أفكار وآراء

كتاب «ملوك باتي»: ذاكرة النباهنة في شرق إفريقيا

لم يكن الوصول إلى جزيرة باتي الكينية أمرا سهلا؛ فبعد رحلة جوية من ممباسا إلى لامو ركبنا قاربا في جو ممطر، مضى بنا تقريبا ساعة بين مياه الأرخبيل قبل أن نصل إلى منطقة نائية، واصلنا منها الطريق برا، عن طريق سيارة مهترئة يقودها سيف النبهاني -كما عرّفنا على نفسه- حتى بلغنا باتي، ثم بدأ مشوار آخر عن طريق السير بالأقدام.

ما إن وطأت أقدامنا تلك الجزيرة حتى اكتشفنا أنّها تخفي جانبا مجهولا من التاريخ العُماني في شرق أفريقيا. وخلال تلك الزيارة سجّلت مقاطع مصورة عن آثار النباهنة والشواهد التاريخية العُمانية الباقية هناك، غير أنّ ما استوقفنا - أنا وسيف بن سعود المحروقي الذي وثّق الرحلة عبر كاميرته - إضافة إلى الآثار الكثيرة، هو ما قاله لنا محمد النبهاني إمام وخطيب الجمعة هناك عندما تحدّث عن تاريخ النباهنة في تلك الجزيرة، وأنهم حكموها 313 سنة، وأنّ 32 سلطانا تولوا حكمها، منهم امرأةٌ واحدة.

قلتُ حينها: إنّ هذا التاريخ الشفوي سوف يندثر مع مرور الأيام مثلما اندثرت تلك المعالم، إلا أنّ محمد النبهاني قال لنا: إنّ التاريخ مدوّنٌ في مخطوطة قديمة معروفة باسم كتاب «ملوك باتي».

تُعدّ هذه المخطوطة من أهم المصادر المحلية لتاريخ الساحل الشرقي لأفريقيا؛ لأنّها تمثل رواية أهل المنطقة أنفسهم لتاريخهم، ولا تمثل رواية الرحالة أو الإداريين أو المؤرخين الذين كتبوا عن المنطقة من الخارج، وهم غالبا يكتبون حسب أهوائهم.

كُتبت المخطوطة باللغة السواحلية بالحرف العربي ضمن التقليد المعروف بالأدب السواحلي العربي. وينظر الباحثون إليها على أنها المصدر المحلي الأهم لتاريخ باتي وتاريخ المجتمع السواحلي وتاريخ اللغة السواحلية المكتوبة، وتروي تاريخ جزيرة باتي وحكامها منذ العصور الوسطى حتى بدايات القرن العشرين. وممّا قيل لنا إنه لا توجد مخطوطة أصلية بخط اليد؛ فكلُّ النسخ المتداولة اليوم تعود للشيخ محمد بن عمر النبهاني، الملقب «بوانا كيتيني»، آخر شيوخ باتي؛ إذ كان يحفظ التاريخ غيبا، وأملاه على الكتبة.

تعود أهمية المخطوطة -خاصة لدى المهتمين بالتاريخ العُماني- إلى أنها تقدّم رواية مفصلة عن وصول النباهنة إلى شرق إفريقيا، وتأسيس حكمهم في باتي؛ فبحسب ما تذكره وصل سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني إلى الجزيرة في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وتزوج ابنة آخر حكام الأسرة المحلية السابقة، لتنتقل السلطة بعد ذلك إلى ابنه محمد وإلى النباهنة الذين استمر نفوذهم في المنطقة لقرون طويلة. كما تسرد المخطوطة أخبار السلاطين الذين تعاقبوا على الحكم، وتصف التحالفات والصراعات والتوسع السياسي الذي شهدته المدن السواحلية على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا.

عن المخطوطة الأصلية قال لنا محمد النبهاني: إنها فُقدت في أواخر القرن التاسع عشر أثناء الاضطرابات العسكرية التي شهدتها منطقة ويتو المرتبطة بالحكام النباهنة، غير أنّ ضياع الأصل لم يؤد إلى ضياع الرواية التاريخية نفسها؛ فقد حفظت عدة نسخ لاحقة مضمونها، وتوجد اليوم أهم هذه النسخ، وهي أربع، في مكتبة جامعة دار السلام في تنزانيا، وهي النسخ التي اعتمد عليها المحققون والباحثون في الدراسات الحديثة، كما جُمعت هذه المواد في إصدار علمي مهم بعنوان «حوليات باتي»، ممّا أتاح إعادة تقديم هذا التراث إلى الدارسين والمهتمين بتاريخ شرق إفريقيا.

وهناك عدة نسخ من المخطوطة، أهمها نسخة هوليس 1903 محفوظة في أرشيف جامعة SOAS بلندن أمر بكتابتها والي لامو، وهناك نسخة ترجمها الضابط البريطاني ستيجاند 1913، وهي أوسع وأكثر تفصيلا، كما أنّ هناك نسخة من تحقيق مارينا تولماشيفا صدرت عام 1993 في جامعة ميشيغان، وهو التحقيق العلمي الوحيد الذي جاء بعد النسخ السابقة.

ما يثير الأسف أنّ هذه المخطوطة، ومعها جانب مهم من التاريخ العُماني في شرق إفريقيا، لا تزال مجهولة لدى كثير من العُمانيين؛ فمعظمُ الناس يعرفون شيئا عن زنجبار وصلاتها التاريخية بعُمان، لكن قليلين سمعوا عن باتي أو عن كتاب «ملوك باتي». ولهذا السبب تبدو الحاجة اليوم أكبر من أيِّ وقت مضى إلى إعادة اكتشاف هذا التراث وتقديمه للأجيال الجديدة؛ لأنه جزء من الذاكرة التاريخية العُمانية.

ومن خلال زيارتي لباتي ووقوفي على بعض آثار النباهنة الباقية في ذلك الساحل، تعزّز لديّ شعور بأنّ التاريخ العُماني في شرق إفريقيا ما زال بحاجة إلى الكثير من البحث والكشف والتحقيق؛ فبين المخطوطات المحفوظة في المكتبات، والوثائق المبعثرة في الأرشيفات، والآثار القائمة في الجزر والمدن الساحلية، توجد مادة تاريخية ضخمة لم تُستثمر بعد بالقدر الذي تستحقه.

كما أنّ كثيرا من هذا التراث لا يزال بحاجة إلى جهود علمية منظمة تتولى جمعه وتحقيقه ودراسته ونشره بلغة علمية رصينة تتيح للأجيال الجديدة التعرف إليه والاستفادة منه. 

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.