أزمة الديزل تختبر حدود العولمة
ترجمة: قاسم مكي
الأربعاء / 9 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:35 - الأربعاء 21 أكتوبر 2026 20:35
قد يكون الديزل أبسط أنواع الوقود، لكنه ركيزة النقل. وأي نقص فيه يضر بالنشاط الاقتصادي مباشرة.
ويتسرَّب ارتفاع أسعاره بشكل أعم إلى تكاليف الإنتاج وبالتالي إلى التضخم الرئيسي (الذي يشمل كل السلع والخدمات) بأكثر مما يفعل البنزين أو النفط الخام.
لذلك إنه لأمر مهم وشاغل للبال أن ترتفع أسعار الديزل إلى حوالي الضعف مقارنة بارتفاع أسعار البنزين منذ يوليو إما بسبب تضرر سعة التكرير وإما لأن الحرب جعلت نقله غير ممكن.
الحكاية الحالية لا تخلو من مفارقة؛ تبدأ فصولها بمزاعم الولايات المتحدة، وهي أكبر منتج للنفط ومصدِّر للديزل في العالم، بأنها تواجه نقصا في إمدادات الديزل الى الحد الذي دفعها للتفكير في حظر تصديره.
تحرك دونالد ترامب بسرعة من التهديد بمثل هذا الحظر للضغط على شركاء مجموعة السبع كي يعجلوا بضخ مخزونهم الاستراتيجي إلى التخفيف «الأحادي» لعقوبات صادرات الديزل المفروضة على روسيا في مقابل وعدها بصادرات إضافية للعالم.
المشكلة ليست في نجاح هذه السياسات (حظر التصدير) أو فشلها بالنسبة للحكومة الأمريكية؛ المشكلة في الضرر الذي توجده لأمن الطاقة وأداء الاقتصاد العالمي.
دعونا نبدأ بحظر الصادرات؛ الحقيقة المخيفة ليست إنه سيؤذي اقتصاد الولايات المتحدة (في حال فرضه). بل في احتمال أن ينجح. مثل هذا الحظر سيخفض أسعار الديزل حقا في المدى القصير بالولايات المتحدة لكنه سيزيدها في الخارج.
ازدياد تكاليفه سيرفع أسعارَ وارداتِ الولايات المتحدة من السلع والغذاء من المكسيك وشيلي والبرازيل والتي هي أكبر ثلاثة بلدان مستوردة للديزل الأمريكي.
وسيقلص الحظر الصارم على تصديره إنتاجَ البنزين ووقود الطائرات في الولايات المتحدة أيضا، لكن وضع سقف مرن على تكرير الديزل (بدلا من حظر تصديره) يمكن أن يقلل من هذه العواقب أو يتجنبها.
في الحقيقة مجرد التهديد بفرض حظر على صادراته كان ناجحا كما يبدو؛ فقد وافقت مجموعة السبع على التعجيل بضخ الاحتياطيات الاستراتيجية للديزل مع تعهد الدول الأعضاء بعدم تقييد الصادرات فيما بينها.
دفعت صفقة روسيا بحدود التدخل السياسي (في السوق) إلى مدى أبعد؛ فالولايات المتحدة بعد التهديد بإغلاق أحد منافذ السوق فتحت منفذا آخر بدلا عنه.
والسؤال: كيف يمكن لبلد يملك موارد وفيرة الى حد وصف نفسه بالمهيمن على الطاقة أن ينتهي به الأمر إلى هذا الحد من الضعف أمام الأسعار العالمية للديزل العادي؟
الإجابة هي أن وفرة الموارد أو ملكيتها أو السيطرة عليها ليست كافية لضمان أمن الطاقة؛ فذلك يتطلب وفرة البدائل أو الخيارات؛ أي ليس فقط أن تملك الشيء ولكن أن تكون لديك القدرة على إحلاله عند الحاجة.
لا يزال الوضع في مضيق هرمز يشكل اختبار تحمّل بالغ القسوة. وصدمات الإمداد يتم امتصاصها بشبكة من البدائل تشمل المخزونات الاحتياطية وتغيير مسار النقل وإعادة هيكلة الطاقة الاستيعابية وإحلال الوقود وخفض الطلب.
نحن نعلم من آدم سميث (أبو الاقتصاد الحديث) أن الأسواق الكبيرة تُوجِد الثروة عبر التخصص.
لكن الصورة المقابلة لذلك إيجادها المرونة بتوليد البدائل وفرص الإحلال في أوقات الأزمات.
الطاقة مثال كبير لذلك؛ فأسواقها مرنة وعالمية في تغلغلها. والروابط التي تعتبر منذ أمد مديد تحصيل حاصل وظلت تحمي أمن الطاقة والأسواق عموما تُقطع وتوصَل الآن بأوامر سياسية وليس بقرارات السوق. هذه القرارات السياسية تقلص الإمدادات التي لا تزال خاضعة لظروف السوق.
المسألة لا تقتصر على صفقة أمريكا وروسيا؛ ففي اليوم نفسه الذي أُعلِنت فيه الصفقة اتخذت الصين في هدوء قرارا إداريا بالتخفيف من قيود تصدير الديزل مرة أخرى. في الأثناء لا تزال طاقة التكرير في روسيا والسعودية مهددة.
الديزل مثال واحد فقط على الكيفية التي صار بها استخدام السياسة الاقتصادية لأهداف استراتيجية وجيوسياسية مركزيا للإدارة الأمريكية.
المشكلة مع مثل هذا «الجيو-اقتصاد» الإقصائي ليست في ارتداده دائما على من يبتدره ولكن في نجاحه أحيانا، خصوصا بالنسبة للبلدان الكبيرة والقوية.
ذلك يوجد مخاطر العدوى؛ فالبلدان الأخرى قد ترد بالمثل. وهذا ما يعجل بتشظي العالم.
ومع ازدياد صعوبة الوصول إلى شبكة الطاقة العالمية سيجد اللاعبون الصغار أن من الحكمة التحوط بالاعتماد أكثر على المخزون الوطني والمفاوضات الثنائية والمحاولات المكلفة لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
لكن ما هو معقول للدول المنفردة يُضعِف أيضا الأمن الجماعي بالحد من تعدد الخيارات. ومع استعراض القوى الكبرى لعضلاتها ما الذي يمكن أن تفعله «القوى المتوسطة»؟
الإجابة المجردة في مجال الطاقة كما في المجالات الأخرى هي الاتحاد لحماية أكبر مساحة اقتصادية ممكنة وأكثرها شمولا للآخرين.
المشكلة أن الحفاظ على نظام شامل يتطلب الإرادة الجماعية والقدرة على الدفاع عنه.
حافظت اتفاقية الديزل الذي ابرمتها مجموعة السبع على مثل هذه المساحة، وأيضا على مؤسسة يمكن أن تنسق آليات الاستجابة الجماعية هي وكالة الطاقة الدولية.
لكن إذا تم التوصل الى تسوية من خلال التهديد بالإقصاء سيخاطر ذلك بالتشجيع على مزيد من التهديدات.
لقد قضينا عقودا ونحن نعتقد أن العولمة جعلت العالم أصغر. والآن نحن على وشك أن نعرف ما الذي يعنيه انغلاق الأفق لاقتصاد العالم.