أوتاد وأعمدة
تحسين يقين
الخميس / 3 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:20 - الخميس 15 أكتوبر 2026 19:20
أعادني تأسيس 'صالون وتد' في رام الله، ليس إلى تأمّل الفكرة، وتاريخ الصالونات الثقافية في الحضارات القديمة والحديثة، بل إلى التفكير بمفاعيل حركة الفكر والثقافة عبر حياة الإنسان على هذا الكوكب؛ فالمستقصي للمنجزات المعرفية، سيجد أنّها جاءت نتيجة تراكمات من الفعل لم تقتصر على مكان معيّن، بل استطاع الإنسان بوعيه الانتباه لتبادل المعرفة والخبرة الإنسانيّة؛ فكل مكان يزدهر معرفيّا يصبح مكانا جاذبا للمتعلمين الذين يشكّل الشغف هو الدافع الأول لرحلاتهم وراء العلماء والأدباء والفقهاء.
كان صالون الأديبة اللبنانية مَـيْ زيادة هو الصالون الذي تعرفنا عليه، ونحن في الصفوف الثانوية، وقد جاء ذكره في سياق الحديث عن تاريخ الأدب الحديث، حيث عرفنا أن مَـيْ زيادة كان لها صالون أدبي يلتقي فيه كبار الكتاب والأدباء المصريين والعرب في القاهرة، ووقتها، حسب مرحلة وعينا، فقد ربطنا صالون الآنسة مَـيْ زيادة بسوق عكاظ الذي ظهر في الأدب الجاهليّ. قلنا لأنفسنا إذن هو لقاء بين المثقفين يتحدثون في شؤون الثقافة والمعرفة.
لقد ارتبطت الثقافة بالتعليم قديما في الحيّز الخاص، ثم ما لبثت الحضارات أن فطنت الى توسيع الفضاء العلميّ، ولكنه في الوقت نفسه، بقي هناك من لديه اهتمام ثقافي خارج نطاق المؤسسات الرسميّة، لذلك ظهرت فكرة الصالونات الثقافية التي تجمع المفكرين والساسة والعلماء والأدباء، كذلك سمحت بتواجد التلامذة المميزين.
ولم يكن الصالون الثقافي ليتأسس بدون وجود فضاء خاصّ يقوم عليه من لديه الاهتمام والتقدير من النخب الحاكمة الواعية على دور الفكر والثقافة، أو ممن ينتمي لهذا العالم الذي يستقبل مريديه وزملاءه للمناقشة والدراسة النابعة عن اختيار، لا عن عمل رسميّ بأجر ودونه.
لذلك، عرفت كثير من الشعوب الصالونات الأدبية، لا سيما في بلاط الحكام والملوك، حيث كان الشعراء يتبارون بالقصائد، والفلاسفة يتنافسون في عرض الأفكار والنظريات. كما اشتهرت المجالس الخاصة في العصور القديمة لدى الفراعنة والبابليين والإغريق بوصفها تجمعات يُلقى فيها الشعر وتُعزف الموسيقى ويُؤدَّى الغناء.
إذن، فإن توصيف 'الصالون الثقافي' كمضمون، حتى قبل ظهور كلمة صالون الإيطالية المنشأ، كمكان يلتقي فيه نخبة القوم، ولكن ليس من منطلق العمل الحكومي الرسميّ، كذلك فهو يرتبط بمدى الاهتمام لدى الراعي لهكذا حضور.
إنه مجلس أو لقاء غير رسمي يجمع الأدباء والمفكرين والشعراء والسياسيين والفقهاء المنازل أو القاعات الخاصة، لتبادل الأفكار، ونقد النصوص، ولم يسلم ذلك من استعراض الكتاب وتنافسهم وكيدهم أيضا.
في التراث العربي، عُرفت المجالس الأدبية التي تشبه فكرة الصالونات المعاصرة وشكلها، مثل مجلس سكينة بنت الحسين في العصر الأموي في المدينة المنورة، ومجلس ولّادة بنت المستكفي في قرطبة بالأندلس.
ولكن للأسف فإننا حين درسنا الأدب العربيّ في كليّة الآداب، لم يهتم أساتذتنا بتنويرنا عن هكذا فكرة مهمة ساهمت في لقاء أهل المعرفة والفكر والأدب، وبالطبع لم يتيسّر لنا دراسة الظاهرة من حيث تأثر وتأثير المشاركين، كذلك لم نتلق تفسيرات حول مبادرة النساء بشكل خاصّ في تأسيس مثل هذه المنتديات؛ فقد شكّلت الصالونات قديما وحديثا متنفساً للمرأة في عصور حُرمت فيها من المشاركة في المجالات العامة، فكنّ يبرزن حضورهن الثقافيّ عبر استضافة كبار الشعراء والكتّاب في بيوتهنّ.
أما في الحضارة الأوروبية، فهي ليست استثناء عن أية حضارة أخرى سابقة أو لاحقة، فقد ازدهرت الصالونات في عصر النهضة بإيطاليا أولا بشكل خاص، خلال القرن السادس عشر، ثم انتقلت إلى فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأنجبت تجمعات كبرى مثل صالون مادلين دي سكوديري وفولتير، والتي مهدت لظهور الأكاديمية الفرنسية.
وهنا يمكن الوقوف عن التأثير والتأثير، حيث أن النقاشات التي كانت تتمّ قد مهدّت إلى وجود الإطار الأكاديميّ، والذي مثّل حتى الآن دلالة المستوى الحضاريّ.
والمهم هنا هو أن تراكمات الفعل داخل الصالونات الثقافية قد أفضى إلى بلورة أفكار هامّة، ولم تكن نتاجات عالم اللغة دي سوسير لتظهر وتتجلّى بدون الحلقة اللغوية التي ارتبط بها وارتبطت به؛ فكانت المدرسة الوصفية هي الإنجاز المميّز لتلك الحلقة، التي كان يقبل علماء اللغة عليها باختيار.
يمكن للباحث حول الصالونات الثقافية أن يصل الى معلومات عامة عنها، لكن من المفيد هو دراسة تلك الظاهرة عبر العصور، والتركيز على عدد منها خاصة في تطوير الثقافة، وإنتاج المعرفة.
لقد نشر الكاتب أنيس منصور كتابه 'في صالون العقاد كانت لنا أيام' للكاتب أنيس منصور في عام 1983، وقد استمتعت بقراءة ما تيسّر منه، حين صدوره، وكنت ما زالت في المرحلة الثانويّة، ثمّ عدت إليه في أكثر من مرّة، فتعمّقت معرفتي بأن هؤلاء المريدين للصالون كانوا من مختلف المشارب والتخصصّات، تجمعهم الجديّة، أكان منطلقها معرفيا أو ثقافيا أو سياسيا.
لذلك، فإن من يفكّر في إنشاء 'صالون' أو 'ديوانية' عليه أن يطّلع على التجاب المتنوعة، ويركّز على الإنجازات، وبشكل رئيسيّ على ارتباط النقاشات بحياة الشعوب، لأنه في فترات معيّنة كانت الأمور تتمّ لتحقيق 'الوجاهة'، خاصة لدى من اغتنى ويريد تحقيق حاجات تتعلّق بالوضع الاجتماعيّ.
ولنا أن نتذكر نقد المثقفين وغيرهم لصالونات لم يكن هدفها الرئيسيّ هو تحقيق هدف اللقاء بالتطوير بما ينعكس على حياة الشعوب، ولذلك صرنا نسمع عبارة 'كلام صالونات'، من منطلق نقديّ للقاء النخب المتمركزة على مصالحها الخاصّة.
أعجبني كما أعجب آخرون اختيار اسم 'وتد'، والذي بمجموعه يتحقق فعل الأوتاد في تثبيت الخيمة، حيث لن يؤدي العمود دوره في النهوض بالخيمة دون تضافر الأوتاد، كذلك فإن للأوتاد دورا في التثبيت بالأرض بما لها من خصوصيّة فلسطينيّة، تحتاج إلى توطين الثقافة المقاومة للتهجير.
وعليه، فيمكن ل 'صالون وتد' في رام الله الإضافة لفلسطين من خلال التركيز على 'إنتاج المعرفة' في سياق وطنيّ وقوميّ وإسلاميّ وعالميّ، بما يقوّي خطابنا الفكريّ ويرسّخ سرديتنا الفلسطينية الحقيقيّة، في عالم بدأت الشعوب تدرك أكاذيب ادعاءات الاحتلال.
ويمكن عمل توأمة مع منتديات عربية ودولية، عبر تقنيات التواصل عن بعد، من أجل لا تثبيت حقوقنا فقط، بل وفكّ الارتباط الواهي بين المستوطنين قاطعي أشجار الزيتون وبين الأرض المحتلة، وبيان الهدف الاستعماريّ الخبيث الذي لا يمكن أي دين أن يكون منطلقا له.
لذلك لنُكثر من الأوتاد والأعمدة في بلادنا العربيّة بما ينطلق من مشاعر الشغف والاهتمام، لا بدافع الاستعراض أو الوجاهة، من أجل أن يكون بيتنا العربيّ قويّا أمام الريح؛ فمصيرنا الثقافي والوجودي واحد.