ترجمة

الروبوتات الصينية.. سلاح بكين لحسم سباق الذكاء الاصطناعي

سكوت سينجر ـ بافلو زفينيورودسكي - ترجمة: نهى مصطفى

 

لم يعد الجامايكي يوسين بولت أسرع من قطع مسافة 100 متر؛ فقد انتزع منه هذا اللقب، على نحو غير متوقع، الروبوت الصيني تيانجونج ألترا، الذي سجل في أغسطس الماضي زمنًا بلغ 9.39 ثانية، متجاوزًا الرقم القياسي العالمي لبولت بنحو عُشرَي ثانية، ومحققًا سرعة تزيد على ضعف سرعته قبل عام.

تصدر السباق عناوين الأخبار العالمية وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لا بسبب سرعة الروبوت فحسب، بل أيضًا بسبب ما كشفه من قصور لا تزال الروبوتات تعاني منه: القدرة على التباطؤ والتوقف. فقد تجاوز تيانجونج ألترا خط النهاية مباشرةً واصطدم بجدار الأمان.

ومع ذلك، أظهر السباق مدى التقدم الذي أحرزته صناعة الروبوتات في الصين، ومدى تقلص الفجوة بين أداء الآلات والقدرات البشرية.

أصبحت الروبوتات ركيزة أساسية في استراتيجية الصين لتطوير الذكاء الاصطناعي. فبينما تركز الولايات المتحدة على النماذج اللغوية الضخمة والتطبيقات الرقمية، تسعى بكين إلى دمج البرمجيات بالأجهزة لتطوير ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المُجسّد»، أي روبوتات قادرة على الإدراك والحركة والعمل باستقلالية في العالم الحقيقي.

وقد تتولى هذه الروبوتات تشغيل المصانع، وأداء الأعمال اليدوية، والمشاركة في العمليات العسكرية. وإذا نجحت في تنفيذ مهام معقدة، فقد تصبح تقنية عامة التأثير، مثل الكهرباء والإنترنت، وتُحدث تحولًا واسعًا في سوق العمل.

تخدم هذه الاستراتيجية أهداف الصين الاقتصادية والعسكرية؛ إذ يمكن للروبوتات تخفيف آثار شيخوخة السكان ونقص العمالة، وتوفير الرعاية لكبار السن، وتعزيز القدرات العسكرية عبر أتمتة الاستطلاع والإمداد والقتال. ويرى بعض المفكرين الصينيين أنها قد تمهد أيضًا لتطوير الذكاء الاصطناعي العام، القادر على أداء معظم المهام بمستوى يماثل البشر أو يتفوق عليهم. وقد تمنح هذه الاستثمارات الصين ميزة استراتيجية إذا عجزت شركات وادي السيليكون عن تحويل تقدمها في النماذج الرقمية إلى تطبيقات عملية.

قد تبدو هذه الرؤية ضربًا من الخيال العلمي، لكن الصين تراهن على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيتوقف، إلى حد كبير، على قدرة الأنظمة على فهم العالم المادي والتفاعل معه. وإذا صحّ هذا الرهان، فقد تتراجع أهمية التفوق الأمريكي في تطوير النماذج المتقدمة.

وستصبح القدرة على تصنيع الروبوتات ونشرها في قطاعات مثل الصناعة والخدمات اللوجستية، وتوفير البيانات اللازمة لتدريبها، عوامل حاسمة في المنافسة. وللحفاظ على موقعها، تحتاج واشنطن إلى تعزيز قطاعها التصنيعي والتعاون مع شركاء يمتلكون خبرات أساسية في سلاسل توريد الروبوتات. فالتأخر في هذا المجال قد يمنح الصين أفضلية يصعب تعويضها.

الإيجابية المتجسدة

تسعى الحكومة الصينية بحزم إلى قيادة التحول نحو عالم تؤدي فيه الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا. فقد أدرجت بكين «الذكاء الاصطناعي المُجسّد» ضمن «صناعات المستقبل»، إلى جانب تقنيات الجيل السادس والحوسبة الكمّية، وجعلته أولوية في خطتها الخمسية الخامسة عشرة الممتدة حتى عام 2030.

وفي مواجهة تحديات تشمل بطالة الشباب، وأزمة العقارات، وضعف الاستهلاك المحلي، وشيخوخة السكان وتراجع أعدادهم، تراهن الصين على هذه التكنولوجيا كمحرك جديد للنمو ودافع للتقدم التقني.

وقد تتحول الابتكارات التي تطورها الصين لمواجهة تحدياتها الداخلية إلى ميزة جيو-اقتصادية سريعة. فهي تهيمن بالفعل على حلقات رئيسية في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي المُجسّد؛ إذ تنتج الشركات الصينية نحو 80% من أجهزة استشعار الليدار (LiDAR)، المستخدمة في رسم الخرائط ثلاثية الأبعاد والملاحة الذاتية للسيارات والروبوتات الزراعية وروبوتات المستودعات.

وإذا أصبحت هذه الروبوتات عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي، فقد تعتمد الدول على سلاسل التوريد الصينية بالقدر نفسه الذي تعتمد به اليوم على المعادن الحيوية، ما يمنح بكين نفوذًا اقتصاديًا واسعًا.

تمتد هذه الرهانات إلى المجال العسكري. ففي فبراير، رأى المعهد الصيني للقيادة والسيطرة، وهو جمعية علمية وطنية تابعة للدولة، أن الذكاء الاصطناعي المُجسّد قد يتيح للأنظمة غير المأهولة في الجو والبر والبحر والفضاء تبادل المعلومات، والتنبؤ بتطورات ساحة المعركة، وتنفيذ ضربات دقيقة في الوقت الفعلي. وقد يعزز ذلك قدرة جيش التحرير الشعبي على تنسيق العمليات المشتركة في بيئات متنوعة، بما فيها المناطق المحيطة بالجزر والنتوءات المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.

كذلك، يرى عدد متزايد من العلماء الصينيين أن الذكاء الاصطناعي المُجسّد قد يفتح طريقًا مهمَلًا نحو تطوير الذكاء الاصطناعي العام. ويؤكد تشانغ بو، العميد المؤسس لمعهد الذكاء الاصطناعي بجامعة تسينغهوا، أن الذكاء لا يقتصر على الإدراك، ولكنه يشمل التعلم من العالم المادي واتخاذ القرارات فيه.

ويرى أن تجسيد الذكاء الاصطناعي قد يساعد على تجاوز أوجه القصور في الأنظمة التقليدية وتسريع التقدم نحو الذكاء الاصطناعي العام. ويذهب تشو بوين، مدير وكبير العلماء في مختبر شنغهاي للذكاء الاصطناعي، إلى أن النماذج تحتاج إلى الروبوتات كي تفهم العالم المادي.

وهنا تبرز ميزة الصين التصنيعية؛ إذ يمكن لمصانعها وبيئاتها الصناعية أن توفر مجالًا واسعًا لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات واقعية. وكلما ازدادت خبرة هذه الأنظمة في التعامل مع البيئات المعقدة، تحسن أداؤها في مواقف جديدة وتسارع تطورها.

ولا يعني هذا الرهان التخلي عن المنافسة في مجال البرمجيات. فالمختبرات الصينية الرائدة، مثل DeepSeek وZ.ai، تواصل تطوير نماذج لغوية ضخمة تنافس نظيراتها الأمريكية. كما بدأت شركات ومختبرات عديدة استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة أبحاثها، في خطوة نحو ما يسميه خبراء التكنولوجيا «التحسين الذاتي المتكرر»، أي استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لتطوير أنظمة أكثر كفاءة. وقد يفضي ذلك إلى تسارع كبير في التقدم التقني.

لكن ما يميز استراتيجية بكين هو الجمع بين تطوير الذكاء الاصطناعي الرقمي وتطبيقاته في العالم المادي، وهو مجال ترى الصين أنها تتمتع فيه بتفوق كبير.

من الأسفل إلى الأعلى

لتسريع تطوير الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، شجعت بكين الحكومات المحلية على دعم الابتكار وتوسيع الإنتاج. وسرعان ما تنافست مراكز التكنولوجيا الكبرى، مثل بكين وغوانغدونغ وشانغهاي وتشجيانغ، على الريادة عبر إنشاء صناديق استثمارية، وتقديم حوافز للشركات، وتوفير مرافق متخصصة لتدريب الروبوتات.

يحاكي هذا النهج الاستراتيجية التي اتبعتها الصين لتطوير السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية؛ إذ قدمت الحكومات المحلية إعانات سخية وإعفاءات ضريبية وأراضي بشروط تفضيلية. وأسهم التنافس في خلق فائض إنتاجي وهدر واسع النطاق، لكنه ساعد أيضًا على بناء شركات قادرة على المنافسة عالميًا، مثل BYD، الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية.

لكن تمويل طفرة الروبوتات أكثر صعوبة؛ فقد أضعفت أزمة العقارات المستمرة منذ خمس سنوات الميزانيات المحلية، وقلّصت إيرادات بيع حقوق استخدام الأراضي للمطورين، وهي مصدر رئيسي لتمويل الصناعات الجديدة. لذلك، تعاني مناطق كثيرة، باستثناء الأكثر ثراءً، من نقص الموارد اللازمة لدعم القطاع.

مع تراجع التمويل الحكومي، لجأت شركات الروبوتات إلى الأسواق المالية. ففي أغسطس، طرحت شركة يونيتري، إحدى كبرى الشركات الصينية المصنعة للروبوتات الشبيهة بالبشر، أسهمها في بورصة شنغهاي، وجمعت نحو مليار دولار. وتجاوز الطلب على أسهمها المعروض، لترتفع بأكثر من 450% في أول أيام التداول. لكن الأسواق لا تزال مصدرًا محدودًا للتمويل؛ إذ لم تدرج سوى شركات قليلة أسهمها، فيما تشترط الجهات التنظيمية إثبات استقرار الإيرادات والمبيعات التجارية، وهو ما يصعب تحقيقه في قطاع لم يبلغ بعد مرحلة الانتشار التجاري الواسع.

مع ذلك، تشير مؤشرات إلى اتساع استخدام الروبوتات؛ ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ذهبت معظم مبيعات يونيتري من الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى مؤسسات التعليم والبحث، لكن أكثر من ثلثي مبيعات روبوتاتها رباعية الأرجل خُصص للاستخدامات الاستهلاكية والصناعية، مثل مراقبة المواقع الصناعية ومرافقة كبار السن، مقارنة بأقل من الثلث في عام 2022.

إذا نجحت الشركات في توظيف الأموال التي تجمعها من الدعم الحكومي والأسواق والمبيعات، فقد تدخل روبوتات أكثر إلى الاستخدام التجاري خلال السنوات المقبلة. ومع توسع استخدامها في المصانع الصينية، ستتمكن الشركات من تحقيق إيرادات أكبر وجمع بيانات واقعية تساعدها على تحسين منتجاتها وتسريع تطويرها.

ممارسة النشاط البدني

ركز وادي السيليكون على مسار واحد لتطوير الذكاء الاصطناعي، يتمثل في تحسين البرمجيات ذاتيًا، ولا سيما وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام رقمية معقدة. وساعد التقدم في البرمجة نماذج اللغة الضخمة على العمل باستقلالية أكبر وحل مسائل أصعب، حتى إنجاز براهين رياضية بالغة التعقيد. لكن الاستثمار في دمج الذكاء الاصطناعي بالعالم المادي لا يزال محدودًا، وسط افتراض أن التقدم البرمجي سيتحول تلقائيًا إلى قدرات عملية.

قد يكون هذا الافتراض خاطئًا؛ فحتى لو استطاعت نماذج الذكاء الاصطناعي أداء أعمال المهندسين والمحاسبين والمستشارين والمحامين، فإن أتمتة الاقتصاد الحقيقي أكثر تعقيدًا. فالأنظمة الرقمية وحدها لا تستطيع تشغيل المصانع أو حصاد المحاصيل أو استخراج المعادن أو خوض الحروب، كما يصعب عليها جمع البيانات اللازمة لفهم هذه المهام. ويتطلب أتمتة هذه القطاعات نماذج متطورة وكميات هائلة من البيانات المستمدة من التفاعل مع العالم المادي. لذلك، حتى لو احتفظت الولايات المتحدة بتفوقها البرمجي، فقد تلحق بها الصين أو تتجاوزها عبر نشر الذكاء الاصطناعي في قطاعات الاقتصاد الحقيقي وجمع مزيد من البيانات الواقعية.

وكلما تأخرت واشنطن في تطوير قطاعها المحلي للروبوتات، اتسعت الفجوة بينها وبين الصين. ورغم ريادة شركات أمريكية، مثل إنفيديا التي تصمم الرقائق المستخدمة في هذه الأنظمة، فإن الولايات المتحدة تضم عددًا أقل من الشركات المصنعة للروبوتات المتكاملة، وتعاني ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الكفاءات الهندسية. ويمكن للاستثمارات الرامية إلى إحياء التصنيع الأمريكي أن تعزز قدرتها التنافسية، إلى جانب إطلاق برامج تدريب في الهندسة الميكانيكية والأتمتة والروبوتات، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التي تصنع داخل البلاد.

تواجه الولايات المتحدة أيضًا اعتمادًا متزايدًا على المكونات الصينية، ما يثير مخاوف أمنية واقتصادية. فقد يتيح هذا الاعتماد للموردين الصينيين الوصول إلى بيانات حساسة، كما يمنح بكين القدرة على تعطيل الإنتاج الأمريكي إذا فرضت قيودًا على تصدير المكونات الأساسية، بما يؤثر في خطوط التجميع والصناعات التي تعتمد على الروبوتات.

وفي محاولة للحد من هذه المخاطر، حظرت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية في يوليو استيراد بعض الروبوتات الأجنبية المتطورة، بهدف منح الشركات الأمريكية فرصة أكبر لمنافسة الصين. لكن القواعد تستثني الروبوتات المستخدمة في تطوير المنتجات الأمريكية، ولا تحظر المكونات الصينية بالكامل. ورغم أن هذه الخطوة تمثل بداية، فإن الاستبعاد السريع للمعدات الصينية قد يعطل التصنيع الأمريكي بسبب نقص مكونات أساسية، مثل أجهزة الاستشعار والبطاريات.

لذلك، يتمثل النهج الأكثر فاعلية في استيراد المكونات الصينية الضرورية بصورة انتقائية، بالتوازي مع تطوير بدائل محلية وتعزيز التعاون مع دول تمتلك خبرة راسخة في الروبوتات الصناعية، مثل ألمانيا واليابان. ويمكن الاستفادة من مبادرة «باكس سيليكا» الأمريكية أو اعتماد نموذج مشابه لها لتنسيق التعاون في الذكاء الاصطناعي وسلاسل توريد أشباه الموصلات، وضمان حصول المصنعين الأمريكيين على المكونات والمعدات من مصادر موثوقة وبأسعار تنافسية.

تحتاج الولايات المتحدة إلى التعاون مع شركائها لتوسيع بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي. فبينما تستفيد الشركات الصينية من قاعدة التصنيع الضخمة وانتشار الروبوتات، تمتلك أوكرانيا بيانات فريدة من ساحات المعارك، يمكن لواشنطن التعاون مع كييف لإتاحتها للشركات الأمريكية وتسريع تطوير الروبوتات العسكرية.

سيمنح دمج الذكاء الاصطناعي في العالم المادي مزايا اقتصادية وعسكرية هائلة. وإذا أرادت واشنطن منافسة بكين، فعليها جعل الريادة في هذا المجال أولوية وطنية، وإلا فقد تطوّر أفضل النماذج بينما تجني الصين ثمار تطبيقها عمليًا.