تكلفة استعداء الجيران.. كيف يقوض ترامب نفوذ الولايات المتحدة؟
ترجمة: نهى مصطفى
الاثنين / 7 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:42 - الاثنين 19 أكتوبر 2026 20:42
يقوض هجوم إدارة ترامب على كندا والمكسيك أسس النفوذ العالمي للولايات المتحدة؛ فالحفاظ على علاقات ودية مع الجيران يعزز الأمن، ويحقق مكاسب اقتصادية متبادلة، ويساعد على مواجهة التحديات العابرة للحدود، في حين يؤدي إضعافهم إلى تفاقم المشكلات.
ينظر الكنديون اليوم إلى الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإلى وصفه بلادهم بأنها «الولاية الحادية والخمسون»، باعتبارهما اعتداءً على اقتصاد كندا وسيادتها. أما في المكسيك، فقد أعادت الضغوط الاقتصادية التي يمارسها ترامب وتهديداته بالتدخل العسكري إحياء مخاوف تاريخية راسخة من الهيمنة الأمريكية.
استغرق بناء الشراكة في أمريكا الشمالية أجيالًا. ففي القرن التاسع عشر، ركزت الولايات المتحدة سياستها الخارجية على محيطها القاري، متنافسةً مع قوى أوروبية وإقليمية، من بينها فرنسا والمكسيك وروسيا وإسبانيا وبريطانيا، فضلًا عن الشعوب الأصلية. ومع صعودها قوةً عالمية في القرن العشرين، تعامل الاستراتيجيون الأمريكيون مع علاقات بلادهم بجيرانها باعتبارها أمرًا مضمونًا، ووجهوا اهتمامهم إلى أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط. لكن منذ السنوات الأخيرة للحرب الباردة، أدرك الرؤساء الأمريكيون أهمية الاستثمار في أمريكا الشمالية.
لخص رونالد ريجان هذه الرؤية عام 1979 بقوله: «قد يكمن مفتاح أمننا المستقبلي في أن تصبح كندا والمكسيك أقوى بكثير مما هما عليه اليوم. حان الوقت لنتوقف عن معاملة أقرب جيراننا كأنهم أجانب».
تمنح الجغرافيا الولايات المتحدة ميزة استراتيجية كبيرة. فالصين وروسيا تتعاملان مع 14 دولة مجاورة لكل منهما، كثير منها غير ودود، فيما تتعامل الهند مع ست دول، بينها منافس نووي. وتعتمد هذه القوى الثلاث في الوصول إلى بحار العالم على ممرات بحرية استراتيجية. أما الولايات المتحدة، فتجاور دولتين صديقتين وتتمتع بحرية الوصول إلى محيطين شاسعين. يعزز التعاون مع كندا والمكسيك الأمن القومي، ويجذب الاستثمارات، ويحفز الابتكار، ويوفر سوقًا ضخمة غنية بالموارد والمواهب، فضلًا عن المساعدة في التصدي للشبكات الإجرامية والهجرة غير الشرعية والتهديدات البيئية.
تشكل أمريكا الشمالية الآمنة والقادرة على الصمود قاعدةً أساسية لنفوذ الولايات المتحدة العالمي. وتصبح واشنطن أقدر على مواجهة عالم مضطرب حين تتعاون مع كندا والمكسيك في جبهة موحدة. لكن سياسات ترامب القائمة على التنمر تنفر هذين الشريكين الطبيعيين، وتهدد بتبديد أحد أهم أصول الولايات المتحدة الجيوسياسية: قاعدة قارية قوية تنطلق منها لتعزيز نفوذها في العالم.
أدرك ويليام سيوارد، وزير الخارجية الأمريكي بين عامي 1861 و1869، أن إقامة علاقات جيدة مع جيران الولايات المتحدة تعزز نفوذها العالمي. وقال إن «السيطرة على هذه القارة تعني... امتلاك القوة المهيمنة في العالم».
وخلال مفاوضات شراء ألاسكا عام 1867، لاحظ أن ألاسكا وجزر ألوشيان «تمد يد العون إلى آسيا». كما سعى إلى شراء جرينلاند وأيسلندا وهاواي وجزر في الكاريبي، بهدف تأمين الممرات البحرية المؤدية إلى الولايات المتحدة.
لكن سيوارد أدرك أيضًا أن تعزيز القوة الأمريكية لا يتطلب ضم أراضٍ جديدة، بل يمكن تحقيقه بتوثيق الروابط الاقتصادية. عارض الغزوات الإمبريالية الأوروبية والحرب الأمريكية المكسيكية (1846-1848). عقب انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865، منع الجنرالين يوليسيس إس. جرانت وفيليب شيريدان من غزو المكسيك للإطاحة بالأرشيدوق هابسبورج الذي نصبه الفرنسيون إمبراطورًا عليها. وحذر من أن الغزو سيؤجج العداء للمكسيكيين، الذين يستطيعون طرد الحاكم الأجنبي بأنفسهم، وهو ما فعلوه بالفعل عام 1867.
تصور سيوارد اتحادًا لأمريكا الشمالية يقوم على الاختيار الحر، لا الإكراه أو الغزو. وآمن بقوة الجاذبية الأمريكية، معتبرًا أن التجارة ستكون «إله الحدود» الجديد الذي يعيد رسم الحدود ويوحد الدول. ووصف كاتب سيرته، إرنست باولينو، هذه الفكرة بأنها «قانون جاذبية الإمبراطورية» لدى سيوارد.
في أوائل القرن العشرين، أنهت الثورة المكسيكية عام 1910 شعور الولايات المتحدة بالأمان القاري؛ فقد دفعت الهجمات على المدن الحدودية والاستيلاء على ممتلكات أمريكية واشنطن إلى إرسال حملتين عسكريتين إلى المكسيك. كما كشفت رسالة التحالف السرية التي أرسلتها ألمانيا إلى المكسيك عام 1917، وعرضت فيها مساعدتها على استعادة أريزونا ونيو مكسيكو وتكساس، مدى خطورة عدم الاستقرار على الحدود الأمريكية.
نجحت الولايات المتحدة لاحقًا في إقامة علاقات مستقرة مع النظام السلطوي ذي الحزب الواحد في المكسيك. وقبلت واشنطن استقلال جارتها ما دامت لا تهدد أمنها، مقدمة الاستقرار على الديمقراطية المتعثرة والقومية المتشددة والاقتصاد المغلق. استمر هذا الترتيب نحو خمسين عامًا، شهدت تعاونًا عمليًا، من أبرز أمثلته برنامج «براسيرو» الذي منح نحو 4.6 مليون مكسيكي تصاريح عمل مؤقتة في الولايات المتحدة بين عامي 1942 و1964.
في المقابل، تحولت كندا خلال القرن العشرين من دولة خاضعة للتاج البريطاني إلى شريك مستقل وحليف للولايات المتحدة. عزز البلدان تعاونهما عبر مشروعات البنية التحتية والاتفاقيات التجارية، ثم توطدت شراكتهما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال التعاون العسكري ودعم تأسيس الناتو والأمم المتحدة ومؤسسات النظام العالمي الجديد. كما أنشآ ممر سانت لورانس المائي ونظامًا للرادار لرصد الهجمات الصاروخية المحتملة، ووقّعا عام 1965 اتفاقية لإنشاء سوق سيارات متكاملة معفاة من الرسوم الجمركية.
تسارع التكامل في أمريكا الشمالية خلال عهد رونالد ريجان. ففي عام 1985، اقترح رئيس الوزراء الكندي برايان مولروني اتفاقية تجارة حرة شاملة، رغم مخاوف الكنديين من الهيمنة الأمريكية. وأُبرمت الاتفاقية عام 1987، ثم تحولت الانتخابات الكندية عام 1988 إلى استفتاء عليها، فاز فيه مولروني.
في عام 1990، اقترح الرئيس المكسيكي كارلوس ساليناس اتفاقية تجارة حرة مماثلة على الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، سعيًا إلى تجاوز أزمة الديون وتراجع عائدات الطاقة، وفتح الاقتصاد المكسيكي أمام الاستثمار والإصلاح.
انضمت كندا إلى المفاوضات عام 1991، ووقعت الدول الثلاث اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» عام 1992. ولم تقتصر أهمية الاتفاقية بالنسبة إلى واشنطن على التجارة، بل مثلت خطوة نحو المصالحة مع المكسيك، التي ظلت حذرة من الولايات المتحدة منذ خسارتها نصف أراضيها في حرب عام 1848. أملت المكسيك أن تساعدها الشراكة على تسريع تحولها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وتعزيز سيادة القانون وحماية الاستثمار والمنافسة والملكية الفكرية، وبناء ديمقراطية تعددية ومجتمع أكثر انفتاحًا.
اعتبر الرئيس جورج بوش الأب، الاتفاقية ركيزة لاستراتيجية الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، وجزءًا من «نظام عالمي جديد» يهيئ البلاد لتحديات القرن الحادي والعشرين. ورأت إدارته أن الشراكة ستعود بمكاسب اقتصادية، وتوسع التعاون في السياسة الخارجية والبيئة والهجرة ومكافحة تهريب المخدرات، مع احترام استقلال الدول وسيادتها، خلافًا لنموذج الاتحاد الأوروبي القائم على تقاسم السيادة.
واجه الرئيس بيل كلينتون صعوبة إقرار «نافتا» في الكونجرس، لكنه نجح في ذلك بدعم قوي من الجمهوريين.
كما عزز الشراكة بتقديم قرض ضخم للمكسيك خلال أزمة البيزو عام 1995 لمنع انتقال الاضطرابات الاقتصادية إلى الولايات المتحدة. وبعد هجمات 11 سبتمبر، أطلق الرئيس جورج بوش الابن مبادرات لتأمين عبور المركبات التجارية وتسريعه عبر الحدود مع كندا والمكسيك، خشية أن تعطل التهديدات الإرهابية حركة التجارة.
رغم مخاوف معارضي اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» من انتقال الوظائف إلى المكسيك، حققت الاتفاقية مكاسب اقتصادية واستراتيجية: أسهمت في تعزيز الاستثمار والبنية التحتية وكفاءة سلاسل التوريد، وارتفعت التجارة بين الولايات المتحدة وكل من كندا والمكسيك إلى مئات المليارات من الدولارات، فيما زادت الاستثمارات المتبادلة بصورة كبيرة. وتستفيد الولايات المتحدة من نمو اقتصادَي البلدين، باعتبارها مصدرًا رئيسيًا لوارداتهما.
كان من أهداف الاتفاقية أيضًا توفير فرص عمل داخل المكسيك والحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة. ورغم ارتفاع عدد المهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة إلى نحو تسعة ملايين عام 2000، تراجعت الهجرة المكسيكية بحلول عام 2010 إلى الصفر، وأصبحت المكسيك شريكًا أساسيًا لواشنطن في إنفاذ قوانين الهجرة.
سعى دونالد ترامب خلال ولايته الأولى إلى إلغاء «نافتا»، لكنه اكتفى بإعادة التفاوض عليها، لتحل محلها عام 2020 اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. حدثت الاتفاقية الجديدة قواعد التجارة الرقمية وأضافت إجراءات للشكاوى العمالية، لكنها فرضت شروطًا معقدة على قطاع السيارات أضعفت قدرته التنافسية عالميًا، كما قلّصت حماية المستثمرين الأجانب في المكسيك، مما أضعف الثقة في سيادة القانون.
لا تنتهي صلاحية الاتفاقية الحالية قبل عام 2036، لكن مستقبل التعاون في أمريكا الشمالية بات مهددًا؛ فقد رفضت إدارة ترامب تمديد الاتفاقية حتى عام 2042، وأدى الغموض بشأن مستقبلها إلى تراجع ثقة المستثمرين في كندا والمكسيك. تفاقمت الأزمة مع فرض رسوم جمركية مرتفعة خلال عامي 2025 و2026 على منتجات كندية، منها السيارات والمعادن والأخشاب والأدوية، بدعوى تهديدها الأمن القومي الأمريكي، رغم عقود من التكامل الاقتصادي والتعاون العسكري بين البلدين.
يمثل إضعاف العلاقات مع كندا والمكسيك خسارة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة. فالدول الثلاث، التي يقترب عدد سكانها مجتمعة من نصف مليار نسمة، تتمتع بموارد طبيعية وفيرة، وقوة عاملة ماهرة، وبنية تحتية متكاملة، وتقدم تكنولوجي، ورأس مال وفير، وقدرات واسعة في إنتاج الطاقة التقليدية والمتجددة.
ينبغي لواشنطن استثمار هذه المزايا بدلًا من إهدارها في الصراع مع جيرانها. ويمكنها تعزيز التعاون مع كندا في أمن القطب الشمالي والممرات البحرية، وتجارة المعادن، والابتكار التكنولوجي، مستفيدةً من تكامل قدرات البلدين في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والطاقة.
كذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى مساعدة المكسيك على معالجة الفساد وضعف المؤسسات وانتشار الاقتصاد غير الرسمي والجريمة المنظمة. يمكن للدعم الأمريكي الاستخباراتي والتكنولوجي أن يسهم في تعزيز الأمن وسيادة القانون، فيما تساعد المؤسسات الأقوى والأكثر نزاهة على تحقيق النمو وترسيخ الشراكة بين البلدين.
أدرك رؤساء أمريكيون، من ويليام سيوارد إلى ريجان وبوش وكلينتون، أن قوة أمريكا الشمالية ركيزة أساسية للنفوذ الأمريكي عالميًا. لكن نزعة ترامب إلى الهيمنة، وتعامله مع الاقتصاد بمنطق الربح والخسارة، أبعداه عن هذا النهج الاستراتيجي.