أعمدة

الذكاء الاصطناعي.. كاتب الزمان وشاعره

أرسل لي مرة أحد الناس محاولة شعرية مليئة بالأخطاء الوزنية والعروضية وعيوب في القافية. كانت المحاولة عبارة عن تجميع كلمات لا ترقى إلى الشعر، ولا حتى إلى النثر.

أخبرته برأيي، وأعطيته ملاحظاتي، وطالبته بالقراءة والاستماع إلى الشعراء الكبار، وما إلى ذلك من نصائح... غاب الرجل عني أسبوعين، ثم أرسل لي نصا راقيا، مكتملا، خاليا من العيوب والأخطاء الوزنية.

اندهشتُ في البداية من سرعة هذا التحول، وبالطبع اتجه شكي إلى وجود طرف ثانٍ قام بكتابة النص بدلا منه، كما جرت العادة منذ زمن. أخبرته أن هذا التحول الدراماتيكي في كتابته غير منطقي، ولا يمكن أن يستوعبه عاقل، ولكنه أصر على أنه هو من كتب القصيدة!!

غير أنه بعد البحث والتقصي، اتضح أن ذلك النص الناضج فنيا هو من إنتاج «الذكاء الاصطناعي»!!، هذا الذي دخل كل بيت، وتدخل في كل جوانب الحياة، وخلط الأوراق، وأنتج لنا كتّابا وشعراء ومحاضرين وباحثين لم يبذلوا أي جهد في الإنتاج الفكري الذي يعرضونه للناس على أنه من بنات أفكارهم، حتى كاد الجميع يصبح مفكرا وشاعرا وأديبا، دون أن يفعل شيئا، سوى طلب ما يريد من الذكاء الاصطناعي، وفي دقائق يصبح الطلب جاهزا للتسليم.

والغريب أن كثيرين أصبحوا يعيشون وهم الشهرة والمعرفة والأستاذية بسبب هذا الإنتاج غير البشري، والذي ينسبونه إلى أنفسهم دون تأنيب ضمير أو وقفة صادقة مع النفس، حتى كادوا يتساوون مع مرضى الوهم النفسي، الذين يعيشون واقعا غير واقعهم، وينسبون الأشياء إلى أنفسهم، حتى كاد أن يصبح كل شاعر أو كاتب تحت مجهر الشك.

وهذا ما يجعل من الأمر خطيرا للغاية، وغير مسيطر عليه، فنحن أمام ظاهرة العصر، حيث كل شيء أصبح يُنتج عن طريق الذكاء الاصطناعي، حتى الأغاني والألحان والأصوات والفرق الموسيقية، وكل شيء لا يخطر على بال، حيث أصبح بالإمكان التنفيذ بمجرد طلب الشيء، وكأن الجميع أصبح يملك مصباح علاء الدين الذي سمعنا به في الحكايات التقليدية، ولعل النتيجة النهائية ستكون على حساب الشاعر الموهوب الحقيقي وجهده وإبداعه، حيث سيجد من يزاحمه في موهبته، ولكنه من عالم غير بشري، وغير مرئي، وغير شاعري.

والواقع أنه يمكن أن ننتج كل الأشكال الأدبية والفنية والفكرية التي لا تخطر على بال بشر، ولكننا سنفتقد أهم عناصر العمل، وهو الصدق والعاطفة والمشاعر الدافئة التي نحتاجها كي نشعر بما نسمع أو نقرأ أو نشاهد، ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لشخص أن يعيش في وهم الكذب والادعاء والإبداع، وهو مجرد آلة جوفاء جامدة، لا يملك أدنى مقومات الصدق، حتى مع نفسه؟!!