ثقافة

عن الشغف المصنوع وعن التفاهة أيضًا

 

الموضوع بدأ طبيعيًا وعفويًا وجميلًا هكذا: بنت أو شاب يفضفضان أمام الموبايل ويحكيان يومياتهما، عن كتاب جديد اشترياه وغيّر حياتهما أو خلخل قناعاتهما، يحكيان بحماسة واندفاع جميل.

كنت أحب هذا الموضوع في حالات كونه فرديًا مليئًا بالشغف والفضول الحقيقي، لكنه للأسف لم يعد هواية أو رغبة في الحديث عن الكتب الجميلة المحبوبة، صار مهنة تسترزق منها البنات والشباب.

بشكل عام، لا أميل إلى مشاهدة صانعات أو صانعي محتوى الترويج للكتب، الفكرة بحد ذاتها غير ثقافية، ومرتبطة بالاقتصاد والمبالغات والسوق.

أستطيع أن أفهم عملية تسويق تنكات زيت الزيتون مثلًا أو معجنات ما في محل جديد، لكن أن تحمل بنت أو شاب كتابًا جديدًا، ثم يصنعا كلامًا منمقًا لهدف التسويق: هذه الرواية منعتني من النوم، هذا الكتاب غيّر مصير أمه، هذه القصص أنقذتني من الانتحار، هذا الكتاب غيّر قناعاتي بهويتي.


كل هذا حتى يتدفق القراء على دور النشر التي تطبع هذه الأعمال: كنت جالسًا مرة في إحدى دور النشر، جاءت بنت في العشرين والدموع في عينيها: ممكن الكتاب اللي بنقذ من الانتحار؟ طبعًا استغرب صاحب دار النشر، لأنه نسي استئجار ابنه الذي يعمل معه لصانعة محتوى وصفت الكتاب الذي طبعه بالمنقذ من الانتحار.

سألت صديقي صاحب دار النشر: كم تدفع لصاحبة المحتوى؟ مئة دينار، أجاب، ثم أعقب: لو تعرف قديش الناس تستجيب وتأتي لتشتري، الناس تصدق بسرعة، وطريقة صناع المحتوى مدهشة وجذابة.

أتدري أن العشرات من البنات يأتين إليّ باحثات عن عمل: عمو، أنا صانعة محتوى، بتحب أسوّق لك كتبك؟ ثم فاض في الحديث: تعرف يا زياد، أنا أصلًا لست قارئًا، وحتى لا مكتبة شخصية عندي، لكن أبي، رحمه الله، وزّع ورثته، فكان نصيبي دار النشر هذه. وجدت أنها مجدية اقتصاديًا.

مرّت عليّ أيام صعبة كسد فيها سوق الكتب، وفكرت أن ألغي دار النشر وأفتح محلها مصنع شيبس بطاطا، كما نصحني رجل أعمال صديق لي. قيل لي إن جدواه قوية جدًا، لكن الآن الحمد لله الوضع جيد جدًا. وإذا كسد السوق مرة أخرى، ففكرة الشيبس ليست سيئة.


صحيح أن ثمة جدوى تسويقية للمحتوى هذا يحتاجها صاحب دار النشر والمؤلف نفسه، وأن هذه الظاهرة عالمية، لكني حساس جدًا لقصة تسويق الكتب بطرق إعلانات إبهارية، كما تُسوَّق الهواتف الذكية أو العطور الفاخرة.

أميل شخصيًا إلى مقالات النقاد في الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية الجادة، التي تأتي بالقراء إلى دار النشر، لكن يا للحسرة، فقد ذهب بريق النقد الأدبي الورقي هذه الأيام، وذهبت حتى القراءات الورقية، وذهبت الأسماء اللامعة، وحل محلها بريق الصورة ومقاطع الفيديو ذات الموسيقى المبهرة والخلفيات الساحرة والعبارات المؤثرة.

هل كلامي هذا ينتمي إلى زمن قديم لا أستطيع تجاوزه؟ هل أنا ضد الحداثة والتقدم؟ ناقشت نفسي كثيرًا، ربما تكون عقليتي تميل للقديم الجاد والجوهري والنوعي، بعيدًا عن الحديث السطحي والقشري الخارجي الفارغ.

لماذا لا تكون الحداثة ابنة الجدية والصرامة والعمق؟ لماذا دائمًا تقترن الحداثة بالتفاهة؟ في المقابل، لماذا أيضًا لا يكون هذا السؤال ساذجًا أو تافهًا؟ فالحداثة أنقذت الحياة من الجمود، وصنعت إنسانًا جديدًا بحقوق فردية، ونظام سياسي ديمقراطي وتطلعات حرة، وطوّرت معارف واكتشفت آفاقًا، وحرّرت الأدب من الاختناق في اتجاهاته البالية، ولغته المتكلسة، لكنها أيضًا صنعت اغترابًا وجوديًا وتفككًا أسريًا وظلمًا اجتماعيًا، ونفسيات وأمراضًا جديدة، ووحدة قاتلة وصراعات قاتلة وحروبًا وخوفًا وأمراضًا عقلية وجسدية مختلفة.


في كتابه المهم «نظام التفاهة» للكندي آلان دونو، يلخص هذا الجميل تفاهة العالم بقوله إن نظام التفاهة في العالم يصنع أشخاصًا مطيعين وعاديين بلا مواهب، ويرفعهم إلى المناصب العليا والمواقع الثقافية والسياسية المختلفة، ويمنحهم المكانة الرفيعة والنفوذ، ويحرم المبدع صاحب الرؤيا والموهوب.


هل ذهبت بعيدًا عن موضوع تفاهة تسويق الكتب التي تُعرض بالطريقة المصنوعة والمحلاة بمعسول الحرف والشغف والاندهاش المصطنعين وإبهار الصورة وسحر اللقطة؟ لا أبدًا، هي منظومة واحدة، تتنوع وتتوزع في مناطق ومواقع كثيرة.


ما الحل إذن مع هذه الحياة، الجرافة الضخمة التي تتوغل في وقتنا، كاسرةً سياج الحقل ومحطمةً بوابة الكوخ، ومطيرةً سقفه؟
لا أدري والله.