فيلم "الانتفاضة"... صفحات مأساوية من التاريخ الإنجليزي
الاحد / 6 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 18:48 - الاحد 18 أكتوبر 2026 18:48
لم يكن التاريخ يوماً إلا صفحات مطوية يجري تداولها وتختلف التأويلات بصددها، وذلك من منطلق أن تكون الوثيقة التاريخية محمّلة بجميع الحقائق والتفاصيل وهي إشكالية معقدة يواجهها صانعو الفيلم وهم يقومون بإعداد الحقائق التاريخية وتقديمها الى الشاشة من منطلق أن المؤرخين وحتى بعض المشاهدين العاديين يريدون مشاهدة كل شيء وهو ما لا يمكن أن يتحقّق، فالفيلم ببساطة شديدة انتقائي ويعيد إنتاج الواقع والتاريخ وليس وثيقة مجرّدة.
وكنا شاهدنا صورا من تواريخ الشعوب والتحوّلات المهمة التي شهدتها ومنها مثلا فيلم المدرعة بوتومكين – 1925 وفيلم تعال وانظر -1985 وفيلم تشي غيفارا بأجزائه -2008 وفيلم سلفادور -1986 وفيلم سبارتيكوس -1960 وفيلم أرض الحرية -1995 وفيلم كومونة باريس -2000، وفيلم دانتون -1983، وفيلم الجوع 2008، وفيلم أنا في كوبا -1964 وفيلم غاندي -1982 وفيلم أرض الحرية 1985، وفيلم ما قبل الثورة -1964، وفيلم شيكاغو 10 – 2007، وفيلم الدكتور زيفاغو -1965 وغيرها.
وفي هذا الفيلم لكاتب السيناريو والمخرج باول غرينغراس سوف نكون في مواجهة التاريخ وهو يقدّم لنا صورة من الحياة الإنجليزية إبّان ما عرف بثورة الفلاحين في عام 1381، صورة مجتمع غارق في المعاناة وشظف العيش والإهمال والمآسي وهو منقسم طبقيا إلى ثلاث قوى رئيسية: الشعب الفقير وسلطة الإقطاع وحاشية الحكم وما بينهما من علاقة تخادم وهنالك سلطة الكنيسة التي تساند تلك الطبقة المستبدة من أجل بقاء حكم الملك والمصالح الخاصة بطبقة الأثرياء ورجال الحكم.
في المقابل هنالك الملك ريتشارد الثاني -يقوم بالدور الممثل 'وودي نورمان' الذي ورث العرش وهو في الرابعة عشرة من عمره وبسبب كونه لا يزال قاصراً يسيطر الوزراء والمستشارون على القرارات، فيما يعاني الملك الذي لا يزال في سن المراهقة من الكوابيس المرعبة وهو يرى مرارا نفس الأحداث في هجوم الوحوش على قصره ونهبه وإسقاط عرشه.
هذه الخلاصات يقدمها المخرج في مشاهد افتتاحية مصنوعة بعناية، سواء لجهة مؤامرات القصر أو لجهة الملك الذي يرتعد خوفاً، فيما تتقدّم الأم للاطمئنان عليه ولتشجيعه على حضور مجلس الحكم -تقوم بالدور الممثلة 'كاثرين واترستون'، ولكن من دون جدوى ثم بالتوازي مع ذلك هنالك الفلاح بلومان أو رجل المحراث -يقوم بالدور الممثل المتميز 'أندرو غارفيلد' وهو يحرث أرضه وحيداً وحيث تلوح قبور عائلته: زوجته وابناه الذين قضوا بسبب مرض الأسود الذي فتك بالناس في تلك الحقبة ولكن ها هو يواجه رجالات السلطة مع حشد من الفلاحين، حيث يطالبونهم بضرائب باهظة حتى لا تبقي لهم قوت يومهم.
هذه الصور من المعاناة كانت تقابلها سطوة وشراسة السلطات وحيث قاضي القضاة من حقه أن يصدر قرارا فوريا بالشنق تجاه أي أحد ومهما حاول الفلاح إقناع محصّل الضرائب أن عائلته ماتت بالمرض إلا أنهم يطالبونه بدفع ضرائب باهظة عن نفسه وعن عائلته الميتة وهنا يفيض الكأس وفي فورة غضب وفي وسط الفلاحين يهجم على أولئك المتسلطين، يسانده الفلاحون الآخرون لتشتعل انتفاضة عارمة ضد الظلم ومناشدين الملك بالتدخل لإنصافهم.
هذه الأرضية للأحداث هي التي سوف تبنى عليها دراما ملحمية تاريخية ما تلبث أن تقدم لنا إشكاليات معقدة تتعلق بالذات البشرية وهي تتسامى وتبحث عن الحق والعدل في مقابل عالم مخادع وشديد الشراسة ذلك الذي يقدم صورة نظام الحكم الإنجليزي آنذاك تحت غطاء غياب دور الملك المرعوب من كوابيسه، وهكذا يشتعل الصراع ويصبح تحديا جديدا ساعتها تقنع الأم ابنها الملك الوريث أن ينهض ويخرج من كوابيسه ويواجه التحديات التي تهدّد حكمه وان يصلح أحوال البلاد بعد أن تركت بأيدي التجار ومجلس البرجوازيين.
اهتم كثير من النقاد بالأسلوب الإخراجي والمعالجة الفيلمية المتميزة ومن ذلك ما كتبته الناقدة 'لاسي دوغر' في موقع 'روجر ايبيرت' إذ تقول:
' إنّه فيلمٌ رفيع المستوى، ينسج قصة مجتمعٍ يترنّح تحت وطأة تحديّات متعدّدة ويكافح للتأقلم مع الموت الجماعي، والاضطرابات الاقتصادية، وقيادةٍ غامضة -وغالبًا ما تفتقر إلى المصداقية. وفي معظم مشاهده، ينجح الفيلم في إيصال مشاعر الغضب والإحباط، والتوق اليائس إلى عالمٍ أفضل -عالمٍ يبدو، بالنسبة للناس العاديين، بعيد المنال دائمًا. ومما يصب في صالح الفيلم أن بطله يجسد شخصية الإنسان العادي الجذاب، الذي يبدو منهكاً من جهة، ومتمسكاً بالأمل بإصرار من جهة أخرى'.
فيما كتب الناقد 'براندون زاخاري' في موقع موفي رانت:
'تُعد الملاحم التاريخية نوعاً فريداً في تاريخ السينما؛ فقد أبرزت نماذجها الأولى الإمكانات الهائلة التي يتيحها هذا الفن، والتي لا تضاهيها أي وسيلة تعبيرية أخرى. وفي هذا الفيلم يستلهم المخرج أحداث ذلك الصراع ويعيد صياغته من منظور سياسي معاصر، ليقدم حكايةً آنيةً عن تعقيدات النفس البشرية. ينجح الفيلم في أن يكون ملحمة سينمائية كبرى، وفي الوقت ذاته قصةً مؤثرةً تكشف كيف يمكن لأفضل وأسوأ الصفات البشرية أن تشكّل المجتمع والتاريخ على نحوٍ جوهري'.
ها نحن مع الملك وهو يفاوض المنتفضين، لكن حاشيته تفسد عليه تلك الصلة التي تجعله موضع تقدير لدى الشعب، ولهذا يكون الملك وحاشيته على ضفة من النهر والحشود على الضفة الثانية وهو الذي وعد بالاستماع الى مطالبهم لكن ها هي الحاشية تنكث بالمطالبين مرة أخرى وها هو الملك نفسه وقد تسلح بالمكر والدهاء، إذ يقود الجموع الى مقتلة عظيمة غير متوقعة.
وظف المخرج الحقائق التاريخية بشكل متقن ومتميز واستخدم خلال ذلك عناصر التصوير والانتقالات بين المشاهد واللقطات كما انه عزز كل ذلك بمسارات سردية متنوعة قادت الى صراع لا رجعة فيه بين الأضداد، لكن في المقابل سوف ينتقم الملك من حاشيته ويفرط بالمنتفضين ويعدّهم قلة قليلة لكن ذلك سوف يجعل منهم بعد أن كانوا مطالبين بالحقوق وهم فوق الأرض وبعد الغدر بهم الى قوة متوارية في الغابات.
ولا يغفل الفيلم الحقائق التاريخية الممثلة في أن الطاعون قد قضى على ما بين ثلث ونصف السكان. وأما الناجون، فقد وجدوا أنفسهم مثقلين بضرائب ثقيلة ومتزايدة لتمويل حرب التاج الإنجليزي المستمرة في فرنسا، وفي تلك الأثناء، ظهرت حركةٌ دينيةٌ تُعرف بـ'اللولاردية' -وهي حركةٌ سبقت البروتستانتية- نادت بالمساواة ورفضت ثراء رجال الدين وفسادهم وقد قدم الفيلم قادة هذه الحركة وهم الأعلى صوتا في المواجهة وهم الذين سوف يقتلون تباعا، في وقتٍ بلغت فيه تجاوزات الكنيسة الكاثوليكية حدًا صارخًا.
هذا الفيلم الذي بدأ عرضه في الصالات مؤخرا قدم رسالة فنية مفعمة بالجمال والإنسانية فضلا عن معالجة وقائع تاريخية شكلت مرحلة مهمة من مراحل حياة وتاريخ المجتمع الإنجليزي في القرن الرابع عشر وقد تكاملت في الفيلم الأدوات الفنية الأسلوب الإخراجي وأداء الممثلين لتقدم هذا العمل المتميز.
..
سيناريو وإخراج: باول غرينغراس
تمثيل: أندرو غارفيلد، جامي بيل، ستيفن ديلان، كاثرين واترستون، كوسمو جارفيس، وودي نورمان
مدير التصوير: بال رزكسيث
موسيقى: فولكر بيرتيلمان
العرض الأول في المملكة المتحدة 9 أكتوبر 2026
الميزانية: 20 مليون دولار
بوكس اوفس: 8 ملايين خلال أسبوع واحد.