أفكار وآراء

غلاء المعيشة.. هل الحل في رفع الرواتب؟

غلاء المعيشة في أبسط معانيه هو حالة ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل مستمر، مما قد يخفض القوة الشرائية للعملة.

ولعل ظاهرة غلاء المعيشة من أعقد المسائل الاقتصادية التي يصعب حلها؛ لذا قلما تنجح أية دولة في إيجاد حلول جذريّة لمعالجة تحدياتها. كما أن تدخل الدول لوقف ارتفاع الأسعار يكون في أحيان كثيرة مسكّنا وقتيّا؛ وإن كانت بعض الدول قد حاولت رفع الرواتب للحدّ من غلاء المعيشة، فإن لذلك انعكاسات على الشأن الاقتصادي على المدى الطويل.

ثمة مدارس متعددة في علم الاقتصاد تعمل على تفسير غلاء المعيشة، أو بمعنى آخر ارتفاع الأسعار المعروف بالتضخم. ومن هذه المدارس المدرسة النقدية، التي تستند إلى نظرية مفادها أن ارتفاع معدلات التضخم يحدث عند اختلال التوازن بين النمو في الإنتاج الحقيقي وكمية عرض النقود في السوق.

وفي الجانب الآخر، ترى النظرية الكينزية، التي يقودها البريطاني جون كينز، أن التضخم قد ينتج عن أسباب عديدة؛ منها: ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو زيادة الطلب على الطاقة الإنتاجية. وبناء عليه، فإن تفسير ارتفاع الأسعار في أغلب دول العالم الناجم عن الاختلالات في أسعار الطاقة أو في سلاسل الإمداد - والتي تأثرت كثيرا بأحداث إغلاق مضيق هرمز - يرتكز على مفهوم النظرية الكينزية. غير أن ارتفاع الأسعار الناتج عن الخلل في سلاسل إمداد مصادر الطاقة، يُعدّ تضخما وقتيّا أسبابه سياسية وليست اقتصادية؛ فعند صدور أي تصريح رسمي أو اتفاق يُعِلن بوادر انتهاء الحرب الإيرانية - الأمريكية، تتجه الأسعار تلقائيّا نحو الانخفاض، مما يؤثر تدريجيّا بالتبعية على أسعار السلع والخدمات.

ولعل النظام الرأسمالي - الذي يدعو إلى حرية التجارة وفتح الأسواق وعدم تدخل الدولة في تقديم الدعم المباشر لقطاعات الإنتاج - يُسهم، إلى جانب التغيرات الجيوسياسية والخلل في العرض والطلب الكلي، في رفع معدلات التضخم المتمثلة في غلاء المعيشة. لذا تحاول البنوك المركزية تطبيق أدواتٍ لكبح استمرار التضخم، ومنها رفع أسعار الفائدة للتقليل من تدفق السيولة النقدية في الأسواق وتقليص الطلب الكلي على السلع والخدمات.

ورغم أن توجه رفع أسعار الفائدة ومحاولات تقييد السيولة النقدية يهدفان إلى كبح الطلب الكلي، إلا أنه في أحيان كثيرة لا يوفر الحماية اللازمة للفئات الهشة ومحدودي الدخل في المجتمع؛ لأن معالجات الحد من ارتفاع الأسعار عادة ما تكون غير متكافئة مع أعباء غلاء المعيشة.

غلاء المعيشة قد يكون مرتبطا بالنظام الرأسمالي وآلية تحديد أسعار السلع بناء على محددات العرض والطلب محليّا ودوليّا. وبالتالي تتحدد الأسعار بناء على التكاليف الإنتاجية (تضخم التكاليف)، أو على أساس مستويات الطلب الكلي (تضخم الطلب) عندما يفوق الطلب على الإنتاج الفعلي. وعندما يتم تعديل أسعار الفائدة، فإن ذلك يمثّل محاولة لضبط الطلب الكلي على السلع والخدمات؛ بهدف المحافظة على القوة الشرائية للعملة المحلية، حتى لا يضطر المشتري لدفع مبالغ إضافية لتلبية احتياجاته الأساسية.

إن ما يحدث من زلزال في الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت شرارتها الأولى في فرنسا وتطايرت تلك الشرارة إلى مجموعة من الدول الأوروبية، ليس إلا إعلانا لفشل النظام الرأسمالي غير العادل في توزيع الثروة، والذي يُبنى فكره الاقتصادي عبر المتحكمين في صندوق النقد والبنك الدوليين.

فهذه المؤسسات، التي تأسست قبل ما يزيد على ثمانين عاما بهدف المحافظة على الاستقرار الاقتصادي وتقديم القروض قصيرة وطويلة الأجل، عادة ما تشترط في قروضها توجيه الدول نحو تعديل سياساتها المالية والاقتصادية؛ كالتوسع في فرض الضرائب، وتخفيض الدعم الحكومي، وتحرير الأسواق.

وبالرغم من أن الضرائب تُعدّ مصدرا مستداما لإيرادات الدول، إلا أن تداعياتها الاجتماعية تكون في أحيان كثيرة مكلفة جدّا. وبالتالي، تلك الإصلاحات التي تنادي بها المؤسسات المالية الدولية، تصبح وبالا على الدول المقترضة بارتفاع ديونها العامة، وعبئا ثقيلا على الفئات متوسطة ومحدودة الدخل. ومهما حاولت الدول تقديم شتى أنواع الدعم والإعفاءات الضريبية، فيظل غلاء المعيشة هاجسا يطارد حياة المواطنين اليومية.

فهذه الدول التي تتغنى بالديمقراطية وتحقق تسارعا غير متوقف في المجالات العلمية والتكنولوجية والعسكرية، يرزح مواطنوها تحت وطأة الضرائب التي انعكست سلبا على ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، فلم تعد الأسر محدودة الدخل -وكذلك المتوسطة- قادرة على التكيف معها.

ومع هذه التداعيات، لا يتفق الاقتصاديون على أن الحل يكمن في زيادة الأجور بالقطاعين العام والخاص؛ لأن تلك الزيادة تدفع المنتجين لرفع الأسعار لتغطية تكاليف الأجور، فلا يستفيد السوق عمليّا من الزيادة لإعادة امتصاصها بأسعار مرتفعة للسلع والخدمات، وتفقد العملة بذلك جزءا من قوتها الشرائية. وبعبارة أخرى، فإن ما يحصل عليه الموظف من زيادات نقدية تقابله زيادات مماثلة في أسعار السلع والخدمات.

ولعل علاج غلاء المعيشة في أحيان كثيرة لا يعتمد على سجل الدولة الاقتصادي فحسب، بل يتوقف على الفكر القيادي وأساليب تعامله مع المطالب الاجتماعية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في كيفية تعامل سلطنة عُمان مع موجات غلاء المعيشة خلال الفترات الماضية، حيث جاءت الاستجابة عبر تصحيح الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، مع استحداث بدل تكميلي لغلاء المعيشة في القطاع العام. وهي سياساتٌ يُلاحظ أن المستفيد الأكبر منها هو الفئات الأقل دخلا، كونها تنفق معظم دخلها على السلع الأساسية.

عليه فإن تبني الدولة لسياسات مالية متوازنة للحد من استمرار غلاء المعيشة وتستجيب للمطالب المجتمعية يُعدّ أمرا ضروريّا للمحافظة على استدامة النشاط الاقتصادي.

غالبا ما ينظر معظم أفراد المجتمع إلى رفع الرواتب أو الأجور كحل أمثل لكبح جماح غلاء المعيشة، إلا أن المدارس الاقتصادية، ومنها الكينزية والنقدية، تُجمع على أن التوجه نحو زيادة الرواتب دون أن يقابله نمو في الإنتاج الكلي الحقيقي، يحمل عواقب سلبية على الاقتصاد تفوق أثر الزيادة الاسمية في الأجور.

فعلى سبيل المثال، تعاني دول مجلس التعاون الخليجي التي تمنح أجورا عالية هي الأخرى من ارتفاع تكلفة المعيشة، في المقابل، تم تصنيف سلطنة عُمان ضمن تكلفة المعيشة المنخفضة خليجيّا.

هناك مبادرات استثنائية تقوم بها، سلطنة عُمان بتقديم أشكال مختلفة من الدعم الحكومي لقطاعات الكهرباء والمياه والنفايات والوقود، مع المراجعة المستمرة لإعفاء المزيد من السلع الأساسية من ضريبة القيمة المضافة.

هذا الدعم ينبغي أن يستمر لتستفيد منه الفئات الأقل دخلا، لعدم قدرتها على التكيف مع التغيرات المتلاحقة في أسعار السلع والخدمات، مما يستدعي تعزيزه لتخفيف أعباء غلاء المعيشة.

كما تقدم منظومة الحماية الاجتماعية منافع متنوعة للمجتمع، مما يتطلب إعادة النظر في شروط منفعة دعم دخل الأسرة، لتصبح أكثر مرونة، ليشمل استحقاقها فئات الدخل المنخفض والمتوسط، مع إيلاء عناية خاصة لشرائح أوسع من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأصحاب الأمراض المزمنة؛ فهذه الفئات جديرة بأن تحظى بأعلى معايير الرعاية الاجتماعية والمادية؛ للتخفيف من تداعيات ارتفاع تكاليف المعيشة على متطلباتها الأساسية.