أعمدة

نبسط أيدينا للصلح ونرفعها عن حمّامات الدم

نشرت صحيفة الجارديان مقالا للكاتبة نسرين مالك بعنوان صادم: «دخل الخليج مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وإذا ظنّ قادته أنّهم يستطيعون الاتكاء على التحالفات القديمة فهم مخطئون». تشيرُ مالك إلى التآكل المتدرّج لمقوّمات السلام والأمن الذي أحدث تحوّلا أعمق مما قد يُقرّ به، وأنّ آخر دعامات التوازن تصدّعت حين غدا أمن الخليجيين «شأنا ثانويا» في حسابات القوى الكبرى. هكذا يجد الخليج نفسه الآن -وفقا لقراءتها- مدفوعا إلى قلب العاصفة.. أعمق فأعمق.

يبدو الأمر وكأننا نستعيرُ عصرا كاملا من البربرية، اختزلت فيه الدول في معادلة واحدة: أهميتك مرهونة بمدى نفعك، فإذا انتفت منفعتك غدوت قربانا على مذبح المصالح المُتغيرة. وهو منطقٌ -على قدمه- يبلغُ اليوم ذروته من السفور.. حتى لتبدو الدول بيادق على رقعة شطرنج، مُجرّدة من ذاكرتها التاريخية وإنسانيتها.. تُساق إلى مصائر غامضة في ظل التقلب والأزمات.

ومن عجائب الدهر أنّنا إلى عهد غير بعيد، كنّا نظنّ أنّنا غير مرئيين وأنّ العالم لا يكاد يلتفت إلينا، حتى بدا كأنّه يشدّ على أيدينا انتظارا لتعليل صمتنا وانكفائنا. ثمّ وجدنا أنفسنا في خضمّ تهديدات متلاحقة على مرأى العالم ومسمعه، لأسباب يتصل بعضها بسماتنا السياسية، وبعضها الآخر بقدرنا الجيوسياسي. آنذاك ظنّوا منا خضوعا مُرتعشا لتقبيل الأيدي، لكنهم تمزقوا لرؤيتنا كيانا لا يرفّ له جفن، يبسطُ يده للصلح ويرفعها عن حمّامات الدم المُستعرة.

ورغم أنّ موقف عُمان جعلها تحت وطأة ضغط عنيف وغير مسبوق، إلا أنّ استقلال القرار -من جهة أخرى- أبقاها بمنأى عن الخسارات الجسيمة التي قد يتكبدها الآخرون، كما أبقاها بمنأى عن التحوّل إلى وقودٍ لحرب لم تخترها.

ولعلّ المقال الذي كتبه غريغوري أفتانديليان في مركز العرب بواشنطن بعنوان: «عُمان والحرب على إيران: حياد تحت الضغط»، يُرينا الجذر الأعمق لموقف عُمان المغاير.. فهو يؤكد على أنّ المجتمع العُماني أقلّ قابلية للتعبئة عبر الخطاب الطائفي وأنّ مسقط تتمسّك بمبدأَي «الحياد الفاعل» و«صداقة الجميع وعدم معاداة أحد»، الأمر الذي نُبصر صداه في علاقاتها بجيرانها.. فما يُرجَّح اليوم أنّه خروج عن الصورة السائدة لعُمان، هو في حقيقته امتدادٌ لنهج دبلوماسي راسخ، لا تحوّلٌ طارئ فرضته الحرب.. وعودة إلى مقال نسرين مالك بشأن تراجع ضمانات الأمن الخارجي، فإنّ القوة تكمن اليوم في ألا ننغلق على تحالفات لم تعد مجدية، تنذرُ بكوارث أفدح من أن تُحتمل.

وفي هذه الأثناء، تُنسجُ رواياتٌ لا تخطر على بال. يُشيطَن طرفٌ لتضليل آخر، ويُصنع أبطالٌ من العدم.. والحقّ أنّ من يتصدّى لكتابة هذه المسرحيات السياسية الهزلية، جديرٌ بأن يتلقّى درسا أو درسين في أصول الدراما، لعلّه يتقن تلفيق الحكايات الفنتازية التي نُشغلُ بها من حين إلى آخر. فالحبكة غالبا مترهّلة والثغرات فادحة إلى حدّ أنّ أردأ الأفلام يتحرّج من الوقوع فيها، لكنها تُدفع بكل ألغامِها العمياء إلى فضاء النشر!

ولذا من المهم الآن، ألّا يتصدّع الضمير الداخلي، وألّا تنال شقوق الفتنة من اللُّحمة الوطنية.. فثمّة من ينفثُ سمومه في النتوءات الصغيرة ليقتات على شروخنا. إذ ينزعجُ الآخر أن يكون لعُمان قرارٌ مستقل وصوتٌ يُشبهها في زمنٍ تنحني فيه الرقاب تحت سطوة الأقدام المهيمنة، كما تزعجه أن تتحوّل محنتها إلى فرص اقتصادية تُثمر عن مكاسب لم تكن يوما في الحسبان، لاسيما وأنّ رؤوس الأموال تبحث -أكثر من أي وقت مضى- عن أرضٍ آمنة وبيئة مستقرة، ففي محنة هذا العالم المضطرب تينعُ الفرص: مطارات حيوية، وموانئ فاعلة وطرقٍ بحرية تتعاظم أهميتها.. ومن يدري أيضا، فثمّة ما يتغير في شبه جزيرتنا العربية على نحو غير مألوف حقا. 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»