ما فشل بالقوة لن ينجح بالسياسة الناعمة
السبت / 5 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:18 - السبت 17 أكتوبر 2026 19:18
ثمة رسائل إسرائيلية تتطاير في أرجاء الضفة الغربية، فليجأ كيان الاحتلال إلى التهجير 'الناعم' بعد فشل مشروع الترحيل بالقوة العسكرية، فيعمل على تجفيف مصادر العمل، وكل ما يرمز إلى الحياة.
من استعراض عضلات القوة الحربية في مدن الضفة الغربية، وآخرها رام الله (العاصمة السياسية للسلطة الفلسطينية) إلى إغلاق مؤسسات لجان العمل الصحي، والضمير لرعاية شؤون الأسرى، والإغاثة الزراعية، باعتبارها تتبع لمنظمات 'إرهابية' وفق توصيف كيان الاحتلال، ناهيك عن فرض السيطرة على الارض، وحصر الفلسطينيين في كانتونات فقيرة ومغلقة، لجعلهم يعانون في كل حركة وسكنة.
سياسية ترحيل جديدة، يرجّح مراقبون أن لا يُكتب لها النجاح، لا سيما وأن الشعب الفلسطيني خبر ويلات اللجوء، ولا يمكن أن يتجه مجدداً نحو الحدود، أو ينتظر رغيف خبز في طابور اللاجئين، كما أن دول الجوار تقف بشدة أمام محاولات التهجير.
وفيما دأب جيش الاحتلال على اقتحام مدن ومخيمات الضفة الغربية، يواصل المستوطنون هجماتهم في القرى والأرياف الفلسطينية، وخصوصاً ضد قاطفي الزيتون، علاوة على إقامة صلوات تلمودية، كما جرى في بيتونيا وسردا قرب رام الله، ومسافر يطا بالخليل جنوبي الضفة الغربية.
يتزامن هذا مع اقتحامات تتوالى للحرم القدسي الشريف، والمسجد الإبراهيمي في الخليل.. يضاف إليها حرق المساجد كما جرى في قرية مخماس قرب رام الله، وقصرة جنوب نابلس، وآخر تقليعات الاحتلال هدم النصب التذكارية للشهداء، المشهد الذي تكرر أخيراً في قرية مادما جنوب نابلس، وجامعة بيرزيت وقرية أبو فلاح شرق رام الله، وكفر اللبد وعنبتا بطولكرم.. ورزع الإعلام الإسرائيلية في الميادين الرئيسية وشوارع الضفة الغربية، وفي ذلك رسائل تحفل بالمعاني والدلالات.
فشل التهجير بالقوة..
في الضفة الغربية جرى أخيراً تهجير 118 تجمع سكاني فلسطيني من الأرياف، بعد مضايقات سوائب المستوطنين بحق الفلسطينيين، التي تجلت بسرقة مواشيهم وتركهم شبه معدمين، وفي قطاع غزة جرى ترحيل أعداد هائلة من السكان في خضم الحرب، والآن يعيش أكثر من ثلثي الشعب في مخيمات النزوح.
هذا على مستوى الترحيل الداخلي، وقد نجح فيه كيان الاحتلال إلى حد كبير، لكن الترحيل الخارجي يقاومه الفلسطينيون، وبات النقاش الدائر في الشارع الفلسطيني لا يخرج عن تعزيز الصمود على الأرض، لأن الوجود هو جوهر القضية الفلسطينية، وهو من سيفشل السياسة الإسرائيلية، وقد أخذت القوى الوطنية الفلسطينية تعد آليات وأدوات العمل في المرحلة القادمة.
على ذلك يعلّق المحلل السياسي محمـد دراغمة: 'بعد كل حرب إسرائيلية ضد الفلسطينيين، يجد كيان الاحتلال أن عدد الفلسطينيين يناهز نفس عدد الإسرائيليين (7.5 مليون لكل جانب) وهذا لا يحسم الصراع، بل يضع التحدي أمام (إسرائيل) إما أن تكون دولة لكل هؤلاء (فلسطينيين وإسرائيليين) بالتوصل إلى حل سياسي، أو تبقى دولة تمييز عنصري ضد الفلسطينيين، وتواجه عاصفة من الاحتجاجات والضغوط، والتي قد تصل إلى العقوبات الدولية'.
ويوالي: 'هناك رهان فلسطيني على فرض عقوبات دولية على كيان الاحتلال، جراء سياسة التمييز العنصري التي لم تعد مقبولة دولياً، وهذا على المدى الاستراتيجي سيشكل عامل ضعف لدى الكيان، وقوة لدى الفلسطينيين، للمطالبة بحقوقهم السياسية والوطنية، وحقوق الإنسان على أدنى المستويات'.
ويواصل: 'السياسة الإسرائيلية اليوم باتت تنهض على مبدأ التهجير، لدرجة أصبح جزءاً مركزياً في النقاش السياسي العام، فانتقل من الهوامش، إلى عمق الخريطة السياسية الإسرائيلية'.
قبل 7 أكتوبر..
وبعد فشل العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ظهرت مخططات التهجير بصور أخرى، وبوسائل تقوم على تجفيف مصادر الحياة بالنسبة للفلسطينيين، كمنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم في الداخل الفلسطيني المحتل، وحجز كل الإيرادات الفلسطينية، فارتفعت بذلك معدلات البطالة والفقر، وهذه الاجراءات تهدف إلى خلق حالة من اليأس عند الفلسطينيين، ودفعهم إلى الهجرة.
بينما أخذ الاستيطان يتسارع على الأرض، فسيطر كيان الاحتلال على (60 %) من أراضي الضفة الغربية، وانتقل إلى مناطق السلطة الفلسطينية (الـ40% الباقية) وهيمن على كل مصادر المياه، وفي الأثناء يجري حصر الفلسطينيين ودفعهم بالضغوط الحياتية للهجرة، لكن هذه السياسة 'وفق مراقبين' ستفشل، وإن تُمارس بشكل يومي وحثيث.
وفي العام 1988، ظهرت حركة إسرائيلية تدعى 'موليدت' وكانت تطالب بتهجير الفلسطينيين، لكن عدد أعضائها في البرلمان الإسرائيلي 'الكنيست' لم يكن يتجاوز الـ6 أعضاء، ولذا فشلت دعوات التهجير، كما أن جيش الاحتلال فشل في حربي 1948 و1967 في تهجير كل الفلسطينيين.
لكن، اليوم تعود مسألة التهجير لتفرض نفسها على الأجندة الإسرائيلية، فوضعت حكومة الاحتلال خطة لفرض السيادة على الضفة الغربية 'قبل السابع من أكتوبر' وباتت كل الأحزاب الإسرائيلية تتبنى أفكار تقوم على طرد الفلسطينيين، وإلغاء وشطب حقوقهم الوطنية.
تستعر حملات التهجير، ومن المؤكد أنها ستستمر وتتصاعد، أقله حتى 28 نوفمبر، موعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية، وعليه ربما تشهد الضفة الغربية، طوفان تصعيد، وسباق نحو صناديق الاقتراع بدماء وآهات فلسطينية.