مستقبل التعليم إلى واجهة النقاش
السبت / 5 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 22:28 - السبت 17 أكتوبر 2026 22:28
تحوز فكرة مستقبل التعليم عالميًا على الكثير من النقاشات، خاصة في ظل المعطيات التي فرضها دخول التقنيات الجديدة، وموجة الذكاء الاصطناعي، وتغير آليات ووسائل الولوج إلى المعرفة والتعامل معها بناء على ذلك.
إلا أنه في تقديرنا فإن التحول يحدث بشكل أكثر سرعة وتجذرًا، ويطول قابليات التعلم نفسها، وقيمة المعرفة، وطبيعة العلاقة مع عناصر بيئة التعلم، سواء كانت ممثلة في المعلمين، أو وسائط التعلم، أو بيئات التعلم.
لعقود كانت قيمة هذه العناصر تكتسب من أمرين مهمين: أولهما الندرة؛ حيث إن المعرفة من التأسيس (تعليم القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم) إلى الإثراء (المعارف والعلوم الأخرى التي يتعرض لها المتعلم) كانت وسيلتها ومصدرها الأساس وموجهها هي (المدرسة)، وليس ذلك فحسب، فقد كانت أيضًا المحك المعياري لصواب أو نفعية أو حاجة المعرفة نفسها، فنحن في المدارس لم نتكلم نتعلم فحسب، بل نعرف ما الذي يوجب علينا تعلمه، وكيف نتعامل معه، وما هي حدوده.
أما الآخر فهو الدور التوجيهي (التربوي)، وهو ما لا يقتصر فقط على المحددات القيمية والأخلاقية التي ينقلها المعلمون والمدارس إلى الطلبة، وإنما يتعداه إلى تكوين وبناء (شخصية المتعلم) بكل عملياتها حسب ما هي في علم الاجتماع شاملة (التعلم الاجتماع استدماج القيم والمعايير التماهي والتعين الهوياتي التفاعل وتشكل الذات تعلم الأدوار والتفاوض عليه).
حيث تتيح بيئات التعلم بوصفها (بيئات اجتماعية) لها رمزيتها وسلطتها ومقامها في المجتمع تعرض المتعلم لهذه العمليات؛ وبالتالي كانت تؤدي دورًا أوسع في تكوين البناء الاجتماعي عبر التأسيس المتوازن لشخصية الفرد.
يتعرض الجانبان اليوم لعملية إعادة تشكل واسعة؛ نظير دخول فواعل اجتماعية وتكنولوجية جديدة تزاحمهما في تحقيق الوظيفة الاجتماعية. فعلى سبيل المثال في مسألة ندرة مصادر المعرفة، وحسب دراسة واسعة لـ Pew research أفاد54% من المراهقين الأمريكيين باستخدام روبوتات المحادثة للمساعدة في العمل الدراسي. وقال 10% إنهم يستخدمونها في جميع أعمالهم الدراسية أو معظمها.
وفي تركيا أجريت تجربة عشوائية شملت قرابة ألف طالب ثانوي، تحسن أداء مجموعة تستخدم مساعدًا عامًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي أثناء التدريب، ثم انخفض أداؤها في الاختبار دون المساعد بنسبة 17% مقارنة بالمجموعة الضابطة.
أما المساعد المصمم بضوابط تعليمية فخفف هذا الضرر. المسألة في تقديري لا تنحصر اليوم في وضع حدود وسياسات وضوابط لاستخدام المساعد الإلكتروني أو وكيل الذكاء الاصطناعي، أو حل الفروض والتكليفات بوساطة تطبيقات مخصصة للذكاء الاصطناعي، بل ما يجب الالتفات إليه هو أبعد من ذلك حول سؤال الأدوار؛ ما الدور الذي سوف يبقى للمعلم، وللمدرسة، وللمعرفة نفسها التي كانت في وقت مضى عامل ندرة وسلعة قيمة تدور حولها كل نماذج تشغيل العملية التعليمية؟
الانتقال المطلوب يوجب أن يكون هو هاجس السياسات التعليمية، بل أن هذه السياسات نفسها يجب أن تخضع اليوم وليس غدًا للنقاش الجاد، وليس للنقاش الترحيلي الذي يدفع بتأجيل التعامل مع التحول الكبير.
ما يحدث في المدارس اليوم سينعكس في المجتمع غدًا، وفي الاقتصاد بعد سنوات، وفي تنافسية الدولة بعد عقد، وفي إرث الأجيال اللاحقة بعد عقدين أو ثلاثة؛ لذلك كان التعليم وسيظل، بل تتزايد وتيرة أهميته كأحد موجهات (السبب والأثر) في أي عملية/ خطة تنموية.
تدعم هذه المؤشرات انتقالًا في مركز ثقل المدرسة والمعلم نحو أربع وظائف، وهي: ضمان (تأسيس) المعرفة، وضمان (توجيه) الانتباه والجهد - خاصة في سياق معضلة التشتت العالمية -، ومساندة الطالب اجتماعيًا ونفسيًا وبناء القدرة على الاندماج الاجتماعي والحفاظ عليه، وإثبات تحقق التعلم المستقل.
مستقبلًا سيظل واجبًا على المدرسة والمعلم الاحتفاظ بمسؤولية تأسيس (المعارف الأساسية) بما في ذلك القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم.
بل تشير التحليلات الدولية إلى أنه قد تزداد أهمية التأكد من إتقانها؛ كون الطالب يحتاج قاعدة معرفية يفهم بها إجابات الأنظمة الذكية، ويكتشف أخطاءها.
أي أن تعليم منطق هذه العلوم، والأساس الفكري الذي تنطلق منه سيظل استحقاقًا يوجب على التعليم المدرسي القيام به برهان تجدد أدواته ووسائله.
عالميًا هناك تراجع واضح في مستوى إتقان هذه المعارف، ليس في المنطقة فحسب؛ فبحسب البرنامج الدولي لتقييم الطلبة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فقد انخفض متوسط أداء الطلبة بعمر 15 عامًا بين 2018 و2022 بنحو 15 نقطة في الرياضيات و10 نقاط في القراءة.
وبالنسبة للمعلمين فإن التحول الأهم هو في زيادة وزن (إدارة التعلم، والإدارة الصفية) خلال السنوات القادمة بما في ذلك الوقوف على أسباب تعثر التحصيل، وتصميم خطط علاجية ملائمة لكل متعلم، والاستفادة من البيانات الضخمة من المنصات لتكييف خطط تعلم الطلبة. كما أن هناك دورا اجتماعيا تمثله (الإدارة الصفية)، ونراه بالغ الأهمية، وهو التوجيه الاجتماعي، وتقليل أثر التفاوت الاجتماعي داخل البيئة الصفية بما في ذلك ضمان حصول جميع الطلاب على أدوات تعليمية جيدة وتوجيه بشري مناسب باختلاف مستوياتهم الاجتماعية، وباختلاف قدرة أسرهم على تزويدهم بالأدوات والتقنيات وتسهيل وصولهم لها.
أما الاستحقاقان الأهم والأصعب حسب تقديري فهما توجيه الانتباه وتقليل أثر التشتت، وقدرة المعلم على ربط المعرفة بالتطبيق. في إحدى الدراسات الدولية المرتبطة بتقييم التعليم، والتي أخذت عينة دولية مقارنة خلصت إلى أن حوالي30% من الطلبة عينة الدراسة أقروا بأن استخدام الأجهزة الرقمية يشتتهم في معظم حصص الرياضيات.
وارتبط التشتت المتكرر بانخفاض الأداء التحصيلي بنحو 15 نقطة بعد مراعاة الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للطلبة والمدارس.
وفي القدرة على ربط المعرفة بالتطبيق فإن رهان المدرسة أن تدفع بالطلبة نحو فهم الآليات التي يمكنهم من خلالها توظيف كل معرفة يستخدمونها في حياتهم، وفي تطوير فرصهم الاقتصادية والاجتماعية، وفي القدرة على التنافس على الفرص التعليمية والمهنية، وفي القدرة الأكبر على رؤية الحياة وتكوين منظور شامل للعالم الذي يعيشون فيه والمجتمع الذي يتعاملون معه.
هذه الاستحقاقات تلزم أيضًا استثمارًا أوسع في المعارف وآليات التأهيل، ومسارات التوجيه المهني التي يتعرض لها المعلم نفسه. فمعلم اليوم مطلوب منه فهم التطورات التقنية بالقدر الذي يطالب بفهم علم النفس الاجتماعي، وعلوم السلوك، وبالقدر ذاته الذي يجيد فيه ويحترف المجال التخصصي الذي ينطلق منه ويمارس فيه مهنته.
مبارك الحمداني
مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان