بريد القراء

الاتكالية.. انتظار الآخرين على ضفاف العجز!

 

المبادرون في خدمة أنفسهم والآخرين ليسوا أشخاصًا سُذَّجًا مثل الاتكاليين أو السلبيين أو المتخاذلين، لكنهم أشخاص يستحقون أن ننظر إليهم نظرة تقدير على اعتبار أنهم النخبة الذين يلغون من قاموس أفكارهم «الأنا»، ويجدون في تقديم المساعدة دون الانتظار للثناء أو الشكر من الآخرين، وغالبًا ما نراهم في حقول العمل أو ميادين الحياة، يبادرون في العطاء بلا حدود.


بالمقابل، تعد «الاتكالية» على الغير من السموم التي تسمم الأبدان وتقضي على العقول، إضافة إلى كونها من أشد الأمراض النفسية حضورًا عند بعض الناس، فهي لا تترك لهم الفرصة لخدمة أنفسهم أو المبادرة في تقديم المساعدة للآخرين.


دائمًا هم على قناعة عقيمة، ويرون بأن الواجب من الجميع أن يحملوهم على أكف الراحة، وينجزوا لهم أعمالهم دون عناء أو مشقة، بينما الحياة ليست كلها راحة واستقرار!
لقد تنبّه الأدباء والمفكرون وغيرهم إلى مثل هذه الفئة التي تؤصّل كل معاني الأنانية في النفس البشرية، ومن بين الذين قالوا في هذا الأمر رائد الأدب الروسي دوستويفسكي، حينما يقول: «الأيام كفيلة بأن تخلق منك شخصًا لا يأبه برحيل أو قدوم أحد».

بمعنى أن خدمة الذات تجعلك بعيدًا عن بوابات الانتظار أو في قائمة الانتظار للقادمين نحو مساعدتك، والمعنى الأعمق في قول دوستويفسكي يأتي من قسوة التجارب، وتكرار الخيبات التي تجعل القلب يتدرب على اللامبالاة بما يصنعه الآخرون عندما يجحدون الجميل.


الأيام تعلمنا ألا نعلق حياتنا على حضور الآخرين أو غيابهم، وفي فلسفة دوستويفسكي، هناك اعتراف صريح بأن الزمان يعلمنا أن نحب تقديم الأعمال ونساعد الغير دون أن نشعر بالتعب أو نخسر جزءًا من كرامتنا بجحود يتلقفنا من الآخرين، نسير في طريقنا حتى ولو لم يبقَ أحد يرافقنا، لأن الاعتماد على الذات يلهمنا الكثير من القوة والتغلب على الظروف.


إن الاتكالية ليست محصورة في الإهمال اليومي للأعمال المناطة بنا، ولكن أيضًا هناك إهمال أشد خطرًا على الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الصحية، فالبعض بمجرد عارض صحي ينتظر أن يشعر الآخرون بألمه، ويحملهم وجعه، وأيضًا ينتظر منهم الاهتمام بعلاجه!
هذا ليس مزاحًا أو خيالًا أو تخمينًا، بقدر ما هي حقيقة واقعية رأيناها تصدر من بعض الذين نعرفهم، ينادون بالمرض ولا يحاولون نزعه من أجسادهم، سواء بتلقي العلاج، يتلذذون بعبارات الشكوى والاستسلام، وهما الطريقتان المتبعتان دائمًا في التعامل مع مشكلاتهم!


هذا التلازم والأسلوب يولّدان لديهم الشعور الدائم بالعجز والتشاؤم، والاعتقاد الراسخ بأنهم غير قادرين على رعاية أنفسهم أو إنجاز أمورهم كبقية البشر! لذلك هم بحاجة إلى قوارب نجاة تنقلهم نحو ضفاف أخرى غير التي يقفون عليها. إن مثل هؤلاء الأشخاص لا يكونون بعيدين عنا في أغلب الوقت، فهم بين أولادنا أو أصدقائنا أو أقاربنا، ينتظرون أن يخدمهم الآخرون ليشعروا بأنهم أشخاص مختلفون!.