عمان العلمي

تلسكوب نانسي غريس رومان.. رؤية بانورامية للكون الفسيح

 

ما إن يصل الإنسان إلى نقطة معينة من المعرفة يدرك من خلالها أن ما قام به إنجاز يغير من خلاله شكل المعرفة الكونية، حتى يتحول هذا الإدراك إلى تساؤل حول إمكانية الوصول إلى ما هو أبعد من ذلك، وهل يمكننا سبر أغوار الكون للإجابة عن تساؤل رافق الإنسان على امتداد العصور: من أين بدأ الكون؟ وكيف تطور؟

رحلة امتدت على مدار العصور في البحث عن إجابة، ومع كل نجاح في هذا المجال هناك قصص وحكايات لأشخاص آمنوا بما كان يراه الآخرون مستحيلًا، ونجحوا في كتابة أسمائهم في كتب التاريخ والمعرفة الإنسانية، وبين تلسكوب هابل الفضائي، المتخصص في المسح الشامل للفضاء، وتلسكوب جيمس ويب، المتخصص في دراسة مساحات معينة في الكون بأرصاد ذات دقة عالية، يبرز اسم أسهم في بناء برنامج الرصد الفضائي منذ انطلاقته في منتصف القرن الماضي، هذه الشخصية هي نانسي غريس رومان، كبيرة الفلكيين وأول امرأة تتولى منصبًا قياديًا في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وفي 30 أغسطس من هذا العام شاهد العالم إطلاق تلسكوب المسح الشامل الذي يحمل اسمها تخليدًا لإنجازاتها في هذا المجال وسعيها الحثيث لاستمرار مشروع الرصد الفضائي طوال العقود السابقة حتى وفاتها في عام 2018. يطمح العلماء من خلال هذا التلسكوب إلى دراسة أعمق وأشمل لمساحات كبيرة من الكون في زمن قياسي وبدقة تضاهي تلسكوب هابل، ويتكامل في العمل مع تلسكوب جيمس ويب لبناء صورة أشمل لفهم هذا الكون الفسيح. الفكرة والتسميةما إن يُذكر اسم نانسي غريس رومان حتى يتبادر إلى الذهن تلسكوب هابل الفضائي، الذي ارتبط نجاحه بهذه الشخصية حتى أُطلق عليها «أم هابل»، حيث إنها ساهمت بشكل كبير في تطوير برنامج الرصد الفضائي في وكالة الفضاء الأمريكية بشكل عام، والعمل على مشروع تلسكوب هابل بشكل خاص، فمن هي نانسي غريس؟ وكيف وصلت إلى هذه المكانة العلمية والعملية؟

ولدت نانسي في مايو 1925 في مدينة ناشفيل بالولايات المتحدة الأمريكية، ولم يكن اهتمامها بالعلوم الطبيعية، وخاصة علم الفلك، صدفة، فوالدها إيروين رومان كبير الجيوفيزيائيين بهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في بالتيمور. وعلى يديه تشكّل حبها وتعلقها بعلم الفلك. ففي عام 1946 نالت درجة البكالوريوس في علم الفلك، وواصلت رحلتها في ذات المجال، وحصلت على درجة الدكتوراه في عام 1949 من جامعة شيكاغو، لتصبح بعد ذلك أول امرأة تتولى منصبًا قياديًا في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وتكرّس جهودها لتطوير علم الفلك الفضائي والإسهام بشكل مباشر في إطلاق تلسكوب هابل الفضائي في عام 1990. توفيت نانسي غريس رومان في 25 ديسمبر 2018، وتقديرًا لدورها في هذا المجال تقرر إطلاق اسمها على تلسكوب ناسا الفضائي الجديد، الذي كان من المقرر أن يحمل اسم «تلسكوب المسح بالموجات تحت الحمراء واسع النطاق» أو «Wide Field Infrared Survey Telescope». يتميز تلسكوب نانسي غريس بمرآة قطرها 2.4 متر، وهي قريبة بشكل كبير من حيث الحجم من المرآة الموجودة في تلسكوب هابل، إلا أنها أخف وزنًا وأكثر قابلية للحركة، مما يسمح لها بنطاق مسح واسع وكفاءة أكبر. والمفارقة أن هذه المرآة لم تكن مخصصة للمراصد الفضائية، بل للاستخدام العسكري لصالح مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي - وهو الجهاز المسؤول عن تطوير تقنيات الاستطلاع والمراقبة لصالح المؤسسات الاستخباراتية الأمريكية - قبل أن تعيد وكالة الفضاء الأمريكية ناسا تصميمها ودمجها في مشروع رومان، لتمنح التلسكوب قدرة أعلى على التقاط صور أكثر دقة، كما أن سطحها مغطى بطبقة من الفضة لا يتجاوز سمكها 400 نانومتر، مما يجعلها مثالية لرصد الأشعة تحت الحمراء التي تساعد العلماء على دراسة المجرات البعيدة والنجوم في مراحل تكوّنها الأولى.

تقنيات متطورة لرصد أعمق وأدق

إضافة إلى مرآته الكبيرة، يتميز التلسكوب الفضائي الجديد بوجود جهازين علميين: يُعرف الأول بجهاز الكوروناغراف (Coronagraph)، وهو جهاز يعمل على حجب الضوء الصادر من النجوم بدرجة عالية، ما يسمح برصد وتصوير الكواكب المحيطة بها. تساعد هذه التقنية بشكل كبير في رصد الكواكب البعيدة والأقراص الكوكبية. 

إلى جانب ذلك يتميز تلسكوب رومان بوجود كاميرا في نطاق الأشعة تحت الحمراء، تصل دقتها إلى حوالي 300 ميجا بيكسل ضمن جهاز المجال الواسع Wide Field Instrument وتتميز بقدرتها على التقاط صور متعددة الألوان وتحليل طيفي واسع النطاق، كما أنها تحتوي على 18 مستشعرا يبلغ دقة كل منها 16 مليون بيكسل.

هذه الخصائص والميزات المتقدمة تجعله يغطي مساحات تزيد بمائة مرة من المساحة التي يغطيها تلسكوب هابل، إذ يتوقع العلماء أنه وفي غضون خمس سنوات فقط سيغطي تلسكوب رومان 50 ضعف المساحة التي غطاها تلسكوب هابل من السماء في ثلاثة عقود نظرا لسرعته في الرصد ودقته في التقاط البيانات وتحليلها، مما سيوفر بيانات لمليارات من المجرات والنجوم والعديد من الأجرام الكونية تعزز من فهمنا لبنية الكون وتفاصيل الكون السحيق.

الأهداف العلمية الثلاثة الكبرى

تتمحور الأهداف الرئيسية لتلسكوب نانسي غريس رومان في ثلاث نقاط تعتبر في كثير منها جدلية إلى حد بعيد، هذه النقاط هي:

- المادة والطاقة المظلمة: تمثل المادة والطاقة المظلمة حوالي 95% من كتلة وطاقة الكون، وقد توسع العلماء في دراستها خلال العقود السابقة، إلا أن طبيعة المادة والطاقة المظلمة وتوزيعها في الكون لم يجد فهما وافيا لدى العلماء، لذا سيعمل تلسكوب نانسي رومان على دراسة فهم المادة المظلمة وتوزيعها في الكون من خلال دراسة التشوهات البسيطة جدا في أشكال المجرات البعيدة والناتج عن تأثير جاذبية المادة الموجودة أمامها، هذا سيساعد في رسم خريطة أوسع واشمل لتوزيع المادة المظلمة.

- الكواكب الخارجية: باستخدام عدسة الجاذبية الميكروية يؤمل العلماء أن يقوم تلسكوب نانسي غريس بمسح شامل وواسع للكواكب البعيدة والكواكب خارج المجموعة الشمسية وحتى الكواكب المارقة وهي الكواكب التي تسبح وحيدة في الفضاء، هذا المسح سيركز في بداياته على توجيه التلسكوب في اتجاه مركز المجرة، وهذا ما يدعمه وجود كاميرا عالية الدقة وذات خصائص رصدية واسعة، مما سيكشف لنا عن معرفة واسعة بالكواكب الخارجية والكواكب الشبيهة بالأرض والتي يتوقع العلماء وجود قابلية للعيش على سطحها.

- المسوحات الفلكية بالأشعة تحت الحمراء: وتستهدف المسوحات المجرات والسدم والمستعرات العظمى وكذلك رصد التغيرات التي تطرأ على مناطق تكون النجوم.

هذه المسوحات ستغير في الكثير من مفاهيم الفيزياء الفلكية بشكل عام من توسع الكون إلى دراسة المادة والطاقة المظلمة وصولا إلى فهم الكون العميق وطبيعة المجرات والكواكب والنجوم البعيدة والتي لم نعرف عنها فعليا إلا الجزء اليسير من خلال البيانات التي حصلنا عليها من خلال تلسكوبي هابل وجيمس وويب الفضائي.

تكامل من أجل المعرفة

إن وجود ما يعرف بالمثلث الذهبي من التلسكوبات الفضائية (هابل وجيمس ويب ونانسي غريس رومان) لن يخلق ثورة في عالم الرصد والاكتشاف فقط، بل سيتعداه إلى تكامل أوسع يوفر لنا صور عالية الدقة وبيانات علمية لم تتوفر للباحثين في أي فترة من فترات التاريخ، حيث إن إطلاق التلسكوب الجديد لا يعني الاستغناء عن البقية، بل إن المسح الكامل من خلاله سيعطي إشارة إلى تلسكوب جيمس ويب للتركيز على هذه المناطق من أجل دراسة وفهم أعمق والخروج ببيانات دقيقة للبقعة من الفضاء.

إن الخصائص الهامة التي يمتلكها تلسكوب هابل من خلال دراسة الغاز بين المجرات في نطاق الأشعة فوق البنفسجية يجعل من ميزة مراقبة النجوم لفترات طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود جوهرية في فهم التغيرات تحدث بداخلها، وبإضافة تلسكوب جيمس ويب للمنظومة والذي يتمتع بدقة رصدية عالية أصبح فهمنا للكون المحيط أكثر عمقا وشمولية، غير أن ما يجعل المعرفة مكتملة هو المسح الشامل الذي سيوفره وجود تلسكوب رومان من خلال تحديد النقاط التي ستركز عليها هذه المنظومة والتي ستوفر الوقت والجهد وتجعلها أكثر عملية في اختيار نقاط الرصد المهمة.

إن النافذة التي يفتحها كل واحد من هذه التلسكوبات تضيف بعدا جوهريا في نظرتنا وتعزز من دقة البيانات التي نبني من خلالها دراستنا لما يحيط بنا من نجوم ومجرات وأجرام كونية بعيده عنا ملايين السنوات الضوئية.

إن التحدي الذي آمنت به نانسي غريس رومان قبل عقود طويلة أسهم - كما توقعت - بشكل كبير في تغيير فهمنا لهذا الكون الواسع. فهي التي بدأت برنامجا فلكيا للرصد الفضائي من الصفر تعود بعد عقود ليكرمها العالم بإطلاق اسمها على واحد من أكثر التلسكوبات تطورا في تاريخ البشرية، والذي يبحث الإنسان من خلاله على سؤال كيف بدأ الكون؟ وكيف تطور؟ ولماذا لا يزال مستمرا في التمدد إلى يومنا هذا؟

د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للفلك والفضاء