في الزِّنزانة الأمريكيَّة «4- 4»
أنساغ
الاحد / 6 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:40 - الاحد 18 أكتوبر 2026 20:40
الإثنين، 1 مارس، 1999، أوستن، تكساس، الولايات المتحدة:
منذ أن جاءوا بي إلى هنا وأنا أحارِب بالنَّظر. تاريخيًّا، كانت «النَّظرة» (gaze) من أسلحة السُّلطة، خاصة في أوروبا، وخصوصًا في المؤسسة السِّجنيَّة («أن تُرى من دون أن تَرى»، وبقية تحليلات ميشيل فوكو المضيئة للنظام «البانابتِكوني» في «راقِب وعاقِب؛ إلخ)، وأنا هنا أحاول أن أقلب الآية فأستخدم سلاح العدو في معركة غير متكافئة. لقد استحوذت السُّلطة على سلاح «النّظرة» منذ زمان، لكني هنا أريد أن أقول للشرطي إني لن أستسلم وسأصوِّب سلاحك ضدك. لكن الحقيقة قد تكون أن لا الشرطي فهم الرسالة، ولا أنا لديَّ طريقة أخرى لإيصالها إليه: كلانا عاجز أمام الآخر بطريقته. غير أني بدأت أفكر في العنف الذي يُرتَكب بحق رجال الشرطة في هذه البلاد. لقد كنت أقول لنفسي دومًا إن الشرطة بشر أيضًا، لديهم أطفال، ويحبون مشاهدة برامج التلفزيون التافهة وأكل الهمبورغر، إلخ، وعلينا ألا نكون باردين إزاء إيذاء أي منهم؛ بل إني كنت أحيانًا أتذكر تبرير بازوليني الذي قدمه لتفسير انضمامه إلى صفوف الشرطة ضد الطلبة اليساريين في أحداث 1968 (*). لكني أدرك الآن أن كل نزيل منا يفكر بإيذاء شرطي، وإن معظمنا لن يتورع عن فعل ذلك بأقسى طريقة ممكنة فيما لو سمحت الظروف بذلك؛ فالعنف هو اللغة الوحيدة التي تمأسسها السُّلطة، متناسية بذلك أنها قد تكون من ضحاياه.
فكرت أيضًا ببرنامج «شرطة» (Cops) التلفزيوني حيث الشرطة البِيض «يعتقلون الأشخاص السيئين لإبقائهم بعيدًا عن شوارعنا (OUR streets)». وهؤلاء «الأشخاص السيئون» (bad guys) في الثنائية الأخلاقية والإنسانيَّة الضِّديَّة والمانويَّة الأمريكيَّة العتيدة هم من السود و«الهسبانيين» أو البِيض المسحوقين أو مدمنات الكحول والمخدرات أو العاهرات أو المشرَّدين، وكل أولئك الذين لفظهم النِّظام (system) لأنه لم يعد في مقدوره أن ينتفع منهم بالطريقة القصوى بعد أن أكلهم لحمًا ورماهم عظمًا. بسبب إنتاج ذلك البرنامج التلفزيوني العنصري وحده؛ تجب محاكمة أمريكا بتهمة الإساءة للإنسان والإنسانيَّة: يجب إحياء مشروع تشي غيفارا ومالكوم إكس في القارة الأمريكية وجمال عبدالناصر في أفريقيا. إنهم يصورون أولئك الذين لا يدافع عنهم أحد، ويُعرضون على الملأ في صالات جلوسهم في ما هو انتهاك صارخ للأبجديَّات وكل شيء إنساني آخر. كل هذا وأمريكا تصفِّق، لأن أمريكا تصدِّق كل ما يقوله ويُريه التلفزيون، ولكنها ترفض أن تصدِّق نفسها لأن مشكلة أمريكا – ببساطة شديدة – هي أنها تكذب كثيرًا.
كنت، في أية حال، أريد ورق الحمَّام لزملاء الزنزانة حيث إني قررت منذ البارحة عدم قضاء الحاجة أمام أي أحد، وتمكنت من مغافلة الشرطي حين أخذونا للتصوير عصرًا، فقضيت حاجتي في دورة مياه ذات باب في ذلك الطابق من دون أن أستأذن الشرطي لأنني حدست بأنه لن يوافق، لكنني من حيث لم أقصد أغلقت الباب أمام سجين آخر طلب استخدام الحمَّام أسوة بي، فلما اكتشف الشرطي ما فعلت نهرني ومنع السجين الآخر من استخدام ذلك المرحاض الجليل.
لا أريد أن أكتب المزيد، بل إني سأفكر في المزيد مما أتذكره كي أثق بأنني لن أغفر أبدًا. من المهم ألا يغفر المرء للسلطة (فالسلطة لها دومًا أساليبها في تزويق النسيان)؛ لأن التهاون في شأن الذاكرة هو ما قاد بعضهم إلى ما قاد إليه، فأهانوا أنفسهم بالصفح عن الإهانة، في الوقت الذي كان ينبغي فيه البحث عن العدالة وتحقيقها خارج «الفردوس». كلا، ليس هذا بالضبط. فلأحاول مرة أخرى: في الوقت الذي كان ينبغي فيه ألا يتوانوا عن إدانة الجحيم وتوجيه أصابع الاتهام إلى السَّدنة. لقد شعرت دومًا أن علاقتي بكل شيء علاقة شخصيَّة، وفهمي لكل شيء فهم شخصي، خاصة حين أكون وحيدًا بعد أن أكون قد خِلْتُ بأنني لست كذلك. الزمن ليس قادرًا على إبراء كل جرح، فـ«الزَّمن هو الجرح»، إذ إن الزمن هو ذاكرة من يسكنونه، ومن يسكنون في الزمن هم من يوجِّهه. أما الذين يوجههم الزمن فهم ريش طائر قتيل يتناثر في الريح المجرمة.
خرجت في حوالي الخامسة مساء بكفالة شخصيَّة. أثناء إجراءات إطلاق السَّراح رأيت الشاب «الهسباني» الجريح الذي جلبوه البارحة، فتبادلنا ابتسامة خالية من المعنى تقريبًا. قد يكون أقرب معنى لها هو: ها نحن نخرج إلى العالم من جديد إذًا. غير أن تلك الابتسامة قادتني إلى سؤاله عمَّا أتى به إلى هنا، فأجابني بأنه تعارك مع الشرطة. لا أدري إن كان من المغرمين ببطولات وهميَّة. لكنه حتى ولو كان قد تعارك مع الشرطة حقًا فإن مكانه البارحة كان يفترض أن يكون المستشفى وليس الزنزانة.
ما كان ينبغي لما حدث لي أن يحدث أبدًا [...]. ما حدث كان ظلمًا (بالمعنى القديم للكلمة) ولا اسم آخر له. على المرء ألا يقول: «لكن هذا يحدث كثيرًا لغيري»؛ إذ إن ما يهمني هو ما يحدث لي بالتحديد، وذلك قدر اهتمامي بما يحدث لغيري من باب التَّصادي والتَّمرأي. وما يحدث لغيري لن يحدث لي إن كنت لا أرتضي أن يحدث لي. أما الذي يحدث لغيري ويرتضونه لأنفسهم مما لا أرتضيه لنفسي فإنه يحدث لهم وحدهم.
ابتعت كوب قهوة من بقالة محطة تعبئة الوقود المجاورة، ودخَّنت ثلاث لفافات متتالية (طبعًا، التدخين غير مسموح به في ضيافة السُّلطة) وأنا أنظر إلى العالم بشوق فاتر، وشفقة كبيرة، ووهم قليل من وهم قليل أساسًا؛ غير أن لهفتي للضوء والشمس والسماء والتراب كانت بلا حدود. في الحقيقة، لا عالم غير هذا. كل شيء يعود إلى أصله الأول في الحرب وفي الهدنة. وفي الأخيرة، علينا ألا نكف عن مراقبة التجليَّات الجديدة للموت وللحياة. لكن هذه التجربة التي استمرت لأقل من أربع وعشرين ساعة، والتي أكتب عنها بنوع من «التَّفريغ التَّطهري» (catharsis) يعزيني مؤقتًا. إنها تجربة جعلت مني عبدالله آخر.
---------------------------------
(*): يوضح بازوليني موقفه من ذلك على أساس أن الطلبة اليساريين المتظاهرين تحت راية شعارات تقدميَّة هم، في الحقيقة، أبناء الفئات المسيطِرة اقتصاديًا واجتماعيًَّا، حيث تتيح لهم إمكاناتهم الطبقية دخول الجامعات وقراءة ماركس والأدبيات الثورية من باب فضول الشباب ونَزَقِهِ.
أما رجال الشرطة فهم، في الحقيقة، أبناء الطبقات والفئات الاجتماعية المضطهَدة-- خاصة أبناء الريف الفقير منهم (وهم الفلاحون الذين ارتبط بهم بازوليني منذ طفولته)-- فهؤلاء الكادحون الفعليون لم يتسنَّ لهم إكمال تعليمهم الأساسي فما بالك بالعالي، ولا خيار معيشيًا أمامهم سوى تعطيل أو تفريغ طاقاتهم الإنتاجية، ثم استقطابهم من قِبل السلطات للعمل في أجهزة القمع كالشرطة والجيش (حاشية أضيفت إلى المتن في يوم الجمعة، 16 أكتوبر 2026، مسقط).
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني