كيف نواجه حروب وسائل التواصل الاجتماعي؟
السبت / 5 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 22:29 - السبت 17 أكتوبر 2026 22:29
شاءت الأقدار أن تتكالب التحديات وتلقي بحممها على منطقتنا العربية بشكل تصاعدي منذ 2023، واستعرت معها الحروب الرقمية بتنوع أنماطها؛ لتكون جزءا مما تشهده المنطقة من اضطرابات خطيرة تأتي في صورها المتعددة في مقدمتها الصراعات العسكرية الدائرة التي زجت بالجميع في المعمعة، وفتكت بالمنظومة الاقتصادية وأدواتها اللوجستية، وباتت موارد الطاقة في دول الخليج عرضة للاستهداف؛ لتتسع رقعة الضرر، وتشمل العالم أجمعه.
لا أريد أن أستعرض المشهد السياسي والعسكري المزعج الذي يلقي بكل ثقله على دول الخليج العربي؛ إذ لا أحبذ أن أكرر أخطاء محللي «وسائل التواصل الاجتماعي» - تلك الوسائل التي نخصص مقالنا لأجل فهم أبجدياتها وسبل مواجهة تحدياتها-.
وعندما نتحدث عن هؤلاء المحللين، فإن الأمر يفوق التصور في أن عشرات الآلاف من الحسابات المعروفة والمجهولة تأخذ وضعية التحليل السياسي الذي تجاوز بعضها حدود اللباقة، وأقحمت المجتمعات في حروب من نوع آخر أقرب وصفا إلى حروب وسائل التواصل الاجتماعي المشتعلة بالتقاذف والتلاسن وتوزيع الاتهامات.
ناقش قبلي كثير من الكتّاب أزمة وسائل التواصل الاجتماعي وما تخرج به من سموم أضرت بتشكيل العقل الجمعي؛ فأدخلته مناطق رمادية يسودها عدم اليقين.
لعل القضية تبدو بسيطة وجل ما تحتاجه التغافل. وأتفق مع ذلك إن ضمنا تحقق التغافل الجمعي الشامل. لكننا مع ظاهرة تتسارع في وتيرتها ويتفشى تأثيرها السلبي، وبدأت الأصابع الخفية لمؤسسات ومنظمات دولية تتكشف خلف هذه الظاهرة الرقمية، وعن طريق دعمها المباشر وغير المباشر لها.
عبر تتبع بسيط، يمكننا تلخيص آلية الحرب الرقمية؛ حيث تبدأ بتحديد أهدافها والجهات المستهدفة -أفرادا كانوا أو مجموعات أو دولا-، ثم تنطلق الحسابات الوهمية والمأجورة في عملية تشكيل الصورة النمطية السلبية عن هؤلاء المُستهدفين تبعا للأهداف المرسومة، وتتعدد الأساليب في صور كثيرة مثل تكرار ذكر المستهدف وربطه بأحداث سلبية؛ ليتسنى للعقل الجمعي ووعيه أن يصنّفه في قائمته السوداء، ويعدّه خطرا حقيقيا أو محتملا.
لذلك ما نستطيع أن نلحظه في وسائل التواصل الاجتماعي وتفاعل الأفراد مع محتواها أنها انتقلت من الاعتماد على الحسابات الوهمية -لأسباب تقنية نشير إليها لاحقا- إلى حسابات مؤثرة لها أعدادها الكبيرة من المتابعين، وبعضهم بأسماء معروفة، وبجانب حسابات تحمل أسماء منصات تتصيد الشاردة والواردة من الأخبار. وهنا نحن أمام حسابات وظيفية تعمل بمبدأ التجارة والتربّح. وكما أشرنا آنفا، أضحت بعض هذه الحسابات تُعمِل جهودها لتضرب على أوتار حساسة، ومتعمدة في محتواها الرقمي إثارة النعرات والفتن المذهبية والسياسية، مستندة إلى أساليب خطابية توحي بالثقة رغم وهن أدلتها.
بكل تأكيد لا نملك قدرة منع هذه الحسابات أو كبح نفوذ محتواها إلى مجتمعاتنا نظرا إلى الهيمنة الرقمية والخوارزمية، والتي يتصل تأثيرها التقني بما تمليه الأهواء الخارجية بحكوماتها وشركاتها المالكة للتقنية ومطوريها الأوائل.
انتقل هذا التفوق الرقمي إلى مراحل أعلى بعد دمج الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته المتفاعلة مع وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما زاد الطينة بلّة عبر السرد الرقمي المدعوم خوارزميا؛ بيد أننا نمثّل الطرف الآخر في هذه المعادلة التقنية، من حيث درجة ارتباطنا وتفاعلنا معها؛ فنملك أداة الوعي القابلة للتسخير ومواكبة كل حدث وتقنية، وحينها نملك قرار منع هذا النوع الآخر من العبث الرقمي وما يجلبه من حروب تهدف إلى زعزعة علاقات الشعوب فيما بينها أو بينها وبين حكوماتها.
لا أريد تخصيص حادثة معينة؛ فحوادثنا الرقمية كثيرة، وتعج في فضائنا الرقمي العربي، ونحن - سواء في محيطنا المحلي أو الإقليمي- لسنا بمعزل عما تتأثر به بقية شعوب العالم. ولا مبالغة إن قلنا إن الصهيونية وأعوانها لهم أصابع -خفية وظاهرة- تقف خلف هذا العبث الرقمي وسمومه مستغلة الثغرات النفسية المرتبطة بأساليب صناعة السردية وكسب الثقة وإملاء الأفكار الموجّهة، وهذه منهجية تُستعمل في مجالات التسويق والخداع السينمائي، وتعد إحدى وسائلهم الاستخباراتية القديمة التي تتطور بتطور الأدوات الرقمية.
وسبق أن كُشفت شبكات من الحسابات الوهمية كانت تبث سمومها في وسائل التواصل الاجتماعي بغية التفرقة بين الشعوب العربية والإسلامية ومجتمعاتها عبر إذكاء الفتن المذهبية والدينية والسياسية. وتبين أن هذه الحسابات -بعد تفعيل خاصية كشف الموقع الجغرافي لنشاط الحساب- قابعة في كيانات -مثل الكيان الصهيوني- أو دول تُصنّف بالمعادية أو الحاضنة لضعاف النفوس المأجورين.
وعلى الصعيد الشخصي، وفي خضم هذه الفوضى الرقمية وعبثها الراهن، لا أجد أمامي سوى مسارين: أولهما توعية نفسي وتوجيهها إلى تبنّي ثقافة رقمية صحية، ونقل هذا الوعي قدر المستطاع إلى الآخرين، والآخر قطع الصلة بهذه المنصات الرقمية، وهذا النهج الذي التزمت به منذ فترة طويلة؛ فلم يعد لي أي تفاعل يُذكر عبر هذه الوسائل الرقمية، وكذلك لم أعد أتابعها إلا لماما ونادرا بما تقتضيه ضرورة رصد المستجدات.
وأوصي غيري باتباع هذا المنهج مستثنيا من كان متخذا هذه الوسائل وسيلة لنشر المحتوى الرقمي السليم، وقصد بها نشر المعرفة والوعي دون أن تشغله عن أهداف أسمى. لكن، وبما نشهده من طوفان رقمي وما يفيض به من منزلقات، لا أرى أننا مضطرون إلى التفاعل مع هذه الترهات والأكاذيب، أو تضييع الوقت في متابعتها.
لا تكتمل آليات تفعيل الوعي الفردي والجمعي دون الدور المؤسسي الرسمي لحكومات الدول المعنية؛ إذ تقع على عاتق وسائل الإعلام العربية ومؤسساتها الرسمية مسؤولية توجيه أفراد مجتمعاتها وتوعيتهم بالأهداف الخفية الكامنة وراء نشر السموم الرقمية. كذلك يمتد الدور ليشمل المؤسسات الثقافية والدبلوماسية في الدول العربية واضطلاعها بنشر الوعي الرقمي والتحذير من مغبة الانجرار إلى تصديق كل ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك بتفكيك السرديات المزيفة والمغرضة، ونشر الحقائق ببراهينها الصميمة المقنعة. ويمكن تدعيم ذلك عبر تنظيم لقاءات إعلامية مفتوحة تجمع المسؤولين الدبلوماسيين والأمنيين العرب لتفنيد الشائعات ودحضها قبل تضخمها.
وإن كان الحديث ينصب على الجانب الإقليمي العربي بعمومه، فيهمنا أيضا شأننا المحلّي «العُماني» وآلية تفاعلنا مع هذا الفضاء الرقمي ومنصاته. ولعلني أستحضر هنا ما سبق للأستاذ بدر العبري طرحه من نصيحة -في مقال نشره قبل فترة- وجّه فيها أفراد المجتمع إلى ممارسة الحكمة العُمانية المعهودة، وعدم الانجرار إلى مستنقعات وسائل التواصل الاجتماعي؛ فكل ما نطرحه رقميا أو نتفاعل معه يُحسب على المجتمع العُماني وأصالته.
بما أننا في محيط اختلطت فيه القضايا واعتركت الفتن؛ فإن من الواجب أن ننأى بأنفسنا عن الخوض في هذا المستنقع الرقمي، لئلا نُغرِق أنفسنا ومجتمعنا فيه، وأن نتحلى بالسمت العُماني الذي عُرفنا به طوال قرون خلت. مكتفين بقول الخير أو الصمت، ولا أرى أفضل من ترك الكلمة الفصل -فيما يتعلق بقضايا المنطقة الراهنة وتحدياتها المعقدة- للجهات الحكومية الرسمية عبر منصاتها المعتمدة؛ فهي خير من يمثّل عُمان «دولة وشعبا».
حفظ الله عُمان ودول منطقتنا العربية جميعها.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني