عمان العلمي

أزمة النوم في الليلة الأولى

 

هل سبق أن عانى أحدنا من الأرق في الليلة الأولى في مكان جديد كحال تشبه وصف امرئ القيس لأزمته مع النوم في إحدى الليالي حين قال: «ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي...بصبح وما الإصباح منك بأمثل»؟ بالنسبة لي، نعم، وكثيرا ما كان يحدث هذا لي في سنوات الصغر، ولعلني تجاوزت الأزمة بشيء من النسبية مع تجاوز تلك المرحلة العمرية.

بكل تأكيد، هناك كثيرون ممن مروا بهذه التجربة الغريبة والمرهقة؛ فنجد أنفسنا عند ليلتنا الأولى في بيئة جديدة -سواء أكانت فندقا أو بيتا آخر- نقاوم الأرق باحثين عن سويعات نغوص فيها في بحر النوم، ولكن النوم يأبى أن يتحقق، وإن أتى، يكون متقطعا وواهنا.

ما زلت أتذكر بعضا من هذه التجربة المرهقة، وكنت أدافعها بأساليب متعددة؛ فأجدني مجبرا على تجاذب الحديث مع النفس ومطارحة الأفكار عوضا عن النوم المفقود. ومن المعلوم أن الليل سكن يرتاح فيه الدماغ من أعمال النهار وأنشطته؛ فإما أن يشق طريقه إلى السكون والنوم وتفريغ الأفكار -بما فيها العميقة والقديمة- في أحلام المنام وفق منهجية التحليل النفسي «الفرويدية»، وإما أن تقف بينه وبين النوم عقبة مانعة؛ فيرتع بعدها في أفكار لا تنتهي.

تفضي بنا مثل هذه التجارب إلى قاعدة عامة مفادها أننا لا نملك دائما القدرات المطلقة على التحكّم بأدمغتنا وتفاعلاتها؛ وإن كانت ثمة -وفق علم النفس- مهارات وعادات نحتاج إليها في ممارسة ما يمكن أن أُطلق عليه «خداع الدماغ» والانتصار على نمطه غير المرضي في بعض حالاته وظروفه.

بما أننا نطرق موضوع النوم المرتبط بالدماغ، وتحديدا أزمة الأرق في الليلة الأولى مع المكان الجديد، ويعاني منها كثير من البشر، فإن للعلم رأيا في هذه الظاهرة، وباتت تُعرف في الأوساط العلمية بـ«تأثير الليلة الأولى» «First-Night Effect».

قبل أن نقترب أكثر من فهم «تأثير الليلة الأولى» وسر سلبه نوم بعض الأفراد بشكل جزئي أو كلي، نعبر أولا إلى منطقة الدماغ لفهم وسائل وعيه وأسلحته في مواجهة الجديد والتغيير؛ إذ لا يمكن أن ننكر أن الدماغ بطبيعته عضو بيولوجي متمرد، يصعب ترويضه عبر المقاومة، ويحتاج إلى أساليب المفاوضة والدبلوماسية في سبيل تطويعه وإخضاعه إلى رغباتنا المنشودة. 

بجانب عمل الدماغ في صناعة الأفكار وترجمة تفاعلاتنا الداخلية والخارجية وإعطاء الأوامر اللحظية، نجد له أيضًا وظيفة الوقاية والحماية، ولذلك يكون في حالة انتباه وحذر مستمرين.

ليس في الأمر عجب؛ إذ يتشكّل الدماغ من مليارات الخلايا العصبية -تتجاوز ثمانين مليار خلية عصبية- تتصل وتتواصل مع بعضها بعضًا عبر شفرات كهربائية وكيميائية بأسلوب دقيق ومدهش. وهذا ما ألهم علماء الأعصاب والحاسوب -وبمشاركة علماء الرياضيات- شغف البحث عن محاكاة الدماغ وتطوير الذكاء الاصطناعي.

بيد أن لهذا الدماغ وشبكاته العصبية الكبيرة والمعقّدة مظاهر رمادية مبهمة استطاع العلم تأويل بعضها ونفض يده عن بعضها الآخر؛ فصنّف بعضها بالمظاهر الطبيعية الشائعة وبعضها الآخر مشكلات عصبية ناتجة عن أسباب طبيعية ووراثية أو نتيجة حوادث لاحقة. دفعت مثل هذه الحالات الإنسان إلى خوض تجارب كثيرة، منها ما يتعلق بموضوع مقالنا الذي يعدّ أقرب ما يكون إلى الظواهر الطبيعية الشائعة.

يُعزى سبب هذا الدور الحسّاس للدماغ -بصفته حارسًا وقائيًا- إلى جذور بيولوجية قديمة ترسخت في منظومة عصبية وكيميائية معقدة ما زال العلم مستمرًا في اكتشاف خفاياها. تُطلعنا الدراسات الأنثروبولوجية على أن الإنسان القديم -وتحديدًا قبل نشوء الحضارة الإنسانية التي تُعدّ الزراعة تتويجًا لها- كان في صراع مستمر مع الحياة وظروفها طمعًا في البقاء؛ فيسعى في المقام الأول إلى تأمين نفسه وحمايتها من هجوم الكائنات الأخرى، ويبحث عن طعامه الذي يحصّله بالصيد البدائي وقطف ما يجده مناسبًا من غذاء.

جعلته كل تلك الظروف في وضعية استعداد ويقظة وخوف وتفكير. ووفق بعض الفرضيات والنظريات، وأبرزها نظرية التطور، بقيت كثير من تلك الصفات القديمة -بما تحمله من خوف من المجهول وتوقّع للخطر- متراكمة في النظام الجيني البشري، وتغلغلت في تكوينه الدماغي العصبي. وبالرغم من تجاوز الإنسان الحديث عددًا من ظروفه القاسية التي عانى منها أسلافه؛ فإن سلوك دماغه ونموذجه العصبي ما زالا أقرب إلى نموذج الدماغ القديم غير المتكافئ مع البيئة الحضارية المتطورة -كما يُعرف في أدبيات علم النفس والفلسفة بـ«متلازمة رجل الكهف»-؛ فظلت كثير من استجاباته العصبية متجذرة في داخله بشكل لا شعوري.

توصف بعض هذه الأنماط السلوكية بالطبيعية غير المفرطة حال عدم تجاوزها المعدّلات المعتادة؛ فيمكن أن تساعد الإنسان في البحث عن الحلول دون أن تعوق تقدمه أو تؤثر في وظائفه الرئيسة، في مقدمتها النوم والأكل. في المقابل، ثمة أنماط سلوكية دماغية -عند بعض الأفراد- تُوصف باللاطبيعية نتيجة النشاط الدماغي الزائد؛ فيكون سببًا في إشعال جذوة القلق والخوف والتوجّس من كل شيء، خصوصًا الجديد وما يرتبط به من متغيرات؛ فيُدفع الدماغ إلى تفعيل وضعية التوجّس المستمر، والبحث عن سبل الحماية المفرطة التي تؤثر في مسار حياتنا وتعطّل رغباتنا الطبيعية مثل النوم أو الأكل أو العمل.

مع هذه اللمحة السريعة عن الدماغ وأنماطه المتباينة، نعود إلى ظاهرة «تأثير الليلة الأولى» المرتبطة بجزئية النوم، والتي -كما اتفقنا آنفًا- لا يمكن تعميمها على جميع الأفراد سواء من حيث حدوثها أو تفاوت درجاتها.

نستعين في تأطير هذا الفهم بدراسة علمية بعنوان «الحراسة الليلية لأحد نصفي الدماغ أثناء النوم وارتباطها بتأثير الليلة الأولى لدى البشر»، نُشرت في مجلة «Current Biology» بواسطة باحثين من جامعة «براون» الأمريكية، على رأسهم «ماساكو تاماكي»، عام 2016.

اعتمدت الدراسة على ثلاث تجارب، وشارك فيها خمسة وثلاثون متطوعًا لأجل مراقبة أنشطتهم الدماغية أثناء النوم بواسطة عدد من القياسات التقنية، منها رصد: النشاط الكهربائي للدماغ (EEG)، والنشاط المغناطيسي للدماغ (MEG)، وتصوير المناطق الدماغية بالرنين المغناطيسي (MRI)، بالإضافة إلى تحديد مراحل النوم. 

بما أن الدراسة تهدف إلى التركيز على ظاهرة «تأثير الليلة الأولى»؛ فسعت إلى الإجابة عن سؤال بحثها الأهم: هل يختلف النشاط الدماغي وقياساته في الليلة الأولى أثناء النوم عن الليالي اللاحقة؟ وقبل أن نخوض في شيء من التفاصيل، يمكن أن نريح القارئ ودماغه المتعطش لمعرفة الجواب بأن النتيجة النهائية للدراسة تقول: نعم؛ فأكدت وجود ظاهرة «تأثير الليلة الأولى» مع التوضيح أن مناطق في النصف الأيسر للدماغ تقاوم النوم بشكل جزئي؛ لتُبقي الدماغ يقظًا نسبيًا، ويتصرف كأنه «حارس ليل».

ولنقرّب الصورة أكثر، ننقل ما توصّل إليه الباحثون عن نمط الدماغ ومتغيراته المرصودة أثناء النوم -في المكان الجديد- في الليلة الأولى. أظهرت النتائج أن الدماغ بنصفيه يكون في حالتين متباينتين: نصف يغطّ في نوم عميق، ونصف آخر في حالة نوم غير عميقة أقرب إلى اليقظة ذات القدرة والجاهزية لإدراك المتغيرات الخارجية.

أُثبِتَ ذلك بعد تعريض المشاركين أثناء نومهم -في الليلة الأولى والثانية- إلى مؤثرات صوتية خارجية. وعبر أجهزة القياس والرصد -المُشار إليها سابقًا- تبيّن وجود فرق في نتائج القياسات بين الليلة الأولى والثانية؛ فأظهرت النتائج أن نشاط النوم في أحد نصفي الدماغ ضعيف في الليلة الأولى، ويمتلك استجابة عصبية عالية للمؤثرات الصوتية وقدرة على التفاعل معها عبر الاستيقاظ السريع.

مع دخول الليلة الثانية في المكان نفسه، تحسّن نشاط النوم في النصف الدماغي الأيسر، وبات أقرب إلى وضع نظيره النصفي -الأيمن- من حيث تجاهله للمؤثرات الصوتية وتراخي استجابته العصبية لها.

من الملحوظات التي أشار إليها الباحثون أن القلق ليس بالضرورة مصاحبًا لهذه الظاهرة؛ فيمكن أن تحدث عند الإنسان دون وجود مؤشرات للقلق، وهذه إشارة إلى تلقائية استجابة الدماغ أثناء النوم في البيئة الجديدة. أقرب تفسير لذلك أن الدماغ وبخواصه التطورية الوراثية لم يألف البيئة الجديدة، وبالتالي يفعّل استراتيجية الحماية الموكلة إليه؛ فيقلّص رغبة النوم. لكن مع دخول الليلة الثانية، يبدأ بالتأقلم مع بيئته؛ فيألفها ويبدّد هواجس الحذر وإن كانت غير موجودة في الواقع.

لم تكتفِ الدراسة بإثبات ظاهرة «تأثير الليلة الأولى» عند البشر؛ فاستندت إلى ظاهرة مشابهة تحدث لدى بعض الحيوانات، أبرزها الطيور والثدييات البحرية مثل الدلافين، رصدها العلم ووثّقها باسم «Unihemispheric Sleep» «النوم أحادي نصف الكرة المخية». وكما يحدث في دماغ الإنسان، يتولى أحد نصفي الدماغ عند هذه الحيوانات مهمة الحراسة ومسؤولية البقاء؛ فيكون بوضعية شبه يقظة تراقب المؤثرات الخارجية، وتتفاعل معها بحسب تقديرات مخاطرها.

من الجيد أن نلتفت أيضًا إلى إشارات أخرى مرتبطة بالدماغ ودوره الرئيس في النوم ومتعلقاته، منها الأحلام ومهارته الفائقة في توليدها من مخزون الأفكار والرغبات الكامنة في جانبه اللاواعي، ومن السهل أن نجد كل هذه المخرجات الدماغية في حالة ترابط وثيق؛ لتؤكد الدور المنوط بالدماغ المتمثّل في الحراسة والانتباه.

لا أريد أن أتشعّب في مسألة وظائف الدماغ العجيبة والمتعددة، ولكن بما أننا في صلب الحديث عن النوم؛ فيمكن -بشكل سريع- أن نستطرد بربط ظاهرتنا بظاهرة أخرى تحدث أثناء النوم، تُعرف بـ«شلل النوم» أو كما يُتعارف عليه في بعض المجتمعات العربية بـ«الجاثوم» الذي حُكيت عنه خرافات أراحت الناس من عناء البحث العلمي؛ فأسقطت التهمة على الجن والشياطين.

لكن العلم أزاح الستار، ووجد أن المسببات الحقيقية لظاهرة «الجاثوم» تقبع في الداخل نتيجة حدوث شلل عضلي طبيعي يضطر الدماغ بدوره إلى التفاعل معه باعتباره تهديدًا -داخليًا-؛ فيصدر أوامر الاستيقاظ التي تختلط بمشاعر الخوف والقلق، ولذلك تأتي -أحيانًا- أعراض «شلل النوم» في صورة كوابيس غير مريحة مثل الاختناق وكتم النفس.

لعلنا لا نرى ارتباطًا مباشرًا بين ظاهرة «شلل النوم» وموضوع مقالنا، ولكنهما يرتبطان ويشتركان بشكل مباشر بتفاعلات الدماغ واستجاباته إزاء المتغيرات على غرار تفاعله الوقائي مع النوم في بيئة جديدة. ويمنحنا فهم ظاهرة «شلل النوم» استنتاجًا علميًا آخر لفهم وظيفة الدماغ؛ فنفك به شفرات النوم بما في ذلك ظاهرة «تأثير الليلة الأولى». وعسى أن نحظى بفرصة قادمة في مقال مستقل لتناول هذه الظاهرة بتفصيل علمي، ولتصحيح تفسيراتها وتنقيتها من التأويلات الخرافية.

بما أننا مع ظاهرة «تأثير الليلة الأولى» وانعكاساتها في جودة النوم، فإننا بحاجة إلى معرفة بعض الأساليب الناجعة لتقليل آثار هذه الظاهرة. وجدتُ نصائح كثيرة، منها ما يمكن وصفه بالغريب والطريف، مثل أخذ بعض المتعلقات الشخصية الخاصة بالنوم، مثل الوسادة الشخصية، ولا أتصور أن تطبيق ذلك يكون سهلًا، خصوصًا عند السفر أو الذهاب إلى فندق ما.

لكن ما يمكن أن أرجّح فعاليته من الأساليب، مثل الذهاب مبكرًا إلى المكان الجديد، وأخذ جولة تفقدية تمنح الدماغ شعورًا بالألفة والانسجام مع المكان ومحتوياته. إضافة إلى تجنّب شرب القهوة في المساء؛ لتقليل الكافيين وتأثيره على النوم، وخفض الأضواء وعزل الأصوات الخارجية -قدر المستطاع- عند النوم. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني