أفكار وآراء

الأمم المتحدة في ذكراها الـ 81 : السلام العالمي وتسلط الكبار

منذ أن بدأ وعيي يتشكل في منتصف سبعينيات القرن الماضي، كنت أسمع اسم الأمم المتحدة يتردد كثيرًا في جميع نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية تقريبًا وعلى صفحات الصحف، وأحفظ رقمي قراري مجلس الأمن الشهيرين ٢٤٢ و٣٣٨؛ الأول صدر في أعقاب حرب ١٩٦٧، ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في الحرب، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامتها الإقليمية وحقها في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها.

والثاني صدر في ٢٢ أكتوبر ١٩٧٣، وطالب بوقف إطلاق النار، والبدء في تنفيذ القرار ٢٤٢ بجميع أجزائه، وإجراء مفاوضات لإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. لكن مرور العقود لم يحقق التنفيذ الكامل لما تضمناه، وظلت إسرائيل تحتل الأراضي العربية، وازدادت توسعًا وعنفًا.

لم أكن أفهم يومها كيف تصدر منظمة دولية قرارات تعجز عن فرض تنفيذها الكامل على كيان استعماري مصطنع. ومع اتساع إدراكي لطبيعة العلاقات الدولية، ترسخ لدي يقين بأن هذه المنظمة تأسست على نحو يمنح الأقوياء القدرة على توجيهها لخدمة مصالحهم وتعزيز سيطرتهم على العالم.

وكان استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية واعتداءات إسرائيل المتكررة على دول الطوق العربية شاهدًا على المسافة الشاسعة بين الشرعية التي تمثلها وتعلنها المنظمة وبين القوة التي تتحكم في قدرتها على تنفيذ قراراتها.

مضى أكثر من نصف قرن على تلك البدايات. تغير العالم، وتبدلت أسماء القادة، وبقيت أرقام القرارات حاضرة. وكلما أُضيف إليها قرار جديد، عاد السؤال القديم: من يضمن تنفيذه، ومن يحاسب الدول التي تتجاهله؟

أستعيد هذا السؤال مع حلول الذكرى الحادية والثمانين لدخول ميثاق الأمم المتحدة حيز التنفيذ في الرابع والعشرين من أكتوبر الجاري.

وتزداد حدة السؤال حين أتابع المشهد السنوي لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: قادة الدول أو ممثلوهم يتعاقبون على المنصة، يتحدثون عن السلام والعدالة وكرامة الإنسان، وتتناقل وسائل الإعلام كلماتهم وصورهم. ويبدو لي هذا المشهد أقرب إلى «مكلمة» دولية؛ تتبادل فيها الحكومات الاتهامات والوعود، وأحيانًا الأكاذيب، ثم يعود المتحدثون إلى سياسات تناقض ما أعلنوه.

يدافع بعضهم عن سيادة الدول وهو ينتهكها، ويطالب بحماية المدنيين بينما يقتلهم أو يمد من يقتلهم بالسلاح ويمنحه الحماية السياسية.

وتنتهي الخطب العصماء، وتغادر الوفود، وتبقى الحروب؛ ولهذا لم أعد أقيّم هذه الاجتماعات ببلاغة الكلمات أو حرارة التصفيق، وإنما بما يتغير بعدها في حياة من ينتظرون وقف القصف والعدوان اليومي، وعودة النازحين، ووصول المساعدات الإنسانية إليهم كما هي الحال في غزة.

والأغرب في اجتماعات هذا العام أن الولايات المتحدة، الدولة التي تستضيف مقر المنظمة، منعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومسؤولين فلسطينيين من الحضور الشخصي لهذه الاجتماعات الصورية، برفض منحهم تأشيرات الدخول، للعام الثاني على التوالي.

أعلم جيدًا أن جذور مشكلة المنظمة الدولية أعمق وأعقد بكثير من أداء القادة على المنصة.

فقد نشأت الأمم المتحدة من حرب عالمية مدمرة، لكنها حملت في بنائها موازين القوة التي أفرزتها الحرب. ومُنحت خمس دول عضوية دائمة في مجلس الأمن وحق الاعتراض، أو «الفيتو»، الذي يتيح لإحداها إسقاط مشروع قرار موضوعي، حتى لو أيده بقية أعضاء المجلس. وهكذا احتفظ الأقوياء بموقع يجمع بين مسؤولية حماية السلام والقدرة على تعطيل إجراءات هذه الحماية.

تكفي هنا مراجعة بعض القرارات المتعلقة بفلسطين، منذ «نكبة» 1948 حتى اليوم، لإدراك حجم الاختلال بين ما تصدره الأمم المتحدة من قرارات وبين ما يتم تنفيذه على الأرض. فالقرار ١٩٤، على سبيل المثال، تناول عودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض عن الممتلكات المفقودة أو المتضررة، وأكد القرار ٣٢٣٦ حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال والسيادة، وأكد قرار مجلس الأمن ٢٣٣٤ عام ٢٠١٦ أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، غير شرعية وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

تراكمت القرارات، وظل الفلسطينيون محرومين حتى اليوم من هذه الحقوق. وبدلًا من أن تغير هذه القرارات حياتهم إلى الأفضل وترد لهم بعض حقوقهم المسلوبة، ازدادت أوضاعهم سوءًا بمرور السنوات. لذلك أجد صعوبة في الاحتفاء بأي قرار أممي جديد دون السؤال عن مصير ما سبقه.

لقد كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة أن الأزمة تستمر حتى عندما ينجح المجلس في إصدار القرار؛ ففي مارس ٢٠٢٤، اعتُمد القرار ٢٧٢٨، مطالبًا بوقف فوري لإطلاق النار خلال شهر رمضان يفضي إلى وقف دائم ومستدام. وفي يونيو، رحّب القرار ٢٧٣٥ بمقترح لوقف إطلاق النار على ثلاث مراحل، وحث إسرائيل وحماس على تنفيذه كاملًا ودون تأخير أو شروط.

ومع ذلك، استمر القتال بعد صدورهما؛ وهنا تصبح المشكلة أشد وضوحًا: يستطيع المجلس إعلان القرار الذي يريد، لكنه يعجز عن ضمان تطبيقه.

وحين يتدخل الفيتو، لا يصل الأمر أصلًا إلى هذه المرحلة. ففي سبتمبر ٢٠٢٥، عطّلت الولايات المتحدة مشروع قرار لوقف إطلاق النار في غزة رغم تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين. واستخدمت روسيا الامتياز نفسه ضد مشروع قرار بشأن الحرب في أوكرانيا في فبراير ٢٠٢٢.

ثم استخدمته، بالاشتراك مع الصين، في سبتمبر ٢٠٢٦ لإسقاط مشروع قرار أمريكي بتمديد ولاية فريق الخبراء المعني بمراقبة تنفيذ العقوبات الأممية على إيران. ومن هنا ندرك أن الوقائع والقضايا قد تختلف، بينما تبقى قدرة الدولة الكبرى على حماية نفسها أو حلفائها ثابتة.

ويمتد هذا النفوذ الدولي للدول الكبرى إلى اختيار من يقود المنظمة، إذ لم يحظَ أيٌّ من المرشحين السبعة لمنصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة بتأييد الدول الخمس الدائمة العضوية جميعها في الاقتراع الاستطلاعي الذي تم في السادس عشر من أكتوبر الجاري.

وتلخص هذه الواقعة مأزق المنظمة الدولية وأمينها العام الذي يمر وصوله إلى المنصب عبر موافقة القوى الكبرى التي تستطيع تقييد حركته.

ويضيف التمويل قيدًا آخر على الأمم المتحدة؛ فقد حذرت قيادة المنظمة خلال هذا العام من أزمة مالية مرتبطة بمتأخرات الاشتراكات المستحقة على الدول الأعضاء وقواعد إدارة الميزانية، وهو ما يجبرها كثيرًا على خفض البرامج وتقليص الخدمات، فيتحمل المحتاجون نتائج قرارات لم يشاركوا في صنعها.

وتكشف قواعد تعديل الميثاق مدى تحصين الامتياز الذي تحظي به الدول الخمس؛ فالتعديل يحتاج إلى إقرار ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ثم تصديق ثلثي الدول الأعضاء، بما يشمل الدول الخمس الدائمة العضوية جميعها، وهو ما يعني أن تغيير تشكيل مجلس الأمن أو توسيع عضويته الدائمة يتطلب موافقة الدول الخمس الكبرى.

وهذه، في اعتقادي، عقبة حقيقية تعرقل إجراء إصلاح جوهري في بنية مجلس الأمن وتوزيع السلطة داخله.

تبقى مسؤولية الإعلام أساسية في هذا الأمر. فعبارة «فشلت الأمم المتحدة»، التي أصبحت سهلة التداول، تخفي أحيانًا أسماء الذين صنعوا الفشل.

من اعترض؟ من هدد باستخدام الفيتو؟ ومن أفرغ مشروع القرار من مضمونه؟ ويحتاج الرأي العام العالمي إلى إجابات عن هذه الأسئلة، وليس فقط إلى سماع الخطب الرنانة للقادة والزعماء.

أعود إلى الطفل الذي كان يحفظ أرقام القرارات من نشرات الأخبار. اتسعت معرفته بالقانون الدولي والسياسة، وزادت خبراته كثيرًا، لكنه ما زال يواجه السؤال نفسه: ما قيمة الحق إذا استطاع الأقوياء منع حمايته؟ وفي تقديري أن الأمم المتحدة تبقى ضرورة في عالم مثقل بالحروب والأزمات وموازين قوى غير عادلة، وأن المنظمة الدولية الأكبر التي جاوز عمرها الثمانين عامًا لم تفِ بوعدها الأساسي في حماية الشعوب من الحروب.

ويظل الاختبار الحقيقي لنجاحها يتمثل في قدرتها على إخضاع القوى الكبرى للقانون الدولي، ومساءلة أصحاب «الفيتو» حين يستخدمونه لحماية المعتدي. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل الشعوب تحفظ أرقام القرارات، وتنتظر العدالة الغائبة.