أفكار وآراء

خطة حيتان التكنولوجيا الرهيبة للإنسانية

ترجمة: أحمد شافعي

هل يجب أن يبقى للبشر السيطرة على كوكب الأرض؟ أم ينبغي أن يحل غيرنا بدلا منا فيكونون هم السلالة المهيمنة؟ برغم ما في هذه الأسئلة وما يماثلها من عبث، وبرغم وضوح إجاباتها، فإن حيتان شركات التكنولوجيا الكبرى من ممولي ثورة الذكاء الاصطناعي يتعاملون معها تعاملا ينبغي أن يثير القلق فينا جميعا.

يعتقد البعض في وادي السيليكون، وهم من أكثر أهل الأرض ثراء، أن لديهم القدرة على خلق سلالات أرقى؛ فقد كتب سام ألتمان رئيس شركة (أوبن آيه آي) في عام 2017 أن الذكاء الاصطناعي سوف يتيح للبشر أن يصبحوا «أول سلالة تصمم خلفاءها».

وليس من الواضح حتى الآن ما الذي يعنيه هذا. فأمامنا، في ما يرى سام ألتمان، إما أن نطلق العنان للذكاء الرقمي «ثم نتلاشى في فرع من شجرة التطور، أو أن نستطيع العثور على سبيل لاندماج ناجح». فالخيار، بعبارة أخرى، للبشر: إما مواجهة الانقراض أو الاندماج مع الآلات. وأضاف سام ألتمان قائلا: إنني أعتقد أن الاندماج قد بدأ بالفعل»، وأنه «على الأرجح أفضل السيناريوهات المتاحة لنا».

وبالمثل، أتاح داريو أمودي ـ وهو رئيس شركة (أنثروبيك)، إمكانية لحقوق نماذج الذكاء الاصطناعي. وأوضح ذلك بقوله «إننا لا نعرف ما لو أن هذه النماذج واعية، ولكننا متقبلون لفكرة أنها قد تكون كذلك».

في مطلع الشهر الحالي، نشر إيلون ماسك ـ وهو رئيس شركة (سبيس آيه آي) وأغنى رجل على وجه الأرض ـ عبر حسابه في موقع (إكس) يقول إن «الوصول بالذكاء الفائق إلى النجوم شرط بالغ الأهمية لبرنامج التشغيل البيولوجي» مشبها البشر بالبرمجة التي تبدأ عمل نظام تشغيل الحاسوب.

وما يقوله ماسك، ببساطة، هو أن البشر محض خطوة نحو الذكاء الفائق الرقمي.

وقد سئل بيتر ثيل ـ الملياردير والشريك المؤسس لشركة بالانتير والمستثمر الكبير في الذكاء الاصطناعي ـ العام الماضي عما لو أنه يفضل دوام السلالة البشرية فكان رده: أوه...حسنا، لا أعرف. أفضل أن... أفضل أن... هذا أمر ينطوي على كثير للغاية من الأسئلة». لقد تلعثم قبل أن يسلّم على مضض بأن البشر يجب أن يبقوا.

تكمن جذور هذه الرؤى في أيديولوجية وادي السيليكون التي كانت ذات يوم هامشية وهي ما يعرف بالعبرإنسانية (transhumanism) ويعتقد المؤمنون بها بأن التكنولوجيا سوف تتيح لنا تجاوز الإنسانية إما بخلق سلالات جديدة أو بالجمع بين أنفسنا والآلات. وما الداعي إلى تجاوز الإنسانية؟ لأن العبرإنسانيين الجدد أولئك سوف يكونون أشد منا ذكاء. وسيكونون معصومين من الخطأ، وسيذهبون إلى النجوم ويغزون الكون، وسوف يعيشون إلى الأبد.

لو كانت هذه خيالات مراهقين مهووسين بالخيال العلمي، لأضحكتنا. لكنها ليست كذلك. إنما هي المعتقدات الأساسية لأقوى الرجال في العالم، الذين يحشدون تريليونات الدولارات ليحولوا هذه الخرافات إلى واقع.

وها هي هذه الاستثمارات تؤتي ثمارها؛ فعلى مدى عشرات آلاف السنين كان البشر محتكرين للغة. فما لغيرنا القدرة على استعمال الجملة.

ولم يعد هذا هو الحال. وعلى مدى آلاف السنين، كان البشر هم السلالة الوحيدة القادرة على حل المسائل المعقدة في مجالات من قبيل الرياضيات، ولم يعد هذا هو الحال.

وحتى وقت قريب كان بوسعنا أن نعرف بثقة إن كان إنسانا أم جهاز حاسوب هو الذي يتكلم معنا من خلال الشاشة. ولم يعد هذا هو الحال.

ها هي الآلات تبدأ فعليا في الحلول محلنا. ورؤية حيتان التكنولوجيا العملاقة للمستقبل تزداد إفزاعا. يقيم إيلون ماسك (نويرالينك) ليزرع رقائق في أدمغة البشر من أجل تحقيق «تعايش مع ذكاء اصطناعي». وانتقل بيتر ثيل بخيامه إلى الأرجنتين حيث دعا الرئيس خافيير ميلي هناك إلى إقامة «شركات بلا بشر» يديرها وكلاء الذكاء الاصطناعي «وقد يشارك في أسهمها البشر، لكن هذا غير إلزامي». ويحاول كرستوفر أولاه الشريك المؤسس في شركة أنثروبيك إقناع شخصيات دينية كبرى من بينها البابا بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون واعيا.

وهذا عبث. وانعدام للإحساس بالمسؤولية. ولا يكاد يوجد خارج وادي السيليكون من يرغب في هذا المستقبل. فليس عبثا أن 91% من الأمريكيين يرون أننا بحاجة إلى فرض ضوابط على الذكاء الاصطناعي، وفي أن 74% لا يثقون في قادة شركات الذكاء الاصطناعي، وفي أن 73% يخشون من أن يهدد الذكاء الاصطناعي وجود البشر.

في مايو، أطلق البابا ليو الرابع عشر رسالته البابوية الأولى بعنوان «الإنسانية العظيمة» محذرا فيها من «رؤية مناهضة للإنسان» تنطوي على «خطر اختزال البشر إلى بيانات، أو إلى تروس في آلة، أو إلى سلع». وكان البابا واضحا في قوله إن «الإنسانية، بكل روعتها وجروحها لا يجب استبدالها، أو تجاوزها».

وردا على ذلك وصف بيتر ثيل البابا بـ«عميل الشيوعية الصينية». لكن البابا كان على حق. وثيل ورفاقه من حيتان التكنولوجيا الكبيرة مخطئون أشد الخطأ.

يجب ألا تسمح الإنسانية لحفنة من الأثرياء بمواصلة مساعيهم الطائشة لاستبدالنا. لا بد من وقفة فورية لتطور الذكاء الاصطناعي المتقدم وحظر الذكاء الفائق الاصطناعي ـ أي العقل الاصطناعي الأشد ذكاء من الإنسان، القادر على العمل مستقلا دونما سيطرة منا ـ إلى أن يتمكن كيان فيدرالي جديد من ضمان سلامة التكنولوجيا.

ومن أجل هذا اقترحت تشريعا، أنا والسيناتور جريج سيزر، لتنفيذ ذلك تحديدا. فالذكاء الاصطناعي خطر وجودي. ولا بد من معاملته على هذا الأساس.

لا يمكن أن يترك مستقبل الإنسانية في أيدي حفنة من حيتان التكنولوجيا الكبيرة المهووسين بالمال والسلطة. وعلى الشعب الأمريكي وشعوب العالم أن تقرر المستقبل. ولا بد للبشر، لا للآلات، أن يكونوا هم الأولوية.

بيرني ساندرز، سيناتور أمريكي مستقل عن ولاية فيرمونت.

الترجمة عن الأتلنتيك