أناقة العلوم
الأربعاء / 9 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 10:00 - الأربعاء 21 أكتوبر 2026 10:00
حين يصف عالم رياضيات معادلة بأنها أنيقة، أو يصف فيزيائي تفسيرًا بأنه جميل، نقف أمام استخدام غريب للغة عن حقل العلم. فالعلم، كما نتصوره، مشروع يُعنى بالصواب والخطأ، بالتحقق والتكذيب، بمطابقة القول للواقع، أما الجمال فميدانه الفن والشعر والموسيقى، حيث لا معيار خارجي صارم يفصل الحكم الصحيح عن الحكم الخاطئ. ومع ذلك، فتاريخ العلم، من فيثاغورس إلى أينشتاين، حافل بشهادات كبار العلماء بأن الجمال لم يكن يومًا زخرفة هامشية على حافة الحقيقة العلمية، بل كان في أحيان كثيرة دليلًا يُعتمد عليه، ومعيارًا يُرجّح به بين نظريات متكافئة في التفسير، ومرشدًا إلى اكتشافات ما كانت التجربة وحدها لتقود إليها في ذلك الوقت.
ما يستحق تأمله بهدوء، لنفهم كيف تسلل الجمال إلى قلب العلم، وأي نوع من الحقيقة يكشف عنه حين يفعل، هو كيف يكون الذوق الجمالي شريكًا في مشروع يزعم أنه موضوعي صرف.
لم تكن هذه العلاقة طارئة على تاريخ العلم، بل واكبته منذ لحظاته الأولى. كان كبلر، أثناء بحثه عن قوانين حركة الكواكب في مطلع القرن السابع عشر، مأخوذًا بفكرة أن الكون مبني على تناسق هندسي كامل، فحاول إدراج مدارات الكواكب الستة المعروفة آنذاك داخل المجسمات الأفلاطونية الخمسة المتداخلة، ظانًّا أنه وجد المعمار الهندسي الذي يفسر لماذا كانت الكواكب ستة بالضبط، وعلى هذه الأبعاد بالذات. وحين قادته بيانات المشاهدة الدقيقة التي نقلها عن تيخو براهي إلى نتيجة غير التي توقعها، لم يهجر البحث عن التناسق، بل غيّر شكله: فاستبدل بالدوائر الكاملة التي ظلت لقرون رمزًا للكمال الهندسي أشكالًا بيضاوية، وكتب لاحقًا في «تناغم العالم» عن موسيقى الأفلاك التي تصدرها حركات الكواكب وفق نسب رياضية متآلفة. لم يكن كبلر يفتش فقط عما يطابق الأرقام، بل عما يستحق أن يقال إنه متناغم.
وقبله، كان كوبرنيكوس قد دُفع إلى اقتراح مركزية الشمس بدافع لم يكن تجريبيًا خالصًا بقدر ما كان جماليًا، فنظام بطليموس، رغم قدرته على التنبؤ بمواقع الكواكب بدقة مقبولة، كان قد أُثقل عبر القرون بأفلاك تدور داخل أفلاك، ومعادلات هندسية مقحمة لتصحيح الانحرافات، حتى غدا بناءً مرهقًا يشبه قطعة قماش رُقّعت مرارًا. رأى كوبرنيكوس أن وضع الشمس في المركز يمنح الكون تناسبًا يفسر من دون تكلف لماذا تسير الكواكب الأقرب إلى الشمس أسرع من البعيدة، ولماذا تبدو بعض الكواكب أحيانًا وكأنها تتراجع إلى الوراء في السماء. لم يكن نظامه في صورته الأولى أكثر دقة تنبؤية من نظام بطليموس المنقح، لكنه كان بلا شك أكثر بساطة وانسجامًا، وربما كان هذا سببًا لدى كوبرنيكوس وكثيرين من بعده ليكون معيارًا للترجيح بين نظريتين تتنافسان على تفسير المشاهدات ذاتها.
وستتكرر القصة نفسها مع نيوتن حين وحّد ميكانيكا السماء وميكانيكا الأرض تحت قانون واحد للجاذبية، ومع ماكسويل حين جمع الكهرباء والمغناطيسية والضوء، وهي ظواهر بدت متباعدة تمامًا، في أربع معادلات متآلفة كشفت أن الضوء نفسه ليس إلا موجة كهرومغناطيسية. ومع أينشتاين الذي ألحّ على أن تكون النظرية متسقة داخليًا بشكل يكاد يكون جماليًا صرفًا، وأن تحمل ما يمكن تسميته الكمال الداخلي الذي يسبق منطقيًا، لا زمنيًا، أي تأكيد خارجي تجريبي، ولم يكتفِ بأن تكون صحيحة تجريبيًا فقط.
أما بول ديراك، الفيزيائي الذي صاغ معادلته الشهيرة عام 1928 لتوحيد ميكانيكا الكم مع النسبية الخاصة، فقد ترك واحدة من أشهر العبارات في هذا الباب حين قال: إن أن يكون لمعادلاتك جمالًا أولى من مطابقة التجربة، مضيفًا أن من ينطلق في عمله من مبدأ إضفاء الجمال على المعادلات، شريطة امتلاك رؤية ثاقبة وسليمة، فإنه يسير في مسار مضمون للتقدم. وعند ظهور تعارض طفيف بين معادلة جميلة ونتيجة تجريبية، قد يُعزى هذا التعارض إلى تفاصيل ثانوية لم تؤخذ في الحسبان بالشكل الملائم، وهي أمور ستتضح وتُحل مع مزيد من التطوير للنظرية.
وقد كافأ التاريخ جرأته: فمعادلته احتوت على حلول تبدو ظاهريًا غير فيزيائية - طاقات سالبة لا معنى لها في الفهم التقليدي للمادة - لكنه بدلًا من أن يتجاهلها بوصفها شذوذًا رياضيًا، جازف بتفسيرها على أنها تنبؤ بجسيم جديد لم يكتشفه أحد بعد. وبعد أربع سنوات فقط، عام 1932، رصد كارل أندرسون هذا الجسيم -البوزيترون أو نقيض الإلكترون- فعليًا في غرفة ويلسون السحابية. إذًا، نظرية جميلة سبقت الاكتشاف التجريبي وقادت إليه. لخّص عالم الرياضيات البريطاني ج. ه. هاردي هذا الموقف كله في جملة من كتابه «اعتذار عالم رياضيات»: الجمال هو الاختبار الأول، ولا مكان دائم في هذا العالم للرياضيات القبيحة.
لكن ماذا نعني، بالتحديد، حين نصف نظرية أو معادلة بأنها أنيقة؟ المتأمل في هذه الشهادات المتفرقة عبر تاريخ العلم يلحظ أنها تدور حول عناصر قليلة متكررة. أولها البساطة: تفسير ظاهرة معقدة بأقل عدد ممكن من الافتراضات والمتغيرات، بحيث لا تحتاج النظرية، كلما واجهت استثناءً، إلى ترقيع جديد يُضاف إلى بنيتها. وثانيها التناظر، الذي تبيّن لاحقًا أنه ليس مجرد سمة شكلية، بل مبدأ فيزيائي عميق، حيث أثبتت إيمي نويثر عام 1918 أن كل تناظر مستمر في قوانين الطبيعة يقابله قانون حفظ؛ فتناظر الزمن يقابله حفظ الطاقة، وتناظر المكان يقابله حفظ الزخم، وتناظر الدوران يقود إلى حفظ الزخم الزاوي، وهذا يعني أن ما بدا حسًّا جماليًا محضًا كان في الواقع لمسًا لبنية حقيقية في صلب الطبيعة. وثالث هذه العناصر التوحيد: أن تجمع النظرية تحت سقف واحد ظواهر كانت تبدو قبلها متناثرة لا رابط بينها. أما العنصر الرابع، وهو الأصعب وصفًا، فهو ذلك الإحساس بالحتمية الذي يعقب الفهم: أن يشعر المرء بعد استيعاب البرهان أنه ما كان يمكن أن يكون على غير هذا النحو.
وهذا يوصلنا إلى أن المسألة ليست فقط: هل تصل النظرية إلى الجواب الصحيح، بل أيضًا كيف تصل إليه، بأي طرق وبأي اقتصاد في الوسائل، وبأي درجة من التناغم الداخلي بين أجزائها. فحين يرفض عالم حلًا صحيحًا حسابيًا، لكنه مرقّع ومثقل بحالات استثنائية واستدراكات، ويفضّل عليه البحث عن صياغة أخرى أكثر اقتصادًا، فإنه لا يبحث عن حل ثانٍ للمسألة نفسها بقدر ما يبحث عن الأسلوب الذي يليق بها. العلم هنا يتجاوز سؤال ماذا نعرف إلى سؤال كيفية صياغة ما نعرفه، وهذه الكيفية ليست تفصيلًا شكليًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي غالبًا ما تقود إلى معرفة جديدة لم تكن لتُكتشف عبر سؤال ماذا وحده.
يقودنا هذا إلى سؤال أعمق وأكثر إثارة للحيرة، طرحه يوجين فيجنر في مقالة شهيرة نُشرت عام 1960 بعنوان «الفعالية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية»: لماذا تنجح بنى رياضية اخترعها العقل البشري أصلًا لأسباب داخلية -جمالية إلى حد ما- في وصف عالم مادي لم تُشتق منه هذه البنى، وغالبًا بدقة تفوق كل توقع معقول؟ ليس من الواضح فلسفيًا أن ثمة سببًا وجيهًا يُلزم عالمًا ماديًا بأن يطيع قواعد بُنيت أصلًا لإرضاء حس رياضي بالانسجام. هذا اللغز، الذي لم يُحسم حتى اليوم، هو ما يجعل مسألة الجمال والحقيقة في العلم أعمق من مجرد ملاحظة تاريخية عابرة.
مدخل مفيد إلى هذا السؤال يقدمه تمييز فلسفي بين ما يُعرف بسياق الاكتشاف وسياق التبرير، تمييز صاغه الفيلسوف هانز ريشنباخ في كتابه «التجربة والتنبؤ» الصادر عام 1938. فالعملية التي يصل بها عالم إلى فرضية جديدة، وهي عملية نفسية حدسية قد تكون غير منهجية، تختلف تمامًا عن العملية التي يختبر بها صواب تلك الفرضية بعد صياغتها، وهي عملية منطقية تجريبية تخضع لقواعد واضحة نسبيًا. وحين نطبق هذا التمييز هنا، يتضح أن للذوق الجمالي مكانًا طبيعيًا تمامًا في سياق الاكتشاف: فالعالم الذي يواجه مساحة هائلة من الفرضيات الممكنة، ولا يستطيع اختبارها كلها تجريبيًا واحدة تلو الأخرى، يحتاج إلى مصفاة أولية تقلّص هذه المساحة إلى ما يستحق فعلًا أن يُختبر.
وهذا بالضبط ما وصفه عالم الرياضيات هنري بوانكاريه في كتابه «العلم والمنهج» حين حاول فهم آلية الإبداع الرياضي داخل عقله: لاحظ أن العقل في مرحلة اللاوعي يولّد كمًّا هائلًا من التوافيق الممكنة بين الأفكار، لكنه لا يسمح لأكثرها بالصعود إلى الوعي، فثمة، على حد تعبيره، مصفاة دقيقة لا تدع يمر عبرها إلا التوافيق المنسجمة، أي الجميلة. هذه المصفاة، في رأيه، ليست رفاهية جانبية، بل هي بالضبط ما يجعل الاكتشاف الرياضي ممكنًا أصلًا، فلولا هذا الحس الجمالي الذي يستبعد سلفًا ملايين التوافيق العقيمة، لغرق العقل في فوضى لا نهائية من الاحتمالات. الذوق هنا ليس زخرفة تُضاف بعد العثور على الحل، وإنما الأداة التي تقود إلى العثور عليه.
لكن كون الذوق أداة بحث فعّالة شيء، وكونه دليلًا كافيًا على صواب ما وجدناه شيء آخر تمامًا. وهنا مكمن الخطر: حين يُستعمل ما هو مفيد في سياق الاكتشاف كأنه حجة حاسمة في سياق التبرير، أي حين نظن أن جمال الفكرة يكفي وحده دليلًا على صحتها من دون تحقق تجريبي مستقل. وتاريخ العلم والرياضيات مليء بأمثلة تُظهر أن الذوق الجمالي متقلب، ومشروط بثقافة عصره، وقابل تمامًا لأن يضللنا حين نمنحه ثقة زائدة عن حدّه.
فالفيثاغوريون القدماء بنوا كونًا رياضيًا كاملًا على فكرة أن كل شيء يمكن التعبير عنه بنسبة بين عددين صحيحين، لكن يقينهم الجمالي كله اهتز حين اكتُشف أن نسبة قطر المربع إلى ضلعه لا يمكن التعبير عنها بمثل هذه النسبة. وتقول بعض الروايات القديمة غير المؤكدة تاريخيًا إن هذا الاكتشاف اعتُبر فضيحة يجب كتمانها، ربما لأنه كان قبيحًا بمقاييس ذلك العصر، ومزعزعًا لانسجام ظُنّ أنه ثابت. والأمر نفسه مع الأعداد السالبة التي ظل البعض يصفها لقرون بأنها زائفة، لأنه لا معنى حسيًا لعدد أقل من الصفر - اللاشيء -، ثم مع الأعداد التخيلية التي أطلق عليها ديكارت نفسه هذا الاسم تحقيرًا، لأنه بدا له أنها لا تقابل شيئًا في الواقع، وأنها مجرد حيلة جبرية غريبة.
هذه الأعداد القبيحة أصبحت لاحقًا جزءًا من واحدة من أشهر المعادلات التي يصفها الرياضيون اليوم بأنها الأجمل على الإطلاق: متطابقة أويلر التي تجمع في سطر واحد خمسة ثوابت رياضية. ما كان يومًا قبيحًا أصبح جوهر الجمال نفسه. وكذلك الحال مع الهندسات اللاإقليدية، التي بدت في القرن التاسع عشر انحرافًا عن الحدس الهندسي الطبيعي الذي ورثناه عن إقليدس، قبل أن تصبح مع أينشتاين اللغة الرياضية التي لا غنى عنها لوصف انحناء الزمكان نفسه.
يمكن القول إن الذوق الجمالي ليس عديم القيمة، كما أنه يُدرَّب ولا يولد جاهزًا، إنه انعكاس لما اعتاد عليه العقل ضمن إطار نظري سائد أكثر منه معيارًا ثابتًا خارج الزمن. وهذا بالضبط ما يجعل بعض فلاسفة العلم يشككون في الاعتماد المفرط على الحدس الجمالي كمرشد: فما يبدو أنيقًا اليوم قد يكون مجرد ألفة راسخة، لا كشفًا عن بنية حقيقية للكون. وهذا يعيدنا إلى صيغة أخرى للسؤال الذي بدأنا منه: ما علاقة النمط الذي ندركه بالحقيقة التي نبنيها عليه؟ حين نقول إن معادلة ما تكشف عن نمط كامن في الظواهر، فإننا نفترض ضمنًا أن هذا النمط كان موجودًا هناك مستقلًا، ينتظر فقط أن نراه. لكن الفيلسوف الألماني كانط طرح سؤالًا يقلب هذا الافتراض: هل يستقبل العقل الواقع خامًا ثم يعثر فيه على نظام، أم أن العقل هو الذي يمنح التجربة شكلها المنظم من البداية، عبر صور قبلية للحدس كالمكان والزمان، ومقولات فهم لا تُستمد من التجربة، بل تُفرض عليها لتجعلها ممكنة أصلًا كتجربة مفهومة؟
إن كان كانط محقًا ولو جزئيًا، فإن النمط الذي نراه في الطبيعة ليس معطًى خالصًا نتلقاه سلبيًا، بل هو دومًا نتاج تعاون بين العالم وبين الجهاز الإدراكي والمفاهيمي الذي نتواصل به مع العالم. وهذا لا يعني أن الأنماط العلمية محض وهم أو اختراع اعتباطي، فثمة بالتأكيد شيء في الطبيعة نفسها يجعل بعض الأوصاف تنجح تنبؤيًا، في حين تفشل أوصاف أخرى، لكنه يعني أن السؤال عن أين ينتهي العالم وأين يبدأ العقل في أي نمط نكتشفه أصعب بكثير مما يوحي به الاستخدام اليومي لكلمة اكتشاف.
ولعل هذا يقدم تفسيرًا أقل غرابة وإبهارًا لسؤال فيجنر: فإذا كانت الرياضيات نفسها، مثلها مثل الملكة التي ندرك بها الأنماط في الظواهر الطبيعية، نتاجًا لعقل واحد يبحث في الحالتين عن الإيجاز والانتظام والاتساق، فلا عجب أن تتقاطع الملكتان أحيانًا كثيرة، إذ تمارسان البحث نفسه على مادتين مختلفتين. هذه ليست إجابة نهائية، إذ يظل مثيرًا للدهشة أن يكون هذا التقاطع بهذه الدقة الباهرة التي شهدها تاريخ الفيزياء تحديدًا، لكنها على الأقل تضعه في مرتبة الأثر المتوقع لملكة واحدة تعمل في اتجاهين، لا مرتبة المعجزة.
وإذا انتقلنا من الفلسفة إلى راهن العلم، وجدنا هذا التوتر بين الجمال والصواب يتجلى اليوم في صورتين متعارضتين، تمثل كل منهما خطأً من نوع مختلف في التعامل مع الذوق الجمالي.
الصورة الأولى نجدها في فيزياء الجسيمات النظرية، حيث ظلت
مفاهيم مثل التناظر الفائق ونظرية الأوتار تحظى بجاذبية نظرية طاغية لفترة طويلة، ليس لأنها أثبتت نفسها تجريبيا فمصادم الهادرونات الكبير لم يعثر حتى الآن على الجسيمات التي تنبأت بها كثير من هذه النماذج عند الطاقات المتوقعة، بل لأن رياضياتها تبدو طبيعية وأنيقة بمعايير معينة صارت شبه معيارية داخل المجتمع الفيزيائي نفسه , وقد جادلت الفيزيائية سابين هوسنفلدير في كتابها «تائه في الرياضيات: كيف يقود الجمال الفيزياء في مسار غير منتج» الصادر عام 2018 بأن الفيزياء النظرية وقعت في فخ استخدام معيار الجمال الرياضي كأنه دليل تجريبي مستقل بينما هو في حقيقته حكم ذوقي دون سند تجريبي وراءه، وأن هذا الانحياز الجمالي قد يكون كلف الفيزياء عقودا من الجهد في اتجاهات لم تثمر بعد عن تنبؤ واحد قابل للاختبار.
أما الصورة الثانية فهي نقيض الأولى: فبدل الإفراط في الثقة بالجمال الرياضي نشهد اليوم، في حقول علوم البيانات وتعلم الآلة، تراجعا شبه كامل عن اشتراط الأناقة أصلا. ففي مقالة لافتة نشرت عام 2009 بعنوان «الفعالية غير المعقولة للبيانات» في صدى متعمد لعنوان مقالة فيجنر نفسها، صرح ألون هاليفي وبيتر نورفيج وفرناندو بيريرا بأنه في كثير من المسائل العملية وبخاصة تلك المرتبطة باللغة والإدراك تتفوق نماذج إحصائية بسيطة نسبيا لكن مغذاة بكميات هائلة من البيانات على نماذج نظرية أكثر أناقة لكنها مبنية على بيانات محدودة
ومنذ ذلك الحين، تعمق هذا الاتجاه إلى حد صار معه كثير من أقوى النماذج التنبؤية التي نعرفها اليوم عصية تماما على الوصف بأنها أنيقة: فلا معادلة واحدة تختصرها ولا مبدأ بسيطا يمكن لعقل بشري حفظه في ذهنه ويقول فهمته. إنها تتنبأ وبدقة مذهلة أحيانا لكنها لا تفسر بالمعنى الذي كانت معادلات نيوتن أو ماكسويل تفسر به. لا يوجد «لماذا» مقتصدا يمكن استخلاصه من صندوقها الأسود المترامي الأطراف
وهذا يضعنا أمام سؤال آخر: هل كان الجمال طوال تاريخ العلم قبل هذا العصر شرطا لا غنى عنه للفهم لأن العقل البشري وحده كان أداة البحث المتاحة، وكان عليه بحكم محدوديته، الاستعانة بمصفاة بوانكاريه الجمالية ليتمكن أصلا من تضييق مساحة البحث الهائلة؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإن تراجع الأناقة اليوم ليس تخليا عن قيمة عليا، بل ببساطة أثر جانبي لكون آلة البحث نفسها تغيرت: فالخوارزمية التي تحسن دالة عبر ملايين التكرارات لا تحتاج من حيث المبدأ إلى ذوق جمالي كي تفهم هي لا تفهم أصلا بالمعنى الذي نقصده
لكن يبقى سؤال أعمق معلقا: هل ما نخسره حين نستغني عن اشتراط الأناقة هو مجرد رفاهية جمالية أم أننا نخسر معه نوعا من الفهم لا تعوضه أي دقة تنبؤية مهما بلغت؟ فثمة فارق على الأقل من حيث الإحساس بين معرفة أن نموذجا يتنبأ بسلوك الطقس بدقة تسعين بالمائة وبين امتلاك قانون نيوتني نفهم منه لماذا تسقط التفاحة بهذه السرعة. وليس من قبيل المصادفة أن حقلا بحثيا كاملا نشأ في السنوات الأخيرة تحت اسم «قابلية التفسير» يحاول استخراج قواعد أبسط يمكن للعقل البشري تذوقها من هذه النماذج
يختم الشاعر الإنجليزي جون كيتس قصيدته «أغنية عن جرة يونانية» بأسطر يقول فيها:
«الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال
هذا كل ما تعرفونه عن الأرض
وكل ما تحتاجون معرفته»
Beauty is truth, truth beauty, -that is all
Ye know on earth, and all ye need to know
وهي عبارة تبدو لكثيرين شعارا شاعريا جميلا لكنه ساذج فلسفيا وربما اختزال مريح لعلاقة معقدة تستحق أكثر من بيت شعر واحد، ربما لم يكن كيتس محقا حين ساوى بين الجمال والحقيقة مساواة مطلقة، فقد رأينا كيف يمكن للجمال أن يضل حين يستبدل بالبرهان، وكيف تتبدل معايير الأناقة نفسها من عصر إلى عصر، لكنه لم يكن مخطئا تماما حين أحس أن ثمة رابطا حقيقيا، وإن كان ملتبسا وغير مضمون يجذب أحدهما إلى الآخر
فالحس الجمالي رغم كل عيوبه وتقلباته التاريخية ظل المصفاة التي مكنت عقولا بشرية محدودة من البحث بكفاءة تكاد تكون معجزة في فضاء لا نهائي من الاحتمالات الرياضية، فتعثر أحيانا لكن بتواتر يصعب تفسيره بالصدفة وحدها على ما صادف لاحقا أن يطابقه الكون. ولعل أصدق وصف لهذه العلاقة هو أن الجمال أفضل خريطة تقريبية نملكها لمكان قد تختبئ فيه الحقيقة، خريطة يجب حملها بيد، وميزان الشك التجريبي باليد الأخرى
وحين يقف عالم اليوم أمام سبورة مليئة بالرموز ويشعر فجأة قبل اكتمال البرهان وقبل الوصول لنتيجة أي تجربة، بأن هذا هو الحل، فإن ذلك الإحساس الصامت، غير القابل تماما للوصف المنطقي، ليس خرافة يجب التبرؤ منها باسم الموضوعية العلمية، وإنما هو على الأرجح، أثر باق من أقدم وأعمق أداة عرفها العقل البشري في بحثه عن فهم العالم: تلك المصفاة الجميلة التي تحدث عنها بوانكاريه والتي ما زالت رغم كل ما تغير، تهمس للعلماء أحيانا بما لم تنطق به التجربة بعد.
عمر محمد كاتب وطبيب مصري