بيولوجيا الجمال: لمن البقاء يا داروين؟
الأربعاء / 9 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 10:00 - الأربعاء 21 أكتوبر 2026 10:00
حين تساءل الفيلسوف الفرنسي موبرتيوس بازدراء: «ما نفع الجمال والتناسق في تكوين الثعبان؟»، جاء رد فولتير بسؤال مضاد: ولماذا ينبغي أن نقيس جمال الثعبان بما يسببه من أذى؟
لم يكن الثعبان سوى ذريعة. فالسؤال الأعمق كان عن الجمال نفسه: هل يحتاج الجميل إلى منفعة تبرر وجوده؟
لو سُئل ضفدع عن الجمال، فلعلّه وجده في عينين جاحظتين وبطن صفراء. لكل كائن عالمه الحسي، ولكل حاسة حدودها وانحيازاتها. لذلك، حاول الفلاسفة والعلماء والكتّاب، لقرون عديدة، القبض على جوهر الجمال. قيل إنه الانسجام، والخير، وتجلّي الكمال، ونوع خاص من المتعة، وما يوقظ الحب والشوق. ووصلت المحاولات أحيانًا إلى اختزاله في معادلة رياضية: M = O/C
حيث تمثل M القيمة الجمالية، وO النظام، وC التعقيد.
وعلى أيّ حال، يسأل علماء الأحياء سؤالًا مختلفًا: كيف يستطيع الجمال أن يغيّر الحياة نفسها؟
ولكي نجيب عن هذا السؤال المعقد، تعالوا معي ننظر في جمال بعض الكائنات الحية، وهو بحقٍّ، جمال باذخ، كما قال داروين في نهاية كتابه «أصل الأنواع»: ستعطينا الطبيعة «أشكالًا لا نهائية غاية في الجمال».فهذا ذكر طائر التعريشة آية في الجمال؛ يتدرّج ريشه من الأحمر القاني إلى الأصفر الذهبي. بيد أن جماله لا يكفي وحده لاستمالة الأنثى. في موسم التزاوج، تبدأ ذكور معظم أنواع طيور التعريشة ببناء تعريشاتها التي منحتها اسمها: أغصان تتشابك في هيئة برج، أو ممر، أو كوخ صغير. ثم تأتي الزينة؛ أزهار، وتوت، وأصداف قواقع، وأغلفة حشرات، وأحيانًا أغطية قناني وقطع بلاستيكية إذا كانت الطيور تعيش قرب المدن. وتذهب بعض الأنواع إلى درجة أبعد من ذلك، فترتّب الأشياء بحسب أحجامها على امتداد الممر، حتى يتغيّر إدراك الأنثى للمسافة والحجم. تنشأ بذلك خدعة بصرية تشبه ما نسميه المنظور القسري، إذ تبدو الأشياء، والذكر معها، أكثر انتظامًا وحضورًا بحسب الزاوية التي تقف عندها الأنثى.
ثم يبدأ العرض. إذا أبدت الأنثى اهتمامًا، يثبّت الذكر نظره عليها، وتتسع حدقتاه وتنقبضان، وينفش صدره، ويخفض جسده، ثم ينهض ببطء رافعًا جناحًا أمام رأسه كعباءة ساحر. وفي لحظة ينتفض جسده كله، كآلة لُفّ زنبركها حتى أقصاه. وإذا راق لها العرض، يحدث التزاوج في ثوانٍ قليلة. ثم يفترقان.
لكن هذا الإسراف يضعنا أمام مشكلة تطورية قديمة. فريش الطائر الزاهي، وتعريشته المعقدة، ورقصته الطويلة، كلها مكلفة. تحتاج إلى طاقة ووقت، وقد تجعل الذكر أوضح للمفترسات. فإذا كان الانتقاء الطبيعي يحفظ الصفات التي تزيد فرص البقاء والتكاثر، فما الذي يفسر كل هذا البذخ؟
على خلاف الانتقاء الطبيعي، الذي يحفظ الصفات النافعة في «الصراع من أجل البقاء»، رأى داروين أن الانتقاء الجنسي يتعلق بالنجاح في التكاثر، حتى حين يقود إلى صفات تثقل الحيوان أو تقلل فرص نجاته. وكان ذيل الطاووس، بهالته المرصعة بالعيون، فاتنًا وثقيلًا في الوقت نفسه، أشهر أمثلته، ولا يزال حتى اليوم رمزًا لهذه الفكرة.
كتب داروين: «لقد جُعل عدد كبير من ذكور الحيوانات جميلًا من أجل الجمال ذاته؛ كما في أبهى طيورنا، وبعض الأسماك والزواحف والثدييات، وأعداد هائلة من الفراشات الزاهية الألوان».
لم يجد معاصروه صعوبة كبيرة في قبول فكرة الذكور المدججة بالأسلحة وهي تتبارز على فرص التكاثر. أما أن تمتلك الحيوانات حسًا بالجمال، وأن يكون لاختيار الأنثى أثر قادر على إعادة تشكيل النوع عبر الأجيال، فكان أمرًا أشد إثارة للاعتراض.
أصر عالم الأحياء الإنجليزي سانت جورج ميفارت على وجود اختلاف جوهري بين القدرات العقلية للإنسان والبهائم، ورفض أن يكون ما سماه «تقلب الأنثى النزق» قادرًا على إنتاج ألوان وأنماط مستقرة عبر الزمن.
وكان ألفرد راسل والاس، الذي توصّل مستقلًا إلى مبدأ الانتقاء الطبيعي، من أشد المعترضين أيضًا. لم يستطع قبول فكرة أن ينشأ الجمال من غير منفعة. ورأى أن اللون والزينة لا بد أن يرتبطا بالصحة والقوة والقدرة على البقاء.
وفي القرن العشرين، تطور مبدأ الإعاقة: فقد تكون الكلفة نفسها هي التي تمنح الإشارة صدقها. فالزينة التي يصعب إنتاجها أو حملها تتيح للفرد عالي الجودة أن يعلن عن حالته بطريقة يعجز الفرد الأضعف عن تقليدها بسهولة. وبهذا تصبح المبالغة في الريش أو اللون أو السلوك الاستعراضي جزءًا من نظام اتصال بين الجنسين، لا مجرد فائض زخرفي.
ثم اقترح دبليو. دي. هاملتون ومارلين زوك أن بعض الزينات، وبخاصة الريش الزاهي، قد تكشف مقاومة الطفيليات. وإذا فضّلت الأنثى هذا الذكر، فقد تمنح نسلها جينات تساعده على مقاومة المرض.
بحثت دراسات كثيرة لاحقًا عن مثل هذه «الجينات الجيدة». ووجد بعضها بالفعل أن اختيار الشريك الأكثر جاذبية يرتبط أحيانًا بنسل أعلى بقاءً أو أفضل مناعةً. لكن الأدلة لم تكن متجانسة بما يكفي لإغلاق المسألة.
اقترح العالم رونالد فيشر أن الأنثى قد تبدأ بتفضيل صفة لا تمنح صاحبها منفعة واضحة في ذاتها. فإذا كانت بعض الإناث تميل إلى ريش أطول، مثلًا، فإن الذكور ذوي الريش الأطول ينجبون نسلًا أكثر. يرث بعض الأبناء الصفة، وترث بعض البنات الميل إليها. وهكذا يصبح التفضيل والصفة مرتبطين وراثيًا. ومع تعاقب الأجيال، قد تنشأ حلقة متسارعة: تزداد الصفة، فيقوى التفضيل؛ ويقوى التفضيل، فتزداد الصفة. وقد يستمر ذلك حتى تصبح الزينة باذخة أو مكلفة، من غير أن تحمل معلومة عن صحة صاحبها.
هذه الفكرة، المعروفة بالانتقاء الفيشري المتسارع، عادت بقوة في أعمال عالم الطيور التطوري ريتشارد برام. في كتابه «تطور الجمال»، الذي اختير واحدًا من أفضل عشرة كتب لعام 2017 بحسب صحيفة نيويورك تايمز، دافع برام عن تصور يمنح الاختيار الجمالي مكانة أوسع بكثير في التطور. لا ينكر برام الانتقاء الطبيعي، لكنه يعترض على تحويله إلى تفسير وحيد لكل لون وريشة وصوت ورقصة. ويرى أن علم الأحياء بحث طويلًا عن وظيفة خفية وراء كل زينة، حتى حين لا يكون الدليل على تلك الوظيفة قويًا. وتأتي أقوى أمثلته من الطيور. فطيور الماناكين تؤدي رقصات معقدة، وبعضها حوّل أجزاء من جناحه إلى آلة موسيقية. ففي ماناكين الجناح الهراوي، تحتك ريشات متخصصة بسرعة كبيرة، فتنتج صوتًا ميكانيكيًا أثناء المغازلة. ولم يتغير الريش وحده؛ فقد ترافق هذا السلوك مع تغيرات في بنية عظام الجناح نفسها. والظاهر هنا أن الجمال لا يبدو كطبقة رقيقة فوق الجسد. إنه يعيد تشكيل الجسد.
وينطبق الأمر نفسه على طيور التعريشة. فالذكر لا يعرض جسده وحده؛ فهو يبني مساحة كاملة للعرض. والأهم أن هذه المساحة تمنح الأنثى فرصة للمراقبة والتراجع والاختيار. وهنا يصل برام إلى واحدة من أفكاره الأكثر إثارة: قد لا يعيد الانتقاء الجنسي تشكيل الأجساد فقط، وإنما يعيد تشكيل السلوك الاجتماعي. إذا فضّلت الإناث، عبر أجيال طويلة، ذكورًا تقل لديها النزعة إلى الإكراه، ويزداد لديها السلوك الذي يمنح الشريك وقتًا ومسافة للاختيار، فقد تتغير طبيعة العلاقة بين الجنسين نفسها. ويطلق برام على ذلك «إعادة التشكيل الجمالي».
مع ذلك، من أين تأتي هذه التفضيلات؟ يفترض برام أحيانًا أن بعض الأذواق قد تبدأ من مصادفة أو ميل اعتباطي.
لكن باحثين آخرين يبحثون عن جذور أعمق في الحواس والبيئة. جاءوا بمفهوم يسمى «التحيز الحسي»؛ فالحيوان لا يرى العالم كله، ويكتفي بما تسمح له عيناه وجهازه العصبي برؤيته. كما يسمع ما تستطيع أذناه التقاطه. ولهذا قد تنشأ بعض التفضيلات لأن الجهاز الحسي كان مهيأ أصلًا للاستجابة إلى لون أو حركة أو تردد معين لسبب سابق لا علاقة له بالمغازلة.
فيد دراسات في علم البيئة الحسية أن الجمال قد ينشأ من علاقة معقدة بين البيئة والحاسة والتفضيل. فالضوء يحدد ما تستطيع العين رؤيته، والعين تحدد ما يمكن أن يصبح جذابًا، ثم يعيد الاختيار الجنسي تشكيل الجسد وفق ما تستطيع الحاسة التقاطه.
وتظهر هذه الدائرة بوضوح مدهش في تاريخ الريش. ففي عام 2010، أسهم برام وزملاؤه في إعادة بناء ألوان ديناصور صغير مكسو بالريش من نوع Anchiornis huxleyi. كان جسمه رماديًا، وعلى رأسه عُرف كستنائي، وعلى أطرافه ريش أبيض تتخلله علامات سوداء. وأعاد هذا الاكتشاف سؤالًا قديمًا إلى الواجهة: لماذا ظهر الريش أصلًا؟
ربما بدأت الخيوط الريشية الأولى بوظيفة تتصل بالعزل الحراري أو الحماية من الماء. ثم ظهرت الريشة العريضة المسطحة، فأتاحت سطحًا واسعًا تنتشر عليه الألوان والأنماط. وربما سبق الاستعراضُ الطيرانَ؛ فالريش الذي صار لاحقًا أداة للطيران قد يكون خضع، في مراحل مبكرة من تاريخه، لضغوط العرض والزينة أيضًا، قبل أن تُعاد الاستفادة منه في وظيفة أخرى.
ولهذا يصعب النظر إلى الريشة بوصفها نتاجًا خالصًا للانتقاء الطبيعي أو الانتقاء الجنسي. فالصفة قد تبدأ بوظيفة، ثم تُستعمل في وظيفة أخرى، وقد تجمع الوظيفتين معًا. وليس تاريخ الأحياء سلسلة من الاختراعات المنفصلة بقدر ما هو تاريخ طويل من إعادة الاستخدام.
وحين نصل إلى الإنسان، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فنحن أيضًا نحمل تاريخنا التطوري في عيوننا وآذاننا وأدمغتنا. ولا تستقبل حواسنا العالم بحياد؛ فهي تنتقي منه، وتضخم بعض سماته، وتهمل أخرى. ومن هنا حاول علم النفس التطوري أن يتتبع جذورًا قديمة لبعض أذواقنا. وقد يسهم التناظر، مثلًا، في جاذبية الوجوه؛ لأنه ارتبط، في بعض الظروف، بانتظام النمو. وقد تستثير ملامح الأطفال أنظمة الرعاية في الدماغ. وربما حملت بعض سمات الجسد، في مراحل من تاريخ الإنسان، إشارات إلى الصحة أو الخصوبة.
وذهب الفيلسوف دنيس دتون في كتابه «غريزة الفن» إلى أبعد من ذلك، فاقترح أن البشر قد يحملون ميلًا قديمًا إلى نوع بعينه من المناظر الطبيعية: أرض عشبية تتخللها الأشجار والمياه والحيوانات، تشبه بعض البيئات التي عاش فيها أسلافنا.
وفي السياق ذاته، اقترح عالم النفس التطوري جيفري ميلر، في كتابه «العقل المتزاوج»، أن بعض ما نعدّه ترفًا إنسانيًا خالصًا، كالشعر والموسيقى والفكاهة وبراعة الحديث، ربما نشأ جزئيًا تحت ضغط الانتقاء الجنسي: عروضًا تشبه، في منطقها، ذيل الطاووس وتعريشة الطائر، لا تُفسَّر قيمتها كلها بمنفعة مباشرة في البقاء، وإنما بما قد تكشفه عن الذكاء والإبداع والمهارة.
غير أن إثبات كثير من هذه الفرضيات ليس سهلًا، وخصوصًا حين تتحول الفرضية القابلة للاختبار إلى حكاية مريحة عن الماضي. فالإنسان لا يعيش داخل بيولوجيته وحدها؛ نحن نعيش أيضًا في اللغة والرموز والطقوس والأزياء والفنون. وما نعدّه جميلًا قد يتغير خلال سنوات أو عقود، أسرع بكثير من التغير الجيني. لذلك يصعب أن نعرف أين ينتهي أثر التاريخ التطوري، وأين يبدأ أثر الثقافة، وأين يمتزجان حتى يستحيل الفصل بينهما.
وربما تكشف الأزهار هذه المعضلة أكثر من أي مثال آخر. قبل نحو مائة وخمسين مليون سنة، كانت نباتات كثيرة تعتمد على الرياح في نقل حبوب اللقاح. ثم بدأت بعض الحشرات تتغذى على تلك الحبوب الغنية بالبروتين، فتحملها من نبات إلى آخر من غير قصد. ومع الزمن، استفادت النباتات التي جعلت مواردها أوضح للملقحات. ظهرت ألوان وروائح وأشكال أكثر قدرة على جذبها، ونشأت إشارات في نطاق الأشعة فوق البنفسجية لا تراها أعيننا، لكنها واضحة للنحل. ثم جاء الرحيق ليزيد هذه العلاقة رسوخًا. وفي الطرف الآخر، تغيرت الملقحات أيضًا؛ تطورت ألسنة أطول، وأجنحة أدق، وحواس أكثر تخصصًا. وفي بعض الحالات، بلغ التطور المشترك حدًا مذهلًا: نبتة تحاكي هيئة أنثى الحشرة ورائحتها، وطائر يطيل منقاره ولسانه ليبلغ رحيقًا عميقًا لا تصل إليه أنواع أخرى.
إذا رأيت زهرة برية في طريقك، فتذكّر أن وراء لونها ورائحتها وشكلها تاريخًا طويلًا من الإشارات والاستجابات، ومن العيون التي رأت، والأجنحة التي اقتربت، ومن أزهارٍ استطاعت، عبر ملايين السنين، أن تتفتّح حتى في أكثر المواضع قسوة.
أما نحن، فقد دخلنا متأخرين إلى هذه الحكاية. قد يكون انجذابنا الأول إلى الأزهار متصلًا بما تمنحه من ثمار وبذور، وربما وجدنا فيها منذ البداية شيئًا يستوقف العين والحاسة من غير منفعة مباشرة. ومهما تكن البداية، فقد أدخلنا الأزهار في مسار تطوري جديد صنعته أيدينا. حملناها إلى الحدائق والبيوت الزجاجية، وانتقينا أحجامها وألوانها وروائحها، وهجّنا أنواعها، وضخّمنا صفات لم تكن الطبيعة لتختارها بالطريقة نفسها.
فربما لم يكن السؤال الصحيح، بعد كل هذا: لمن البقاء، للأصلح أم للأجمل؟ فالجمال نفسه قد يصبح جزءًا من عُدّة الصلاحية. وها هي الفراشات تحطّ على سويقات الأزهار الخمرية، فأقطف منها ما تيسّر برفق، وأقدّمه هنا.