الانتخابات النصفية الأمريكية والسياسة الخارجية
ترجمة: قاسم مكي
الثلاثاء / 8 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:39 - الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 21:39
نادرًا ما تُقرِّر السياسةُ الخارجية نتيجة الانتخابات الأمريكية. فالسائد أن الناخبين لا يعرفون شيئا يذكر عن الشؤون الدولية وأقل اهتماما بها، بل تحركهم المسائل التي تتعلق بجيوبهم كسعر الغاز ومشتريات البقالة. فكما لاحظ مرة جيمس كارفيل أحد مستشاري بيل كلنتون «إنه الاقتصاد، أيها الغافل». لكن هذا العام الاقتصاد سياسة خارجية.
هنالك استثناءان مهمان للقاعدة التي مفادها أن الناخبين الأمريكيين لا يهتمون بالسياسة الخارجية وكلاهما ينطبقان على انتخابات هذا العام. أولهما أن الناخبين يهتمون بالشؤون الخارجية عندما تؤثر خيارات الحكومة بشكل مباشر على حياتهم اليومية. والاستثناء الثاني أن الناخبين يهتمون بما تكشف عنه خيارات السياسة الخارجية حول كفاءة الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة.
لذلك يمكن أن تكون انتخابات التجديد النصفي القادمة للكونجرس انتخابات «سياسة خارجية» نادرة ومن نوع لم نشهده منذ عام 2006 عندما ألْحَقَ ردُّ فعلٍ انتخابي غاضب ضد تعامل جورج دبليو بوش مع حرب العراق هزيمةً «نكراء» بالجمهوريين.
مع شعور الناخبين بويلات حرب أخرى أيضا في الشرق الأوسط ورسومِ ترامب الجمركية يمكن أن يكرر التاريخ نفسه. ويبدو أن الرئيس مدرك لهذا الخطر. فهو يرسل إشارات متضاربة حول أثر الانتخابات في تشكيل تعامله مع الحرب في إيران وعقدِ صفقة بشأن صادرات الديزل مع روسيا لتخفيف معاناة الناخبين عند مضخات الوقود.
لكن ربما السؤال الأكبر يتعلق بما سيفعله بعد الانتخابات النصفية والتي تشكل آخر كابح انتخابي كبير (لشطط) رئاسته.
كانت الحرب دائما المثال الأوضح للظرف الذي تؤثر فيه السياسة الخارجية مباشرة على الحياة اليومية للناخبين. لكن ذلك لا ينعكس دائما في استطلاعات الرأي حول أهمية القضايا الفردية.
وهذا العام ليس مختلفا؛ فالناخبون يشيرون إلى القضايا الاقتصادية باعتبارها المحركات الأساسية لتصويتهم. في استطلاع أجراه مؤخرا مجلس شيكاغو للقضايا الدولية ذكرت الأغلبيات النسبية للناخبين عبر الطيف السياسي كلا من التضخم وتكلفة المعيشة باعتبارهما الأكثر أهمية في تصويتهم (37% إجمالا). بالمقارنة 2% فقط حددوا الحرب في إيران بوصفها القضية الأكثر أهمية، ربما بسبب الانخفاض النسبي لعدد الخسائر البشرية الأمريكية.
لكن ذلك لا يعني أن الحرب ليس لها تأثير؛ فالناخبون يربطون المعاناة في أوضاعهم المعيشية بخيارات السياسة الخارجية للحكومة الحالية.
حسب استطلاع مؤخرا بواسطة معهد الشؤون الدولية يقول 81% من الأمريكيين إن الحرب في إيران زادت تكلفة المعيشة. بل يرفع استطلاع مجلس شيكاغو هذا الرقم إلى 86%.
ثم هنالك حروب التجارة؛ وفقا لاستطلاع مجلس شيكاجو، يقول 81% من أصحاب الردود أن الرسوم سيئة بالنسبة لتكلفة المعيشة. لذلك ليس مفاجئا أن 75% من الأمريكيين يتحدثون عن أهمية الرسوم في تصويتهم في الانتخابات النصفية، وفقا لاستطلاع بواسطة معهد كاتو.
وما هو مهم أن هذه النتائج لا يمكن صرف النظر عنها باعتبارها منحازة حزبيا؛ فعبر سلسلة كاملة من القضايا يتخلف تأييد سياسات ترامب بفارق كبير عن نسبة شعبيته الإجمالية والتي ما زالت تتراوح عند 37%. وهو معدل متدنٍ تاريخيا. يوحي ذلك بأن الناخبين لا يعارضون تلقائيا كل شيء يفعله الرئيس ببساطة ولكن أعدادا كبيرة من الأمريكيين، بمن فيهم عديدون ممن يؤيدونه، لا يحبون خيارات سياساته.
ما زالت مخاوف ارتفاع تكاليف المعيشة مهيمنة على هذه الانتخابات. لكن أعدادا كبيرة من الأمريكيين تنسب إلى خيارات السياسة الخارجية لإدارة ترامب خطورةَ الوضع المالي للعائلات. وذلك خبر سيئ للجمهوريين.
أما الاستثناء الثاني لقاعدة عدم اهتمام الناخبين الأمريكيين بالسياسة الخارجية فيتضح عندما تشوه أخطاؤها الكبيرة صورة الرئيس القائم على سدة الحكم بطرائق تجعلهم يضعون ذلك في بالهم.
مثلا الكيفية التي أدارت بها حكومة بايدن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في عام 2021 ألحقت ضررا بالغا بصورة جو بايدن في أذهان الأمريكيين. لقد هبط معدل شعبيته بين ليلة وضحاها تقريبا. ولم يتعافَ أبدا.
في عام 2024 تمكن ترامب من تحويل ذلك إلى ميزة في حملته الانتخابية بتقديم نفسه كزعيم قوي يتصدى لخصوم أمريكا وملتزما تجاه السلام.
اليوم تعاني سمعة ترامب من عجزه عن حل تحديات السياسة الخارجية التي ورثها والتخلي عن تعهده بتجنب توريط الولايات المتحدة في حروب خارجية مكلفة.
في استطلاع مشترك بين شبكة سي ان ان ومؤسسة اس اس آر اس، ذكر 29% فقط من الأمريكيين الراشدين إنهم يؤيدون إدارة حكومة ترامب للشؤون الخارجية مقارنة بنسبة 42% بعد عودته إلى الحكم. واعتقد واحد فقط بين كل أربعة أمريكيين أن لديه استراتيجية واضحة للتعامل مع طهران مقارنة بنسبة 40% في الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب مباشرة.
يبدو أن هذه الدينامية تغذي أيضا التصورات الأوسع نطاقا لقيادة ترامب. ففي استطلاع أجرته «يوجوف» في بداية الحرب ذكر 56% ممن استطلعت آراؤهم أن كلمة «متهور» تنطبق «كثيرا» على ترامب بزيادة 5% من قبل عام. وهبطت نسبة من اعتبروه قائدا «قويا» بأربعة نقاط مئوية.
المرجح أصلا أن تكون فرص الجمهوريين ضعيفة؛ فالانتخابات النصفية تعتبر تقليديا استفتاء على أداء الرئيس الحالي. ومع تراجع معدلات شعبية ترامب إلى مستوى قياسي في تدنيه لن يكون التاريخ الى جانبه.
وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية قد لا تهيمن على أي سباق انتخابي إلا أنها في الغالب مهمة عندما تتقارب النتائج. ففي السباق المحتدم يمكن أن يكون ذلك حاسما في تحديد من يفوز ومن يخسر.
في بعض الولايات المتأرجحة (في التصويت للجمهوريين أو الديموقراطيين) ينأى الجمهوريون بأنفسهم عن سياسات ترامب. ففي ولاية ميشيجان قال مايك روجرز المرشح لعضوية مجلس الشيوخ عن الحرب «يجب أن تنتهي وأن تنتهي بسرعة» للتخفيف عن العائلات الأمريكية.
في ولاية آيوا في الأثناء وعلى نحو مماثل قالت اشلي هينسون مرشحة مجلس الشيوخ أن «سكان إيوا يجب ألا يسددوا فاتورة الحرب في إيران عند مضخة الوقود أو المتجر.»
تشير صفقة الديزل التي عقدها ترامب مع روسيا الى بعض الحساسية (من جانب ترامب) تجاه المخاطر الانتخابية التي تترتب عن ارتفاع أسعار الوقود. لكن الاستجابة لذلك بالتقارب مع بوتين بدلا عن فرض حظر على صادرات الديزل الأمريكية على سبيل المثال لم يؤد إلا إلى تسليط الضوء على ضعف آخر في السياسة الخارجية وهو عجز ترامب عن إنهاء الحرب في أوكرانيا.
لكن هل يمكن أن ينتج عن تأنيب انتخابي المزيد من الاعتدال في السياسة الخارجية؟ ربما السؤال الأكثر أهمية ليس الدرجة التي ستشكل بها السياسة الخارجية نتائج الانتخابات لكن كيف سيردّ الرئيس.
هنا يقدم التاريخ تحذيرا. فبعد هزيمته في الانتخابات النصفية عام 2006 لم يغير الرئيس بوش المسار، بل تحدى التفويض الذي منحه الناخبون بتصعيد حرب تفتقر إلى التأييد الشعبي في الشرق الأوسط.
تعهد الرئيس ترامب مؤخرا بعدم مهاجمة إيران قبل الانتخابات النصفية بعدما عبر في السابق عن رغبته في مساعدة حزبه في الانتخابات. وعلينا الانتظار لنرى إذا كان سيحاول هو أيضا إنهاء الحرب عبر تصعيد مثير بعد فرز الأصوات.
لكنه لن يكون أول رئيس يصر على التمسك بسياسة غير شعبية بعد التخلص من القيود الانتخابية؛ لذلك ربما يتضح أن مرحلة البطة العرجاء لرئاسة ترامب «مرحلة انحسار نفوذه في سنتيه الأخيرتين» أكثر زعزعة وتقويضا على المسرح الدولي.