أفكار وآراء

كيف ينجح وقف الذكاء الاصطناعي الفائق بشكل مؤقت؟

ويسلي هوليداي 

ويل فيثيان

حذر داريو أمودي، أحد مؤسسي شركة أنثروبيك (Anthropic) ومعه آخرون، من أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطرا يهدد وجود البشرية. وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، فساقوا الحجج لصالح وقف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة الفائقة التطور بشكل مؤقت. والحجة المضادة هي أن التنظيم، بما في ذلك التنظيم الذاتي، من غير المرجح أن يكون فعالا. وحتى لو كان الوقف المؤقت في حكم الممكن من حيث المبدأ، فإن الأمل في أن يستمر في الممارسة العملية ضئيل، خاصة وأن الولايات المتحدة والصين تخشى كل منهما بشدة أن تتخلف عن الأخرى.

لكن تقريرا جديدا أعدته مجموعة بحثية متعددة التخصصات، ونحن من أعضائها، خلص إلى أن التوقف العالمي عن تدريب الذكاء الاصطناعي الفائق التطور بشكل مؤقت أمر ممكن ومستدام. وإذا جرى تنفيذه على النحو المناسب، فمن الممكن أن يستمر لمدة عقد من الزمن أو أكثر، اعتمادا على عوامل مثل وتيرة التحسن في كفاءة تدريب الذكاء الاصطناعي.

تتطلب النماذج الرائدة الفائقة التطور إنتاج رقائق ذكاء اصطناعي تتسم سلسلة توريدها بدرجة عالية من الـتَرَكُّـز. وسوف يستغل «الوقف المتماسك» هذه النقطة الحرجة من خلال وقف إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي الإلكترونية القادرة على التدريب، في حين يسمح بإنتاج رقائق قادرة على الاستدلال السريع بالذكاء الاصطناعي في إنتاج نماذج معتمدة، ولكنها، بسبب تصميمها، لا يمكن استخدامها عمليا لتدريب نماذج رائدة جديدة.

بمجرد ازدياد إنتاج الرقائق المخصصة للاستدلال فقط، سوف يجري التخلص تدريجيا من الرقائق الإلكترونية القادرة على التدريب التي أُنتِجَت قبل فترة التوقف، بحيث يصبح من غير الممكن استخدامها لإشعال شرارة سباق متجدد في مجال الذكاء الاصطناعي. وسوف تسمح فترة الوقف المتماسك هذه للدول بجني الفوائد الاقتصادية المترتبة على الاستدلال بالذكاء الاصطناعي دون الاستمرار في تدريب الذكاء الاصطناعي والذي قد يُفضي إلى ارتباكات طاغية تؤثر على المجتمع والأمن الوطني.

تواجه سلسلة توريد شرائح الذكاء الاصطناعي اختناقا شديدا؛ إذ لا تتوفر آلات الطباعة الحجرية الضوئية المتقدمة (الأشعة فوق البنفسجية القصوى) إلا من مورد واحد، وهو شركة ASML الهولندية، وتُـشحَن في حاويات موزعة على 20 شاحنة وثلاث طائرات شحن. تعتمد شركة ASML على مرايا توفرها شركة ألمانية واحدة متخصصة في البصريات العالية الدقة، وهي شركة Zeiss. ولا تتوفر العناصر الأرضية النادرة المكررة إلا من عدد محدود من المصادر الوطنية. أما المواد الأخرى، مثل الكوارتز العالي النقاء، فتأتي من قِـلة من المواقع.

أما عن استخدام هذه الرقائق، فقد يكون من المستحيل اكتشاف متهرب يستخدم جهاز كمبيوتر منفردا لتدريب نموذج صغير للذكاء الاصطناعي. لكن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق يتجاوز بدرجة كبيرة نطاق النماذج الرائدة الحالية مثل Astra من شركة OpenAI يستلزم استخدام مئات الآلاف من الرقائق الإلكترونية لعدة أشهر أو سنوات متتالية.

وبعد تجنيد مثل هذا الأسطول الضخم من الأجهزة، سيحتاج المتهرب إلى خداع العالم لفترة طويلة ليجعله يعتقد أن هذا الأسطول يُستخدم، على سبيل المثال، في عمليات استدلال مربحة وتستلزم حسابات مكثفة.

هذا يشير إلى أن عددا محدودا من التدخلات ــ بما في ذلك فرض الضوابط على إنتاج وبيع الرقائق القادرة على التدريب، وآلات الطباعة الحجرية المتقدمة، والعناصر الأرضية النادرة ــ من شأنها أن تسهم بشكل كبير في دعم وقف مؤقت لتدريب النماذج الرائدة. وسوف يظل هذا يسمح بإنتاج رقائق مخصصة للاستدلال فقط، مثل بعض الدوائر المتكاملة الخاصة بنماذج بعينها تدمج بنية النموذج المعتمد وأوزانه بشكل ثابت في الرقاقة. وبالفعل توجد رقائق مخصصة لكل نموذج بعينه، لكن جاذبيتها الاقتصادية محدودة بسبب معدل دوران النماذج الرائدة المرتفع. وسوف يصبح إنتاجها أكثر جاذبية مع وقف تدريب النماذج الرائدة الجديدة.

سوف يعترض بعض المراقبين بحجة أن وقف إنتاج الرقائق القادرة على التدريب سيؤدي إلى إبطاء تقدم الذكاء الاصطناعي. وهذا، بالطبع، هو المقصود. ومع ذلك، من خلال التعاون الكافي، قد يكون من الممكن إنشاء محميات علمية خاضعة لإدارة دولية، حيث يصبح من الممكن استخدام الرقائق القادرة على التدريب لأغراض بحثية معلنة وشفافة.

ولكن هل من الممكن الحفاظ على التعاون بشأن الوقف المؤقت، بين الولايات المتحدة والصين وفي عموم الأمر، لفترة طويلة؟ قد تميل الدول إلى الانسحاب من مثل هذا الاتفاق، على الرغم من المخاطر، إذا كانت المكاسب المحتملة من تقدم الذكاء الاصطناعي كبيرة، وقد يصبح إخفاء هذا الانسحاب أقل صعوبة مع ازدياد كفاءة خوارزميات التدريب.

ولكن ينبغي لصُـنّاع القرار أن يدركوا أنهم منخرطون في لعبة متكررة، وأن المراقبة ستحدث، وأن المكاسب الفورية قد تُـهدَر بفعل خسائر المستقبل إذا انهار الاتفاق. وقد تحد آليات المراقبة الكافية من مخاطر الانسحاب. ويشير تاريخ احتواء الأسلحة النووية إلى أن الاتفاق الدولي يستحق المحاولة.

بطبيعة الحال، لا يخلو الأمر من تحفظات. فقد يفتقر صُنّاع السياسات في الولايات المتحدة والصين إلى الصبر اللازم للحفاظ على التعاون في الأمد البعيد. وبالنظر إلى المخزونات الحالية من رقائق الذكاء الاصطناعي القادرة على التدريب، فقد لا تتمكن الدول من الحفاظ على الوقف المؤقت ما لم يُـنَفَّذ إحصاء شامل بالقدر الكافي.

وسوف يكون من الضروري مراقبة تصنيع الرقائق بصرامة، وقد يتحول مطورو النماذج الرائدة إلى محتكرين يتمتعون بامتيازات ما لم تمنعهم الضوابط التنظيمية من استغلال قوتهم السوقية.

يجب أن يكون قرار وقف تطوير الذكاء الاصطناعي المتطور بشكل مؤقت راجعا إلى صُـنّاع السياسات. ولكن ينبغي لهم أن يدركوا أن الوقف المؤقت أمر ممكن، وأنه من المرجح أن يكون مستداما إذا جرى تنفيذه على النحو اللائق.

ويسلي هوليداي أستاذ الفلسفة ورئيس مجموعة المنطق ومنهجية العلوم في جامعة كاليفورنيا، بيركلي.

ويل فيثيان أستاذ مشارك في الإحصاء بجامعة كاليفورنيا، بيركلي.

باري آيكنغرين أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، وهو مؤلف العديد من الكتب، من بينها كتاب «المال عبر الحدود: العملات العالمية من كرويسوس إلى العملات المشفرة».

خدمة بروجيكت سنديكيت