أعمدة

المسرح الجامعي في عُمان... أسئلة الغياب والحضور

أعاد غياب جامعة السلطان قابوس عن المشاركة في المهرجان المسرحي السابع لجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون الخليجي، الذي أقيم في صلالة في سبتمبر 2026م، السؤال عن واقع المسرح الجامعي في عُمان، ولا سيما في جامعة تمتلك تاريخًا في التأهيل الأكاديمي التخصصي والإنتاج المسرحي، وأسهمت في رفد الحركة المسرحية العُمانية بكفاءات فنية ونقدية. فهل يتعلق هذا الغياب بظرف عابر، أم أنه يدعونا إلى مراجعة موقع المسرح في منظومة التعليم الجامعي؟

تُشكّل نشأة قسم المسرح -الذي تأسس في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس العام الأكاديمي 1991/ 1992م- حلقة متصلة من حلقات نشأة المسرح في عُمان وتطوره.

كان الهدف من تأسيس القسم -قبل تعليقه لإعادة تقييمه والاستعاضة عنه بتدريس مادة التذوق المسرحي- كما يكتب الباحث المسرحي محمد الحبسي في كتابه (الحركة المسرحية في عُمان) إيجاد المؤهلين في مجال المسرح والفنون من الشباب العُماني. ويرى الباحث هلال البادي في كتابه (أبواب السرد المتشابكة) أن قسم الفنون المسرحية بالجامعة أخذ على عاتقه تحقيق متطلّب تهيئة الطلبة تهيئة علمية سليمة.

ومما تقدم يمكن القول إن المسرح في الجامعة بوجه عام مر بمرحلتين مهمتين هما: نشأة قسم الفنون المسرحية، وتكوين جماعة المسرح.

تولت الجامعة التأسيس الأكاديمي التخصصي، وابتعاث الطلبة إلى جامعات أجنبية لدراسة المسرح في مجالات التمثيل والإخراج والنقد والديكور المسرحي.

ويذهب الباحث عبدالكريم جواد في كتابه (المسرح في سلطنة عُمان) إلى أن النشاط المسرحي في جامعة السلطان قابوس ظل مزدهرًا بمشاركة الجامعة في ملتقيات مسرحية عدة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجية ومستوى الدول العربية ضمن فترتين زمنيتين، انطلقت الأولى بين العامين 1990- 2000م وهي الفترة التي كان فيها المخرج والأستاذ المسرحي هاني مطاوع -رحمه الله- رئيسًا للقسم، حيث قدم أعمالا مسرحية شكلت نقلة نوعية للمسرح كمسرحيات (مركب بلا صياد للإسباني إليخاندرو كاسونا، وحكايات من قرية عُمانية)، ثم واصل المخرج المسرحي عثمان عبدالمعطي رئاسة القسم في عام 2000 فقدم مسرحية (شمس النهار لتوفيق الحكيم، ومسرحية ثمن الحرية لعمانويل روبلس)؛ وهي المسرحية الأخيرة التي قدمها قسم المسرح بالجامعة كمشروع تخرّج للدفعة العاشرة قبل أن يتم تعليقه في عام 2004م.

بينما تولت جماعة المسرح اكتشاف المواهب وتدريبها وإنتاج العروض المسرحية، وكان للمُخرجة والباحثة رحيمة بنت مبارك الجابري -إحدى خريجات القسم بشعبة النقد والدراما، والتي كانت آنذاك مسؤولة النشاط المسرحي في عمادة شؤون الطلبة- دور كبير في إقامة المسابقات والمهرجانات المسرحية داخل الجامعة وخارج سلطنة عُمان.

قبل تكوين جماعة المسرح، كان الطلبة يقدمون عروضهم في قالب الإسكتشات المسرحية في مناسبات اجتماعية ووطنية مختلفة، ثم كُوّنت جماعة المسرح في إطار رسمي هدف إلى تنمية مواهب الطلبة والمساعدة في نقلهم من الهواية إلى التدريب والاحتراف والتعريف بالمسرح في المجتمع والتواصل مع المسرح العربي والعالمي.

من بين ما قدمته جماعة المسرح مسرحيات (امرؤ القيس في باريس لعبدالكريم برشيد، مأساة بائع الدبس الفقير لسعدالله ونوس) ولا تفوتنا الإشارة إلى تنظيم جماعة المسرح في جامعة السلطان قابوس لمهرجانات مسرحية، منها على سبيل المثال المهرجان الخامس عام 2007م، حيث تقول الجابرية فيه: «تقيم جماعة المسرح بجامعة السلطان قابوس مهرجان المسرح الجامعي الخامس في الفترة من 24 ولغاية 31 من الشهر الجاري بمشاركة فرق مسرحية من كليات الجامعة وكليات التربية بوزارة التعليم والجامعات الخاصة، والمهرجان تظاهرة ثقافية هي الوحيدة من نوعها على مستوى الجامعات في السلطنة...».

على الرغم من تعليق قسم الفنون المسرحية بالجامعة، إلا أن جماعة المسرح استمرت في ممارسة نشاطها، ومن الشواهد على ذلك تنظيمها للدورة الثالثة من أيام المسرح المونودرامي في أغسطس 2021، وتقديم مسرحية (الغرباء لا يشربون القهوة) في نوفمبر 2023، ومسرحية (كوميديا الأرغوث) التي شاركت بها ضمن المهرجان المسرحي الكوميدي الأول لمؤسسات التعليم العالي، الذي نظمته جامعة الشرقية عام 2024م، بمشاركة خمس فرق مسرحية جامعية، وقد حصد العرض المسرحي عدة جوائز.

بعد هذا الحراك الذي شهدته جماعة المسرح بجامعة السلطان قابوس، تتجدد الأسئلة عن أسباب غيابها عن المشاركة في الدورة السابعة للمهرجان المسرحي الجامعي الخليجي، لا سيما أن المهرجان شهد مشاركة ثلاث جامعات سعودية.

فهل يعود الغياب إلى عدم جاهزية الجماعة للمشاركة خلال فترة زمنية قصيرة؟ أم إلى اعتبارات تنظيمية وإدارية حالت دون مشاركتها؟ أم أن النشاط المسرحي لم يعد يحظى بالأولوية نفسها ضمن برامج الأنشطة الطلابية في الجامعة؟

من المعلوم أن الأنشطة الإبداعية بوجه عام تتطلّب موازنات خاصة نسبيًا، وهنا يعود إلى الواجهة النقاش حول موقع التخصصات الإنسانية والفنية في السياسات التعليمية، ولا سيما حين يُنظر إلى جدواها من زاوية مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.

ويكشف تقرير التقييم الذاتي لكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، الصادر في ديسمبر 2015م، أن ثلاثة من أقسام الكلية، هي: الفنون المسرحية والفلسفة والآثار، لم تعد تطرح برامج لدرجة البكالوريوس، واقتصر دورها التعليمي على تقديم المقررات المساندة والتخصصات الفرعية، إلى جانب برنامج الماجستير في الآثار.

وهو ما يدل على استمرار وجود هذه الأقسام داخل الكلية، مع توقف طرح برامج البكالوريوس في تخصصاتها.

أمام هذه الأسئلة، لا نملك إلا أن نتوقف بشيء من الحيرة. فبين توقف برنامج البكالوريوس في الفنون المسرحية، وما شهدته جماعة المسرح من نشاط تفاوت بين تقديم العروض المسرحية والإسكتشات، ثم غياب الجامعة عن الدورة السابعة للمهرجان المسرحي الجامعي الخليجي، هناك ما يدعونا إلى المراجعة، لا سيما ونحن نشهد اهتمامًا متزايدًا بإنشاء المؤسسات الثقافية الكبرى، ومنها مشروع مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي: ويضم المجمع ثلاثة مبانٍ رئيسة هي: المسرح الوطني العُماني، ومكتبة عُمان الوطنية، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، إلى جانب مؤسسات ثقافية أخرى.

ومن اللافت أن من بين الأهداف المعلنة للمسرح الوطني إدماج النشاط المسرحي في البرامج الطلابية والمناهج الدراسية، وهو توجه يعيد السؤال عن موقع المسرح في المؤسسات التعليمية إلى الواجهة.

وهنا تبرز مفارقة تستدعي المراجعة: كيف نفهم توقف طرح برامج البكالوريوس في المسرح والفلسفة والآثار، في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى تأسيس مؤسسات ثقافية كبرى تعنى بالفنون والمعرفة والتراث؟ ولا تكتمل دلالة هذا التوسع في البنية الثقافية إلا بالنظر إلى المؤسسات التعليمية التي تؤهل الكفاءات القادرة على الإسهام في إنتاج المعرفة والفنون وإدامة نشاطها.

وتتسع هذه المفارقة بالنظر إلى الطفرة التي تشهدها عُمان في المهرجانات المسرحية؛ كمهرجان المسرح العُماني، وظفار الدولي للمسرح، ومهرجان مسقط المسرحي الذي أُعلن عنه مؤخرًا، وما سبقها من مهرجانات أهلية، أبرزها مهرجان فرقة الدّن الدولي، وما يصاحب هذه المهرجانات من إصدارات في الدراسات البحثية والنقدية والنصوص المسرحية، فضلًا عما تقدمه وزارة الثقافة والرياضة والشباب من دعم وتشجيع للفرق المسرحية، إلى جانب مشاركات هذه الفرق في مهرجانات خليجية وعربية، وحصولها على جوائز ومراكز متقدمة.

فكيف نوفق بين هذا الحراك المسرحي المتنامي، وتلك النظرة غير المتسقة إلى المسرح الجامعي، الذي يُفترض أن يكون أحد روافد الحركة المسرحية في عُمان؟

إن اتجاه الدولة نحو تحديث منظومتها الثقافية بما يتسق مع رؤية «عُمان 2040» (المواطنة والهُوية والتراث والثقافة الوطنية) لا يتعارض مع منظومة الرؤى الاقتصادية والانفتاح على الاستثمارات الخارجية، كما لا يتعارض مع السياسة التعليمية والمناهج الدراسية.

وقد يُنظر إلى توقف طرح برنامج البكالوريوس في الفنون المسرحية من زاوية «الإجراءات التنظيمية واعتبارات المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل»، غير أن هذا المنظور لا يستوعب وحده القيمة المعرفية والثقافية للتخصصات الإنسانية والفنية.

إن النظر إلى التخصصات الإنسانية والفنية من زاوية احتياجات سوق العمل وحدها، يثير سؤالًا يتجاوز العائد الاقتصادي المباشر إلى الوظيفة المعرفية والثقافية لهذه التخصصات في المجتمع.

فالمسرح، شأنه شأن الفلسفة والآداب والفنون الأخرى، لا تنحصر قيمته في تأهيل الخريجين لسوق العمل، وإنما تتصل أيضًا بإنتاج المعرفة وتنمية التفكير النقدي والخيال الإبداعي، وإعادة النظر في الأسئلة التي يطرحها الإنسان حول ذاته ومجتمعه.

إن الضغوط الاقتصادية لها اعتباراتها في تعديل سياسات الدولة، وهي تنطلق من قراءات واقعية وإحصائيات محددة، لكن الحضارات لا تبلغ أوجها إلا بما لديها من تراكم فلسفي وسؤال معرفي.