أفكار وآراء

يخطئ قادة فرنسا إن ظنوا أن الحل في العنف

ترجمة: أحمد شافعي

أول ما تعلمته في شوارع باريس في نهاية هذا الأسبوع هو أنه لا مجال للجدال مع قنابل الغاز؛ فقد وصلت إلى ساحة الجمهورية بعد الواحدة من الظهر بقليل. كانت الأجواء احتفالية إلى أن بدأت الشرطة في إطلاق وابل من قنابل الغاز على الساحة من شارع فوبورج دو تمبل.

لم أر الحادثة التي تسببت في ذلك، إن كان من حادثة أصلا، وحاولت أن أمشي مخترقا سحابة غاز (سي إس) العالقة في الجو. فكان ذلك مستحيلا؛ إذ يتشبث الغاز في الأنف ويحرق العينين، وسرعان ما يبدأ المرء في المعاناة من صعوبة التنفس.

تراجعت باتجاه شارع بوليفار دو ماجنتا، بينما يرمش جفناي بسرعة في محاولة لتخفيف الألم.

لجأت السلطات إلى ذلك الأسلوب في التعامل مع الحشود في وقت مبكر من ذلك اليوم، فأحدثت فوضى في المدينة وحددت طبيعة ما سيجري لاحقا.

وكان لا بد من أن ترجع صديقة إلى بيتها برفقة أبويها المسنين لأن الشرطة أطلقت قنابل الغاز «عشوائيا» على حشد من الشباب في ستراسبورج سان دوني بالدائرة العاشرة. عدت أدراجي إلى شارع بوليفار دي ماجنتا، وهناك قابلت المتظاهرين ومنهم طالب في السوربون كان قد جاء لـ«دعم طلبة المدارس الثانوية في المقام الأكبر، وللمطالبة بإنفاق المزيد من المال على المدارس العامة، من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية».

ومن العوامل الأخرى التي قال إنها دفعته للخروج من أجل التظاهر «القمع الذي ووجه به طلبة المدارس الثانوية ممن تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة»، من قبيل ما جرى في واقعة لينس حيث فجرت قنبلة من قنابل الشرطة يد صبي في الخامسة عشرة من عمره فجعلتها أشلاء.

آخرون ممن تحدثت معهم من المتظاهرين ينتمون إلى فئات أخرى في المجتمع؛ فهم شباب وشيوخ وبيض وأبناء أقليات عرقية. شارك الناس باعتبارهم عمالا أعضاء نقابات وطلبة في المدارس ومواطنين عاديين خرجوا غاضبين من ارتفاع تكاليف المعيشة. وكان سعر البنزين ـ وهو العامل المحفز الأصلي لحركة السترات الصفراء سنة 2018 ـ قد دفع العديد من الناس للخروج بعد أن بلغ سعرا قياسيا هو 2.4 يورو لكل لتر في نهاية الشهر الماضي.

كان هذا القسم من المظاهرة هادئا تمام الهدوء؛ إذ انطلق المتظاهرون من ساحة الجمهورية، محدثين الكثير من الضوضاء، ومتسلقين السقالات لتثبيت الأعلام، لكنهم في ما عدا ذلك لم يفعلوا شيئا سوى التعبير عن مطالبهم السياسية.

وقد خرج ما بين خمسمئة وخمسين ألفا وثمانمئة ألف من البشر إلى الشوارع في أنحاء فرنسا ضمن مظاهرات كهذه المظاهرات.

حينما رجعت إلى ساحة الجمهورية في الرابعة عصرا، رأيت الوضع وقد تردى إلى الفوضى؛ فالقنابل الصوتية كانت تتفجر في كل مكان، والمتظاهرون كانوا يرمون زجاجات على الشرطة، وتعبأ الهواء بدخان من سيارة مشتعلة. وانكسرت واجهة أحد فروع سلسلة نيكولاس لبيع النبيذ ونهبه متظاهرون في ثياب سوداء، لا طلبا للنبيذ ولكن للزجاجات كي تكون مقذوفات يلقون بها على الشرطة انتقاما من القنابل الصوتية.

لم يتسن لي التوقف للحديث مع الناس في غمار هذا الغضب، لكن إحساسي هو أنهم كانوا مزيجا من الكتلة السوداء ـ أي الأناركيين الذين يخرجون في كثير من المظاهرات لإثارة الشغب ـ وحركة السترات الصفراء والشباب ومتوسطي العمر من الغاضبين على الحكومة وعلى الشرطة، وبالطبع كان بينهم الشباب الانتهازيون الباحثون عن شجار. وكما هو حال المظاهرات دائما، هناك العديد من الناس، والكثير من الدوافع.

تعالت صيحات قدامى السترات الصفراء بشعارهم «استقل يا ماكرون». وبعيدا عن المجموعة المنظمة من هواة إثارة الشغب، كانت المشاعر الغالبة هي الخوف والغضب. مع انفجار كل قنبلة صوتية كانت أقسام غير عنيفة من الحشد تصاب بالذعر، لكنها تعود فتتجمع وتقف في مكانها مع استمرار مثيري الشغب في إلقاء المقذوفات. وثمة ملصق رأيته في المظاهرة ولعله يوجز الإحساس السائد فيها: ضاع الأمل، 17 أكتوبر لاستعادته. 17 أكتوبر من أجل كل شيء. نحن بالفعل في الجحيم، تعالوا نتقابل يوم 17 أكتوبر».

فماذا بعد؟ مع اعتقال أكثر من ألف وثمانمئة، ما الذي سيكون من أمر أولئك الناس، وهذه الحركة، وهذا الشغب؟

ثمة إحساس سائد في فئات معينة من الشعب الفرنسي بأن إصدار قدر كاف من الجلبة، يتضمن بعض أعمال التخريب، يوجه رسالة إلى السلطة. وواقع الأمر أن ثمة أدلة تشير إلى أن الأمر كذلك بالفعل؛ فقد قوبل رفض الإصلاحات النيوليبرالية بنجاح في العديد من المناسبات في فرنسا، وبخاصة خلال موجات الإضراب أو إغلاق الميادين، وإن شهدت تلك المحاولات أيضا حضور هوامش متطرفة مستعدة لإضرام النيران.

ومع عودة الاستقرار، ما الذي سيكون من تداعيات على المستوى السياسي؟ في محاولة للاستفادة من هذا الوضع، وضعت ماري لو بان نفسها في صف هؤلاء الغاضبين من تكاليف المعيشة، في حين أدانت الناهبين.

ففي بيان لها وصفت الشعب الفرنسي بأنه واقع بين «تقشف السلطة وضرباتها المالية وبين تمرد الناشطين». ووعدت بـ»تحرير» الفرنسيين من «السياسات الماكرونية السامة وحمايتهم من عنف اليسار المتطرف».

وحرصت على استبعاد حقيقة أن حزبها يقترح مزيدا من التقشف بما يتجاوز السياسات الماكرونية نفسها، لكن صور النيران والنهب التي ستذاع في كل قناة إخبارية تؤكد سرديتها المتعلقة باسترداد النظام في الشوارع.

في الوقت نفسه، يدافع اليسار الفرنسي، ممثلا بشكل أساسي في جان لوك ميلانشون ـ عن المتظاهرين ويسعى إلى نقل غضبهم إلى الحملة الرئاسية بالتركيز على عنف الشرطة أكثر من عنف مثيري الشغب. فقد يتسنى لليسار أيضا تحقيق مكاسب من هذا الوضع المتوتر.

في حين تبدو الحكومة مصرة على الاستمرار في المضي بميزانيتها قدما؛ فقد تكون مسألة وقت قبل أن يحدث انفجار مماثل آخر. صحيح أنه لا يمكن لأحد أن يجادل قنابل الغاز، ولكن غاية ما تفعله هذه القنابل هو أنها ترجئ ما لا مفر منه إلى حين.

أوليفر هاينز، صحفي وشريك في تقديم بودكاست Sacré Bleu المعني بمتابعة الانتخابات الرئاسية في فرنسا

الترجمة عن الجارديان