رأي عُمان

عُمان وبريطانيا.. شراكة تاريخية وآفاق متجددة

 

تمثل زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، بدعوة من جلالة الملك تشارلز الثالث، محطة مهمة في مسيرة العلاقات العُمانية البريطانية، وتعبيرا عن المكانة التي تحظى بها هذه العلاقات لدى قيادتي البلدين. وتأتي الزيارة مستندة إلى تاريخ طويل من الصداقة والتعاون، وإرادة مشتركة لتوسيع الشراكة بما يخدم المصالح المتبادلة، ويواكب الأولويات التنموية والاقتصادية.

لقد منحت الصلات التاريخية بين عُمان والمملكة المتحدة البلدين معرفة عميقة أحدهما بالآخر، وأسهمت في بناء علاقات تتسم بالاستمرارية. وعلى امتداد مراحل شهدت تحولات واسعة في المنطقة والعالم، حافظت هذه العلاقات على أهميتها، واتسعت مجالاتها مع تطور مؤسسات الدولة العُمانية وتنامي حضورها الدولي. وللروابط الوثيقة بين الأسرتين المالكتين إسهام بارز في ترسيخ هذه الصداقة، وتوفير مناخ من التقدير المتبادل يدعم التعاون بين المؤسسات ويعزز التقارب بين الشعبين الصديقين.

وتحمل الزيارة أهمية خاصة في ظل ما تشهده سلطنة عُمان، بقيادة جلالة السلطان المعظم، من عمل متواصل لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتنمية اقتصاد متنوع تتسع فيه مساهمة القطاع الخاص، وتتقدم قدراته الإنتاجية والتنافسية. وتمنح العلاقات مع المملكة المتحدة، بما تمتلكه من خبرات اقتصادية وعلمية ومؤسسات مالية وتعليمية، فرصا مهمة لدعم هذه التوجهات من خلال شراكات تستجيب لاحتياجات التنمية وتقوم على المنفعة المتبادلة.

ويستند التعاون الاقتصادي إلى حضور استثماري بريطاني كبير في سلطنة عُمان. بنهاية عام 2025، تصدرت المملكة المتحدة الدول المستثمرة في عُمان، برصيد من الاستثمار الأجنبي المباشر بلغ نحو 16.4 مليار ريال عُماني، يمثل أكثر من نصف إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر. ويؤكد هذا الحضور حجم المصالح الاقتصادية القائمة، ويوفر أساسا لتوسيع التعاون وتنويع مجالاته خلال المرحلة المقبلة.

ومن هذا الأساس، تتقدم أهمية توجيه الشراكات نحو أنشطة تعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وتدعم نقل المعرفة والتقنية، وتتيح للمؤسسات العُمانية فرصا أكبر للمشاركة في المشروعات وسلاسل التوريد. كما يشكل تأهيل الكفاءات الوطنية وتطوير مهاراتها مجالا أساسيا لتعميق أثر الاستثمار، وربط نمو الأعمال بتوفير فرص مهنية مستدامة للشباب العُماني. وتتيح الخبرة المتراكمة بين الجانبين الانتقال بهذه الأهداف إلى برامج عملية تتكامل فيها المصالح التجارية مع الأولويات التنموية.

وقد أرسى البلدان أطرا مؤسسية تدعم هذا المسار، من بينها الشراكة الاستثمارية السيادية الموقعة عام 2022، التي تستهدف تعزيز الاستثمارات المتبادلة، وتشمل مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا. وتوفر زيارة جلالة السلطان المعظم مناسبة رفيعة المستوى لتعزيز التعاون ضمن هذه الأطر، وتشجيع المؤسسات المعنية وقطاع الأعمال على تطوير مشروعات ذات جدوى اقتصادية وأثر تنموي واضح.

ويمتد هذا التوجه إلى التعاون العلمي والتعليمي، بما يربط الجامعات ومراكز البحث بحاجات الاقتصاد، ويعزز قدرة المؤسسات على الابتكار. ومن شأن توثيق هذه الصلات أن يوسع مشاركة المجتمع في ثمار الشراكة، وأن يمنح العلاقات بين البلدين عمقا متجددا يستند إلى تبادل الخبرات والعمل المشترك.

إن ما يجمع سلطنة عُمان والمملكة المتحدة من صداقة راسخة ومصالح واسعة يمنح هذه الزيارة أساسا متينا وآفاقا واعدة. وفي ظل حرص القيادتين على مواصلة تطوير العلاقات، يتطلع البلدان إلى مرحلة تتعزز فيها الشراكة الاقتصادية، وتتسع فرص التعاون أمام مؤسساتهما ومواطنيهما، لدعم التنمية والازدهار، وصون ما رسخه التاريخ من روابط وثيقة بين الشعبين الصديقين.