أعمدة

عُمان بعيونهم

قرأت عبارة للكاتب والمؤرخ الإسكتلندي توماس كارليل يقول فيها بما معناه: «كل ما فعلته البشرية وفكرت فيه واكتسبته، محفوظ في صفحات الكتب».

عبارة كارليل، وهو من أبرز كُتّاب بريطانيا في القرن التاسع عشر، قالها في زمن ازدهار التدوين الأوروبي عن الشرق، وتحمل في مضمونها دعوة للكتّاب والأدباء والرحالة إلى الكتابة والتدوين؛ لأن ما يُكتب سوف يبقى شاهدًا على تاريخ الإنسانية وجغرافيتها وعادات أهلها وتجاربهم.

وقد ازدهرت كتابات الرحالة والكتّاب الأوروبيين، ومنهم البريطانيون، عن الشرق خلال القرن التاسع عشر، واستمرت في القرن العشرين حين أخذ كثير منهم يجوبون البلدان العربية، ويدونون مشاهداتهم فيها. ولعل هذا يفسر جانبًا من وفرة الكتب والمراجع الأوروبية عن المنطقة العربية في تلك الفترة.

وكانت عُمان موضع اهتمام الرحالة والمؤرخين الغربيين لأسباب عدة، من بينها الرغبة في التعرف على سحر هذه البلاد وتاريخها وعادات أهلها، وهي بقعة من العالم لم يكن كثير من الغربيين على دراية بتفاصيل الحياة فيها.

وبالعودة إلى ما كتبه البريطانيون عن عُمان نجد أن كتاباتهم تنوعت بين الوصف العام للبيئة والتضاريس وحياة السكان، والتدوين الرسمي كما في «دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية» الذي أعده جون غوردون لوريمر، وصدر قسمه الجغرافي والإحصائي عام 1908، ثم قسمه التاريخي عام 1915، وبين كتب الرحلات التي سجل أصحابها تجاربهم في التجول داخل عُمان أو عبور الربع الخالي، وهذا ما أحببت التركيز عليه في هذا المقال.

ولا يزال كتاب «الرمال العربية» لويلفريد ثيسجر من أحب الكتب إليّ، ولا أنكر أنني قرأته مرات عدة مأخوذًا بأسلوب الكاتب الشيق في سرد رحلاته لعبور صحراء الربع الخالي مع مجموعة من أصدقائه البدو.

ولن أخوض في سرد الكتاب وتفاصيله؛ لمعرفتي أن كثيرًا منكم قد اطلع عليه أو قرأه، لكن ما يشدني فيه أن وصف الصحراء لا يطغى على وصف أهلها. فتقرأ عن مشقة الطريق وقلة الماء، وتتعرف أيضًا على رفاقه، ومنهم سالم بن كبينة وسالم بن غبيشة، وعلى المعرفة التي مكنتهم من السير في أرض قد تبدو للقادم إليها متشابهة المسالك.

وكنت في مقال سابق في هذه الزاوية قد كتبت عن «البلاد السعيدة»، وهو عنوان كتاب برترام توماس الذي كتبه عقب انتهاء رحلته لعبور الربع الخالي من صلالة إلى الدوحة في شتاء 1930ــ1931. وقد استوقفني في الكتاب ما دونه عن ظفار وجبال القرا، ووصفه لتضاريس المنطقة وعادات أهلها والقبائل التي تسكنها إلى جانب الصعاب التي واجهته في عبور الرمال.

وقلت حينها إن للكتاب قيمة حضارية ومعرفية تتجاوز حكاية الرحلة نفسها بما حفظه من تفاصيل عن البلاد وأهلها في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي. ولئن كان ثيسجر قد أخذ قارئه بأسلوبه الأدبي الشيق فإن توماس اقترب في كتابه من التوثيق والتحليل العلمي، وهو اختلاف يمنح قراءة الكتابين معًا متعة ومعرفة أوسع.

واستعادةً لرحلة برترام توماس عام 1928 من رأس الحد إلى صلالة قاد مارك إيفانز في مطلع عام 2025 رحلة «عُمان: جوهرة الجزيرة العربية» متتبعًا المسار الذي سلكه توماس قبل نحو قرن.

واستمرت الرحلة نحو شهر، انتقل خلاله الفريق بين بيئات عُمانية متنوعة؛ بهدف التعريف بما تزخر به البلاد من تنوع طبيعي، وتسليط الضوء على جهود حماية البيئة والاستدامة، وإشراك الشباب في التعرف على هذه الثروات والمحافظة عليها.

وهكذا عاد إيفانز إلى طريق قديم، لكنه حمل معه أسئلة الحاضر عن مستقبل البيئة ودور الإنسان في حمايتها. وتأتي جهود الباحثين العُمانيين من الأكاديميين والمهتمين، وجهود الجمعيات المعنية بالعلاقات بين سلطنة عُمان وبريطانيا، والمبادرات التاريخية والثقافية المشتركة، لتعيد تسليط الضوء على هذا الإرث من خلال ترجمة الكتب ودراسة ما كتبه ودوّنه الرحالة البريطانيون عن عُمان، وإقامة الندوات والنقاشات حوله.

ومن الأمثلة على ذلك دراسة الدكتور هلال الحجري للكتابات البريطانية عن عُمان خلال الفترة من 1800 إلى 1970 التي تناول فيها صورة البلاد وأهلها وثقافتها في كتب الرحلات والمذكرات والرسائل. وهي جهود تساعد القارئ على فهم هذه الكتابات والظروف التي أنتجتها، وتفتح المجال لقراءة التاريخ المشترك من زوايا متعددة.

وإلى جانب هذه الدراسات تواصل الجمعية البريطانية العُمانية والجمعية التاريخية العُمانية تنظيم المحاضرات واللقاءات الثقافية بمشاركة باحثين ومتحدثين من البلدين، وتتيح مكتبتها للمهتمين الاطلاع على مؤلفات عن تاريخ عُمان وثقافتها.

كما أسهمت إصدارات هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية عن العلاقات العُمانية البريطانية في إتاحة دراسات ووثائق تعين على فهم مراحل هذه العلاقة. وكلها أعمال تمنح التاريخ حضورًا متجددًا، وتتيح لأجيال اليوم التعرف على ما جمع البلدين عبر القرون.