روضة الصائم

فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

 

في سورة التوبة ذُكر العفو قبل العتاب، قال الله تعالى: «عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ»، وفي سورة التحريم اختلف الأسلوب، فلم يُذكر عفو مع العتاب، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ»، ما السبب في اختلاف أسلوبي العتاب؟

هذا سؤال جميل يحمل انتباهًا من صاحبه، وقد يقع في هذا كثيرون ممن يقرؤون سورة التحريم، فقد رأيت كثيرًا من طلبة العلم، بل رأيت كثيرًا ممن فسر سورة التحريم، الآية الأولى منها، يقع في شيء من اللبس، فقول الله تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ»، لا يراد به المعتبة، السورة كلها جاءت للتلطف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لرفع الحرج عنه، للدفاع عنه، ولإظهار عناية ربه تبارك وتعالى به عليه الصلاة والسلام، في وسط عائلته، هذه هي روح السورة، ليست السورة في مقام التثريب والمعاتبة على ترك ما هو أولى وأفضل، كما هي آية التوبة: «عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ»، فقدم العفو ثم جاء العتاب، لا، هناك حادثة فيها ضرر على عموم المسلمين وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ أذن عليه الصلاة والسلام لكل من جاء يستأذنه في ترك الجهاد في سبيل الله، فأرشده ربه تبارك وتعالى إلى أن الأولى والأكمل في حقه كان ألا يأذن لهم.

فأما سورة التحريم، فهي في إظهار الحب والعطف والحنو من الله تبارك وتعالى برسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا الاستفهام: «لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» يحمل معنى النفي، أي: ليس هناك ما يدعوك إلى أن تحرم أمرًا أحله تعالى لك، أن تلتزم بالامتناع عن أمر أحله تعالى لك من أجل مراعاة ما فيه رضا أزواجك، ليس هناك ما يدعوك إلى ذلك، فغيرة الله عز وجل عليك أعظم مما ينشأ بين نسائك من غيرة.

سواء كان امتناعه عليه الصلاة والسلام بيمين أو بدون يمين، وقد تقدم في جواب قديم أن العتاب هنا على ما يتعلق بالعسل الذي شربه أو كان يشربه عليه الصلاة والسلام عند السيدة زينب رضي الله تعالى عنها، فغارت السيدتان حفصة وعائشة رضوان الله تعالى عليهما، فتمالأتا أنه إذا دخل عندهما تقول كل واحدة منهما: أشربت مغافير؟ ومغافير هو نوع من الشراب فيه رائحة مخمرة.

فامتنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شرب العسل، قيل بيمين، وقيل بدون يمين، والسياق القرآني يصلح للمعنيين، يعني الآية بعدها: «قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ»، قيل: هذه رخصة وتوسعة من الله تبارك وتعالى لما التزمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدم العود إلى ما كان قد صدر منه من شرب العسل، وقيل بأنه حلف، فالآية على ظاهرها، إذًا الآية كلها هي للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليست للعتاب.

وكان أب يرى ابنه شديد المذاكرة، كره، يصل كلال الليل بكلال النهار، إن وُجد مثل هذا الابن، فيأتي ويقول له: لِمَ تذاكر، أي: كل هذه المذاكرة؟ أنت لست بحاجة إلى كل هذه المذاكرة، هذا للتخفيف عنه، للتيسير، هذه هي روح هذه الآيات في سورة التحريم، نعم، للتيسير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولبيان عظيم منزلته عند الله تعالى.

وأن الله قد أباح له، فليس قد أباح له هذه الطيبات، فليس هناك ما يمكن أن يدعوه إلى أن يمتنع عن شيء من المباحات؛ لأنه بإتيانه لها يظهر نعمة الله عز وجل عليه وشكره لله تبارك وتعالى، ويظهر أنه مؤثر لطاعة الله تعالى، ولا يمكن أن يزحزحه عن ذلك شيء، وأن الله عز وجل هو الذي يتولاه بالرعاية والتوجيه والتسديد، وهو الذي يبين له ما يمكن أن يدور في الخفاء داخل بيته من أسرار يمكن أن تتمالأ عليها أمهات المؤمنين، أزواجه رضوان الله تعالى عليهن، فيما يمكن أن ينشأ بين النساء عادة، بين الضرائر عادة، وهذا كان مبعث ما نشأ بينهن، ما ينشأ بين الضرائر عادة.

فجاءت سورة التحريم لبيان أنه ليس في حاجة إلى أن يمتنع عن شيء أباحه الله تبارك وتعالى له، هذا هو الفارق الجوهري بين كل المواضع التي فيها شيء من العتاب لرسول الله صلى الله عليه وآله، فيأتي قبلها بيان العفو عنه وترك المؤاخذة والتثريب، ثم يأتي بعد ذلك محل المعتبة، أما سورة التحريم فهي مختلفة تمامًا، والله تعالى أعلم.

هل تعطي السورة تسامحًا في مثل هذه الحالات التي تنشأ بين الزوجات أو الضرائر، كما تفضلتم، بحيث لا يعتبر ذلك -يعني- تصرفًا غير أخلاقي مثلًا؟ يمكن أن ينشأ ويمكن أن يتسامح؟

أم ترضع طفلها، وعندما حاولت فطامه كان يصرخ ويبكي بشدة، فاستمرت في إرضاعه، والآن عمره أربع سنوات ولا يزال يرضع، ما الحكم في ذلك، وما التوجيه الصحيح لفطامه؟

أما التوجيه الشرعي فهو المبادرة إلى الفطام، أما كيفية ذلك، فينبغي لها أن تستعين بأهل الخبرة والدراية من المختصين في مثل هذه الأمور، هي قد أخطأت؛ لأن من شأن الرضيع عند فطامه أن يبكي، ولكنه سيبكي بضع ساعات في الليلة الأولى، ثم قد يبكي أقل من ليلته الماضية، وهكذا بالتدريج.

ويمكن إيجاد شيء من البدائل، أما أن تستمر، إيه، إلى أن يبلغ الطفل أربع سنوات، فهذا يُخشى عليه من الآثار النفسية، ومن عدم اكتمال نموه النفسي، واكتمال شخصيته باستمرار تعلقه بالرضاع من أمه، فلذلك قلت بأن الحكم الشرعي هو المبادرة إلى الفطام، على أن يكون ذلك بنصح وتوجيه من أهل الدراسة والاختصاص، حتى لا يقع ضرر، فالآن نحن إزاء أمر واقع، فلا بد فيه من التدرج، ومن اتباع الوسائل التي يعرفها المختصون، فلتلجأ إليهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى لها التوفيق.

إذا كذب شخص أمام القاضي وحرف الحقيقة حتى صدر حكم قضائي أوقع الظلم بشخص بريء، وأُلزم بدفع مبلغ لشخص آخر يطالبه به، مع علم ذلك الشخص بوجود الكذب والتدليس، فهل يجوز له أن يأخذ هذا المبلغ بحكم القضاء، وهل يعد الآخذ شريكًا في الظلم أو الإثم؟

هذه المسألة بينها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه: «إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلي، فأقضي لكم على نحو، فأحكم على نحو ما أسمع منكم، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما يقتطع قطعة من نار»، والعياذ بالله، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فإذا كان هذا يعلم بأنه توصل إلى أن يأخذ من حق أخيه بالكذب والزور والتدليس وبشهادة الزور، فكيف يستسيغ بعد ذلك أن يأكل الحرام؟ فهو لو كان في غير مجلس قضاء لما ساغ له أن يأخذ من مال أخيه شيئًا بغير طيب نفس، فليس له أن يأخذ ذلك عدوانًا أو ظلمًا، أو أن يسرق، أو أن يعمد إلى شيء من التشويه والتدليس والكذب والتزوير، فهل يمكن أن يكون حكم القاضي محلًا لما يعلم أنه حرام عليه؟ لا يمكن.

فهناك بعض الأمور المشتبهة، هذا باب آخر، أما ما يعلم أنه ليس بحق له، وأنه ما وصل إليه إلا بهذه الوسائل من الظلم والبهتان والزور والكذب، فليس له أن يأخذ منه شيئًا، بل عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، وأن يرد الحق إلى أهله، والله تعالى أعلم.

في قول النبي صلى الله عليه وسلم، حديث مأثور عنه: «صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه، فيأخذ بثوبه أو قال بيده، كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، قال فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة»، ما مدى صحة هذا الحديث؟

الحديث عند الإمام مسلم، وأكثر شراح الحديث على أنه صحيح، والمقصود به تسلية من فُجع بفقدان ولد صغير له، من ذكر أو أنثى، وهذا المعنى وجدت فيه أحاديث كذلك في الصحاح والمسانيد والسنن، كلها فيها مبشرات وتسلية للوالدين اللذين يفقدان أحد أولادهما أو ولدًا من أولادهما صغيرًا.

وهذا لا يعني القطع بمصير أطفال المسلمين؛ لأن هذه الأحاديث لا تبلغ حد التواتر، وهذه المسألة من مسائل فرعية في الاعتقاد، فلذلك دار فيها خلاف كبير بين أهل العلم، يعني لأن مقتضى معنى هذا الحديث: الدعموص، هي جمع دعموص، والدعموص هو دويبة تعيش في الماء ملازمة له، فكأنهم من أهل الجنة، وهم يشفعون لآبائهم وأمهاتهم لإدخالهم إلى الجنة، فقلت إن المسألة بين علماء المسلمين محل خلاف.

لأن الروايات فيها روايات آحادية، وفيها روايات أيضًا بعضها متعارضة، فمن أجل ذلك عُدت من فروع العقيدة التي لا حاجة إلى التخطئة فيها والتشدد في الرأي، لكن فيها الروايات كافية للغاية منها، وهي التسلية، والمواساة والتعزية لمن فُجع بفقدان ولد صغير له، من أب أو أم، والله تعالى أعلم.

في قوله تعالى: «وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ»، قال ذلك على لسان الرجل المؤمن من آل فرعون، لماذا قال: «بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ»، ولم يقل: «يصبكم الذي يعدكم»؟ ما دلالة «بعض»؟

هذه الآية، البعض في هذه الآية، هذه مما اختلف فيها المفسرون، فمنهم من يقول بأن «بعض» صلة، وهذا قول لا وجه له، فيقولون إن خلاصة هذا القول إنها بمعنى «كل»، إنها، يعني، زائدة، وهذا بعيد عن بلاغة القرآن، وقيل بأن «بعض» ينصرف إلى ما توعدهم به، أي ما توعدهم به موسى عليه السلام من عذاب الدنيا، فقد توعدهم بعذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة، فمؤمن آل فرعون الآن يحدثهم عما يمكن أن يروه من عذاب الدنيا، ولذلك هو بعض ما توعدهم به موسى عليه السلام، وليس كل ما توعدهم به.

وأجود ما يمكن أن يقال، وهو ما ذكره العلامة ابن عاشور، بأن «بعض» هنا مقصودة، فإن مؤمن آل فرعون، باختصار شديد، أراد أن يدفع عن موسى عليه السلام القتل، وأن يبلغ فرعون وملأه، وقد كان من آل فرعون، ولذلك استعمل منزلته تلك في طاعة الله تبارك وتعالى، وتكلم بما قصه لنا كتاب ربنا تبارك وتعالى، ومما قصه من حكاية على لسانه هذه الجملة، فهو يريد إقناعهم، فابتدأ بقوله: «إن يكذب فعليه كذبه»، لا يضركم، وسيُعرف عنه أنه كاذب، حتى يتقبلوا منه، ولا يظهر شدة مناصرته لموسى، وأنه معه، وأنه من المؤمنين به، وإنما يقيم عليهم الحجة ويقنعهم عقلًا، ويظهر حرصه على ما فيه مصلحتهم.

فمن هذا الباب قدم ما يتعلق باحتمال الكذب، ثم قال: «وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم»، فتصبكم بوارقه، أي بدايات هذا العذاب، لعلكم بعد ذلك تؤمنون، فتتبعون، فتغنمون، فهو هذا الذي يريده، أي: يصبكم بعض الذي يعدكم، أي: تصبكم بوارقه، فتطيعوه، فتتبعوه، فتعلموا صدقه، فتتبعوه، فإن لم يحصل ذلك أصابكم كل ما توعدكم به.

فالآية الكريمة في ذروة البلاغة والبيان في حكاية هذه المحاورة التي كانت بين هذا الرجل المؤمن الذي قص لنا ربنا تبارك وتعالى قصته مع فرعون وملئه، فهذه اللفظة مقصودة وتدل على هذه المعاني الجلية الظاهرة، والله تعالى أعلم.

ما قولكم فيمن أخذ قيلولة بعد طواف الوداع في العمرة بسبب الإرهاق والتعب، وأيضًا من اشترى بعض الطعام ليتقوى للسفر؟

بما أن الأول قد غلبه النوم بسبب الإرهاق والتعب، كما قال، وعسى أن تكون هذه القيلولة قصيرة يسيرة، ريثما يصله أصحابه وتتهيأ الحافلة، فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، وكذلك هذا الذي احتاج إلى طعام أو شراب فلم يجد إلا أن يشتري، فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى.

والأولى في حقه أن يهيئ طعامًا أو زادًا لما بعد وداعه حتى لا يضطر إلى البيع والشراء، لكن إن احتاج، لحاجته إلى الأكل أو الشرب، فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.