أعمدة

مسقط - لندن.. واجهة التهدئة

توصف العلاقة بين مسقط ولندن بأنها علاقة استراتيجية ذات طابع يميزها عن علاقات الدولتين مع دول كثيرة في العالم، فهي وثيقة على المسارات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية، وهذا ما عكسته الزيارات المتبادلة بين سلاطين عُمان وملوك إنجلترا.

وقد بُنيت هذه العلاقة على منطق الحكمة والهدوء والاتزان والنظرة المشتركة للمصالح، وبقيت طوال 4 قرون منذ أول اتصال بين البلدين الذي تمثل في وصول أول سفينة من لندن إلى مسقط في عام 1613م، وتعاظمت أهميتها خاصة بعد توقيع اتفاقية 1798م كأول اتفاقية سياسية وعسكرية بين الجانبين بهدف الحد من توسع النفوذ الفرنسي في المنطقة، والتي جُددت في عام 1800م، بعد أن وُقعت بين الجانبين في 18 يناير بين السلطان سلطان بن أحمد والقبطان مالكوم، مبعوث الحاكم العام البريطاني في الهند.

اليوم يتوج حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- كل ذلك الجهد بزيارة دولة إلى المملكة المتحدة وأيرلندا الشمالية، تلبيةً لدعوة الملك تشارلز، ليضيف إلى زيارته الأولى في عام 2021م ما يمكن أن يعزز مسار العلاقة التاريخية بين الجانبين.

يجمع البلدين الكثير من المصالح، والكثير من التحديات في المنطقة وعلى مستوى العالم، ونحتاج في وقت اشتداد هذه المواقف إلى ذلك الهدوء والروية في التعامل مع القضايا المصيرية التي تحتاج إلى الحنكة والمهارة والصبر والإقناع والتأني.

فالعالم يموج اليوم بالظروف السياسية والأمنية والعسكرية المضطربة في الشرق الأوسط خاصة، والتي تجر البشرية إلى حافة الهاوية إذا غابت عنها الحكمة وإيجاد الحلول من أجل تثبيت الاستقرار والازدهار، وهذا لن يتأتى إلا من خلال إيجاد جهود دولية تقودها العواصم المؤثرة في العالم، وعلى رأسها المملكة المتحدة وحلفاؤها من الشرق والغرب.

خاصة أن الإدارة السياسية في البلدين تلتقي عند نقاط ارتكاز مهمة في كيفية إنهاء الصراعات وتجنيب البشرية كوارث عسكرية ومغامرات قد تخرج عن السيطرة، وهذا ما يُرجح في حالة حدوثه فقدان العالم أمنه واستقراره.

زيارة جلالة السلطان إلى لندن تمثل أهمية بالغة في عالم مضطرب جدًا ويده على الزناد، تتسارع فيه الأحداث وتكبر فيه المصالح بين الدول، والذي يُقسم إلى مناطق نفوذ للقوى الكبرى استنساخًا للحالة السياسية والأمنية مطلع القرن العشرين الذي تشكلت فيه معظم دول العالم وانطلقت بعدها بشكل واضح في نهضتها التنموية.

محور لقاءات جلالة السلطان مع الملك تشارلز يرتكز على ملفين مهمين، هما الجانب السياسي والأمني وكيفية إيجاد حلول منطقية تجنب الإقليم المزيد من المآسي والتداعيات وتعزز الاستقرار والأمن، وهذا الجانب فيه توافق كبير في الرؤى المشتركة.

وهناك الملف الاقتصادي الذي يمثل ركيزة مهمة في هذا الوقت بين البلدين، الذي تنطلق فيه سلطنة عُمان نحو الانفتاح على استثمارات العالم وجذب رؤوس الأموال الراغبة في بناء الكيانات والشراكات الاقتصادية في السلطنة، وتتقدم المملكة المتحدة على كل المستثمرين بحجم مالي يبلغ 16.88 مليار ريال عُماني، 43.9 مليار دولار تقريبًا، في قطاعات النفط والتصنيع والخدمات المالية والموانئ والنقل واللوجستيات والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والسياحة والعقارات.

ويبلغ حجم الاستثمارات العُمانية في بريطانيا 84.6 مليون ريال عُماني، ما يقارب 220 مليون دولار، في مجالات الخدمات المالية والأسهم والسندات والصناديق الاستثمارية والعقارات والطاقة والتكنولوجيا وشركات الابتكار.

في هذه الزيارة التاريخية، يُتوقع أن يتم التوقيع على اتفاقيات إضافية في المسار الاقتصادي وغيره من المسارات التي تهم البلدين، إضافة إلى التفاهمات في المجال السياسي والأمني التي تهدف إلى تجنيب المنطقة المزيد من الصعوبات الناجمة عن اختلال الأمن وطرق الملاحة الدولية.

حيث تستطيع كل من مسقط ولندن إقناع الأطراف بأهمية العودة إلى الحوار لتثبيت الأمن والاستقرار، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وإيجاد حلول جذرية تقوم على تقاسم المصالح المشتركة التي يستفيد منها الجميع في إطار تنازلات تجنب الإقليم ويلات الحروب التي سيدفع العالم ثمنها.