أفكار وآراء

بين الانتظار والاستعجال الوجودي

باللهجة الدارجة العُمانية يسمى المستعجل «مشتط»، ويقال «مالك كذاك مشتط؟»، أتذكر شخصا من هذه النوعية، يطبع حياته الاستعجال والسرعة، ومن كثرة الوله أصبح لا يمشي إلى سيارته مشياً عادياً كما نفعل نحن، يركض مسرعاً وكأن شخصاً يجري خلفه.

وذلك البدوي الذي رأيته منذ سنين في سوق مطرح، كنا في وقت الظهيرة والشمس في أوجها، يستعجل البائع ويقول له: «يا الله.. هيا ليل.. ليل.. ليل علينا». فتعجب البائع وهو ينظر للسماء، ويقول له بلهجة متكسرة، وهو ينظر للسماء: «وين ليل؟ أنت ما تشوف الشمس»؟

بين انتظار لا بد منه، واستعجال لا مفر منه يتموضع المعنيان: استعجال طبيعي وحتمي وممكن لا بد منه لتكتمل دورة الحياة، وبين استعجال وجودي خلق في بعض البشر، فهم دوماً مستعجلون وعلى عجل، لا ينتظرون، وإذا انتظروا فربما يصيبهم مرض.

الاستعجال لديهم ليس طبيعيا وعاديا، بل هو حالة من «استعجال وجودي»، شعور يتلبسهم معتقدين أن الوقت يداهمهم ويسبقهم، سيف مسلط إن لم يقطعوه قطعهم، وإن الحياة مسرعة، وإذا ما استعجل وأسرع يتوهم أنه لن يعيش، وستفوته أشياء كثيرة، وهي أشياء في المجهول لا يعلم بحدوثها إلا الله، وهو في الحقيقة يستعجل الحياة التي تمضي وفق رتم مرسوم لها، وذلك مرتبط بوعي الإنسان بالحياة والموت.

مارتن هايدغر يرى «أن وعي الإنسان بموته وبمحدودية وجوده يؤثر في الطريقة التي يعيش بها، وقد يتحول هذا الوعي إلى إحساس ملح بضرورة اغتنام الزمن». وكما هو الانتظار؛ من ينتظر بشكل عادي طبيعي، انتظار يأتي في سياق الحالة الكونية، والانتظار الوجودي الذي يشعر الإنسان بأنه لا يأتيه.

ذلك الذي انتظر على مقعد الانتظار (رسم الكاريكاتير) دوره، ليتحول إلي هيكل عظمي، ويتلاشى جسده ويتآكل على الكرسي، وهو ينتظر.

والكلب (كاتشي) في فيلم (كاتشي، حكاية كلب) ينتظر في محطة القطار صباح كل يوم صاحبه البروفيسور ليعودا معا إلى البيت، يموت البروفيسور، ويظل الكلب تسع سنوات ينتظر في المحطة، وتتعاقب عليه الفصول، يشيخ ويهرم ويموت، ولا يأتي البروفيسور.

وانتظار غودو الذي لا يأتي عند صمويل بيكيت في مسرحيته (في انتظار غودو)، ومحمود درويش في قصيدته (في الانتظار) رغم قساوته وألمه إلا أنه أدخله الانتظار في عالم الاحتمالات والشك، وخلق الأعذار وإيجاد أسباب وجودية للانتظار.

ثمة مفارقة عجيبة بين الاستعجال الوجودي، وبين الانتظار الوجودي عندما يشعر الإنسان بأن حياته معلقة، وأن شيئاً لم يأت بعد، وأن وجوده مؤجل إلى وقت منتظر بينما في الاستعجال الوجودي يشعر الإنسان أن حياته تتسرب منه، وأن عليه أن يستعجل ويلحق قبل فوات الأوان.

في كلتا الحالتين يبقى مصير الإنسان معلقا، هذا مستعجل، وذاك ينتظر. كلاهما لا يستمتعان بالحاضر؛ لأنهما مشغولان بالمستقبل الذي ينتظره واحد، ويلحق خلفه الآخر ليدركه.

في وقت مضى أو (زمان أول) كما يقال، كان كل شيء طبيعيا، وعلى سجيته. كان الانتظار ضمن قانون الطبيعة، وحالة كونية يتناغم مع إيقاع الحياة ولحنها. كل شيء يسير بدقة. كل شيء مرتب لا يحتاج إلى انتظار؛ الليل، والنهار، والشمس والقمر يتعاقبان.

وكان الانتظار بشغف، فترة زمنية مستقطعة نقضيها في الراحة واسترجاع الأنفاس. وتلك الدقائق أو الزمن الذي ننتظر فيه وغالبا نمقته هو من يحمل لنا الحياة. كما يقول أحد الكتاب: (هذا الوقت الذي غالباً ما نكرهه ولا نقدره حق قدره كان قوة صامتة شكلت تفاعلاتنا الاجتماعية).

في الانتظار كانت حياة. أشياء كثيرة نكتشفها ونحن ننتظر، نتمعن، ونتأمل ونقارن ونستنتج ونحن ننتظر. الإتقان والإبداع في الانتظار، أشياء تأتي بغير توقع (فرح مصحوب بفكرة شيء حدث على غير انتظار) كما يقول الفيلسوف الهولندي سبينوزا.

يناقش المؤرخ البريطاني إدوارد تومسون في مقالة له طريقة إحساس الإنسان بالزمن؛ إذ لم تكن ما نعيشها اليوم. فيقول: في المجتمعات الزراعية والحرفية القديمة كان العمل لدى الإنسان مرتبطا بإيقاع الطبيعة، شروق الشمس، الحصاد، حلب الحيوانات، أما في مجتمعات الصناعة والتقدم انتشرت الساعات، وأصبح الزمن يقاس بالدقائق والساعات، والعمل موجها بتلك القياسات.

ويذكر الكاتب أن الانتظار كان جزءاً طبيعياً من نسيج الحياة، وقت للاستراحة أو التأمل ومراقبة العالم، وليس دقائق مُهدرة تُحسب ضدك. فلم يكن هناك جدول زمني يخنق اليوم، بل إيقاع حياتي يتكيف مع الفصول والظروف. لم يكن الذنب رفيقاً لأولئك الذين أضاعوا وقتهم؛ لأن الوقت لم يكن ملكية ثمينة يجب استثمارها حتى آخر قطرة، بل كان مساحة للحياة تتسع للعمل، للراحة، للّعب، والتواصل العفوي».

ولكن السؤال الذي يختم في الذهن هو: هل يأتي وقت نتساءل فيه أين ذهب الانتظار؟ وأين ذهبت متعته، وأين ذلك الشغف؟ كيف تحول الانتظار من حالة كونية طبيعية إلى حالة وجودية من القلق والخوف؟

يقودنا ذلك إلى الزمن. وما بين الاستعجال، والانتظار يبقى الزمن. عندما كان للزمن مساره الطبيعي وحتميته كان الانتظار متناغما ومتسقا معه. وعندما دخلت الآلة تغير الزمن، فأصبح وحدة زمنية لقياس الإنتاج والتطور، وتغير معها الانتظار والاستعجال، أصبحت الآلة هي من يضبط إيقاع الزمن والانتظار، فأصبح الانتظار لا يقل في حدته وسطوته عن تلك الأسئلة الوجودية الكبرى كالقلق والخوف، والفراغ، والاغتراب.

أصبح الانتظار حالة كونية ووجودية للإنسان، وسمة العصر وتطوره، فلا يمكن أن تنال مثلا حقا أو تقوم بواجب دون أن تنتظر. وانعكس ذلك على حياتنا؛ أصبحنا مهووسين بالزمن والاستعجال وكأننا في صراع داخلي، نحب الاختصار ونمقت الانتظار، والمسافات البعيدة.

كل شيء نختصره، ونتجاوز بسرعة. فقدنا الزمن والإحساس بالوقت. يتلبسنا شعور داخلي بأن الوقت لا يكفي وينفد بسرعة دون أن ندرك معضلة الأشياء المتسارعة، ولا نعي قيمة الانتظار. نركض وراء الوقت، نسارع، ونجري والزمن يجري خلفنا.

لا نستطيع وغير قادرين على التحكم بالزمن والوقت وتجاوز الانتظار. أشياء لا طاقة لنا بها. أشياء خارجة عن إرادتنا، ومرتبطة بشيء لا نعلمه؛ فيصبح الانتظار أسلوب حياة. وهذا بحد ذاته يصيب الذاكرة بتشوية وربما فقدان.

ورغم ذلك تحول الانتظار في كثير من جوانبه إلى قلق ومعاناة.

ولد فينا شيئان: الأول يتعلق بالزمن، وذلك الشعور الذي يراودنا بتبديد الوقت وضياعه في الانتظار. والثاني كيف لنا أن نتعامل مع الانتظار طالما هو حقيقة لا يمكن القفز عليها؟

فدخلنا عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي الذي حمل لنا العديد من الميزات والحسنات، وأعاد ضبط أمزجتنا وأرواحنا مع الاستعجال والانتظار، وضبط إيقاع الانتظار، فأصبح كل شيء يصلنا دون انتظار.

إذا أردنا مشاهدة فيلم فبمجرد ضغطة زر على الهاتف أو التلفزيون، لا يتطلب منا الذهاب إلى السينما، والوقوف في طابور التذاكر كما كنا نفعل. تطلب سيارة أجرة فتأتيك بسرعة دون الانتظار على الطريق في حرارة الوقت والتعب. يأتيك الطعام بسرعة دون الانتظار. تقرأ أخبار العالم على الهاتف دون الانتظار لصحيفة تأتيك أو تذهب لتشتريها.

في الطريق لا تتفاجأ بتلك السيارات التي تتجاوزك بسرعة جنونية؛ فقط لأن أصحابها يريدون تجاوز الزمن والوصول بسرعة دون الانتظار. ننتظر إشعارا على الهاتف ليحمل لنا خبراً. الكل يجري، لا يريد أن يتوقف ولو للحظة.

وقد يتجاوز الانتظار حالة، ليصبح سياسة واستراتيجية تلجأ إليها الدول والسلطات لرسم سياساتها؛ فليس غريباً أن تنتظر على الهاتف دقائق وربما تصل إلى ساعة حتى يرد عليك موظف، أو تبعث برسالة حتى تتلقى الجواب.

وهكذا يتحول الانتظار إلى هروب من واقع عجزت عن إيجاد حلول له، فخرج الانتظار عن منطقه ليصبح مؤذياً، وكارثياً ومعرقلا ومضيعًا للوقت. التطور حتم علينا أن نبقى مسجونين في الانتظار. ولتخفيف وطأة الانتظار عملت العديد من الشركات على استثماره والربح منه.

بينما ننتظر خبرا يأتي من شاشة الهاتف تتدفق عليك الإعلانات والإشهارات المدفوعة، أو تجلس في مقهى تتناول قهوة، وتدفع وأنت تنتظر دوراً يأتيك، أو تشاهد فيلماً مدفوعا على المنصة الرقمية وأنت تنتظر.

يبقى الانتظار سيد الموقف. محكومون به، ومحكوم علينا، لا هروب، ولا انفكاك منه. مصابون نحن بالانتظار. الكل ينتظر. العالم ينقسم بين مستعجلين ومنتظرين؛ مستعجلين الكوارث، ومنتظرين الحلول. تمر الحياة بين استعجال وانتظار، وما بينهما شيئان لا ينتظران، العمر يمضي ببطء، وتذوي جذوته، والموت يأتي على عجل دون أن ينتظر.

هل نتصالح مع الانتظار والاستعجال ونعيد التموضع بينهما؟