الـتي ورثـتـهـا إدارتـه.

هـكـذا بـدأ بـالحـديـث عـن الـسـلام لـيـجـد نـفـسـه، بـعـدهـا، خـائـضـا فـي حـروب لا يـعـرف كـيـف يـخـرج مـنـهـا رغـم نـصـائـح رئـيـس أركـان الـجـيـش الأمـريـكـي الـمـسـداة إلـيـه فـي هـذا الـبـاب!

ثـانـيـهـا الحـرب الـروسـيـة- الأوكـرانـيـة، وقـد وعـد تـرامـب فـي حـمـلـتـه الانـتـخـابـيـة بـأن يـوقـفـهـا خـلال نـصـف سـاعـة مـا إن يـصـيـر رئـيـسـا، ومـا تـوقـف عـن الـزعـم بـأنـهـا مـا كـانـت لـتـنـدلـع لـو كـان فـي الـبـيـت الأبـيـض بـدلا مـن بـايـدن! وهـا هـو - بـعـد عـامـيـن مـن وصـولـه إلـى الـسـلـطـة، ولـقـاء مـع بـوتـيـن وسـفـرات لـمـبـعـوثـه الـشـخـصـي ويـتـكـوڤ إلـى مـوسـكـو - يـقـف أمـام الـحـرب عـاجـزا عـن أن يـفـعـل شـيـئـا، فـيـمـا تـفـقـد انـتـقـاداتـه لـسـيـاسـات بـايـدن ودول حـلـف شـمـال الأطـلـسـي - الـتـي اعـتـبـرهـا مـؤجـجـة للحـرب ومـسـانـدة لأوكـرانـيـا فـيـهـا - بـريـقـهـا الـذي بـدت بـه فـي مـسـتـهـل أمـرهـا.

بـدأ، كـعـادتـه مـبـادرة لإنـضـاج تـسـويـة مـتـفـاوض عـلـيـهـا بـيـن مـوسكـو وكـيـيـڤ وتـركـهـا فـي مـا دون مـنـتـصـف الـطـريـق نـفـسـه لـتـسـتـمـر الحـرب مـثـلـمـا كـانـت... وأشـد!

ثـالـثـهـا «خـطـة تـرامـب» لإنـهـاء الحـرب عـلى غـزة؛ وهـي أتـت بـعـد مـحـاولات يـائـسـة مـن تـحـقـيـق حـلـمـه الـعـقـاري الإمـبـراطـوري فـي غـزة، عـلى حـسـاب حـقـوق أهـلـهـا فـي أرضـهـم وتـقـريـر مـصـيـرهـم، الـقـاضـي بـتـهـجـيـرهـم مـنـهـا قـصـد تـحـويـلـهـا إلـى ريـبـيـيـرا! وإذ فـرضـت خـطـة تـرامب نـفـسـهـا، بـقـوة سـلاح الاحـتـلال وإبـادتـه الـجـمـاعـيـة، وأجـبـرت الـمـقـاومـة عـلى تـبـادل مـا تـبـقـى لـديـهـا مـن أسـرى الـكـيـان، اكـتـفـت بـأن تـوقـفـت عـنـد الـحـدود الاحـتـفـالـيـة الإقـلـيـمـيـة بـالـخـطـة، وعـنـد تـشـكـيـل «مـجـلـس الـسـلام» وتـعـيـيـن مـمـثـل تـرامب فـي الـقـطـاع وبـقـيـة الـهـيـكـل الـتـنـظيـمـي .

هـكـذا شـرع فـي الـخـطـة ولـم يـسـتـكـمـل تـنـفـيـذهـا فـيـمـا تـرك لـجـيـش الاحـتـلال أن يـسـيـطـر عـلى ما يـقـارب الـسـتـيـن بـالمـائـة مـن الـقـطـاع، وأن يـسـتـمـر فـي عـدوانـه الـيـومـي عـلى بـقـايـا الـمـدن والـمـخـيـمـات وقـتـلـه للـمـئـات، فـضـلا عـن حـصـاره الـشـامـل والـمـطـبـق للـقـطـاع.

وحـتـى حـيـنـمـا اسـتـأنـف الـعـمـل بـهـا مـؤخـرا، بـدا وكـأن «مـجـلـس الـسـلام» - مـتـواطـئـا مـع الاحـتـلال - يـتـنـصـل مـن مـسـؤولـيـاتـه ويـحـكـم عـلى الـخـطـة بالـشـلـل!

ورابـعـهـا حـرب الـرسـوم الـجـمـركـيـة الـتي بـدأهـا تـرامـپ، فـي مـطـلـع الـعـام 2025، وطـالـت مـعـظـم دول الـعـالـم بـتـفـاوت فـي نـسـبـهـا، وأحـدثـت هـزة عـنـيـفـة لـنـظـام الـتـجـارة الحـرة وللاسـتـقـرار الاقـتـصـادي فـي الـعـالـم، بـمـقـدار مـا وحـدت الـعـالـم كـلـه ضـد الـسـيـاسـات الاقـتـصـاديـة الـجـديـدة للـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة ومـا تـهـدد بـه مـن حـرب اقـتـصـاديـة.

ثـم فـجـأة تـتـوقـف حـرب الـرسـوم الـجـمـركـيـة تـلك (لـعـدم دسـتـوريـتـهـا) مـن غـيـر أن تـحـرز فـيـهـا إدارة تـرامب نـجـاحـات تـذكـر.

أمـا خـامـسـهـا فـكـان إعـلان دونـالـد تـرامـب اعـتـزامـه ضـم كـنـدا، ابـتـداء، ثـم غـريـنـلانـد بـعـدهـا إلـى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، ومـا لـقـيـه مـن احـتـجـاج الـجـانـبـيـن الـمـسـتـهـدف مـصـيـرهـمـا بـالابـتـلاع الأمـريـكـي ومـن اسـتـهـجـان واسـتـنـكار مـن كـل الـعـالـم الـذي اسـتـغـرب لـهـذا الاسـتـهــتـار الـذي جـاوز الـحـدود!

لـكـن هـذه الانـدفـاعـة فـي الـمـجـاهـيـل لـم تـلـبـث أن انـحـسـرت إلـى أن خـبـت تـمـامـا، مـثـل غـيـرهـا، فـانـتـهـى الـحـديـث عـن حـلـم تـوسيـع جـغـرافـيـة أمـريـكـا عـلى حـسـاب غـيـرهـا وكـأن لـم يـكـن...

وتـبـقـى حـرب تـرامـب عـلى إيـران سـادس تـلـك الحـالات. بـدأهـا فـي يـونـيـو مـن الـعـام 2025، ثـم اسـتـأنـفـهـا لأربـعـيـن يـومـا أخـرى مـنـذ 28 فـبـرايـر 2026؛ ومـا لـبـث فـشـل أهـداف الحـرب أن فـرض عـلـيـه الـجـنـوح للـتـفـاوض مـعـهـا بـحـثـا عـن الـتـسـويـة، فـكـانـت الـثـمـرة الـوصـول إلـى الـتـوقـيـع عـلى «مـذكـرة الـتـفـاهـم» للـتـفـاوض عـلى مـسـتـقـبـل الـبـرنـامـج الـنـووي الإيـرانـي.

وكـمـثـل مـا وقـع مـع الحـرب، سـيـقـع مـع الـتـفـاوض الـذي انـقـلـب عـلـيـه رئـيـس أمـريـكـا وانـسـحـب مـنـه عـائـدا إلـى حـرب مـتـدرجـة... وإلـى الـمـجـهـول الـسـيـاسـي.

مـثـل هـذا الـقـفـز مـن مـسـألـة إلـى أخـرى، مـن دون اسـتـيـفـاء أي مـن تـلـك الـمـسـائـل، لا يـمـكـنـه أن يـكـون إلا الـتـعـبـيـر الـجـهـيـر عـن سـيـاسـة مـصـابـة بـالاضـطـراب والارتـجـال والـنـقـص الـحـاد فـي الـعـقـلانـيـة. ألـيـس هـذا مـا يـصـدق عـلى سـيـاسـات واشـنـطـن، الـيـوم، الـتي حـق عـلـيـهـا الـقـول الـمـأثـور: «كـم حـاجـة قـضـيـنـاهـا بـتـركـهـا»!