روضة الصائم

د. عبدالله بن سعيد المعمري: رسوخ الإيمان يحصّن طالب العلم من الفتن الفكرية وإغراءات الدنيا

أكد أن الإخلاص والاجتهاد والعمل بالعلم ركائز لبناء شخصية علمية متوازنة

 

أوضح الشيخ الدكتور عبدالله بن سعيد المعمري أن رسوخ الإيمان يمثل ركيزة أساسية في بناء شخصية طالب العلم الشرعي، وحمايته من الفتن الفكرية والسلوكية، وما قد يواجهه من إغراءات المال والشهرة والمناصب، مشيرًا إلى أن تحصيل العلم لا يكتمل بمجرد حفظ المسائل أو الحصول على الشهادات، وإنما يتحقق أثره الحقيقي عندما يقترن بإخلاص النية لله تعالى، والاجتهاد في الطلب، والعمل بما يتعلمه الإنسان، والتزام التقوى، والرجوع إلى العلماء الراسخين في القضايا التي تحتاج إلى علم وخبرة وتقدير للعواقب، وذلك في محاضرة بعنوان «رسوخ الإيمان وأثره على طالب العلم»، بكلية العلوم الشرعية بمسقط.


وبيّن أن طالب العلم الشرعي يواجه في مسيرته جملة من التحديات المتصلة بالفكر والسلوك ومتطلبات الحياة، الأمر الذي يستدعي إعدادًا علميًّا وإيمانيًّا متوازنًا، يتيح له التعامل مع هذه التحديات بوعي وبصيرة، بعيدًا عن الاندفاع أو التأثر بالدعوات التي تتخذ من بعض الأخطاء والممارسات المنحرفة مدخلًا للتشكيك في أصول الدين ومناهج العلماء، مشيرًا إلى أن كثرة الأفكار المطروحة في الساحة، وتعدد المؤثرات التي يتعرض لها طلبة العلم، يجعلان الحاجة ملحة إلى توجيه علمي رصين ومرجعية مؤهلة تساعدهم على فهم المسائل في سياقاتها الصحيحة، والتمييز بين الاجتهاد المنضبط والانحراف الفكري، وبين الإصلاح المسؤول والتصرفات التي قد تترتب عليها نتائج لا يدرك أصحابها عواقبها.


وتناول المحاضر مفهوم طالب العلم، موضحًا أن وصف الطالب يرتبط بالسعي والبحث والتتبع من أجل تحصيل المعرفة، وأن العلم في ذاته واسع المجالات ومتجدد، ولا يمكن حصره في حدود ضيقة، غير أن الحديث في هذه المحاضرة ينصب بصورة خاصة على العلوم الشرعية المستنبطة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يعين على فهمهما واستنباط الأحكام والمعاني منهما.


وبيّن أن العلوم الشرعية تشمل مجالات متعددة، من بينها العقيدة والتفسير والحديث والفقه وأصوله، إلى جانب علوم اللغة والمنطق وغيرها من العلوم التي تساعد على فهم النصوص الشرعية واستيعاب دلالاتها.

وأكد أن هذا التحديد لا يعني إخراج سائر العلوم النافعة من دائرة العلوم المشروعة، فالطب والهندسة والإدارة والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع والإعلام والتربية وغيرها من المجالات تندرج ضمن العلوم التي يحتاج إليها الإنسان والمجتمع، متى كانت في إطار ما يأذن به الشرع.


وشدد على أن هذا الفهم يعكس شمولية الدين واتصاله بمختلف جوانب الحياة، بعيدًا عن التصورات التي تفصل الدين عن الواقع أو تحصر أثره في جانب محدد من حياة الإنسان، إلا أن التخصص في العلوم الشرعية يقتضي عناية خاصة بالمصادر الأصلية، وفهمًا لأدوات الاستنباط، وإدراكًا للفروق بين النصوص القطعية والمسائل الاجتهادية، وبين ما يدخل في مجال البحث والنظر وما ينبغي التسليم فيه لما ثبت بالدليل.


وأضاف أن طالب العلم الذي يتخصص في أصول الدين أو الفقه أو الحديث أو التفسير أو الاقتصاد الإسلامي، يتحمل مسؤولية تتجاوز حدود التحصيل الأكاديمي، إذ ينبغي أن تنعكس معارفه على سلوكه ومواقفه وطريقة تعامله مع الناس والقضايا العامة، ووضع المعمري إخلاص النية لله تعالى في مقدمة الشروط التي ينبغي أن تتوافر في طالب العلم، مؤكدًا أن طلب العلم عبادة، وأن العبادة لا تؤتي ثمرتها المرجوة إلا إذا اقترنت بالإخلاص، وتجرد صاحبها من المقاصد التي تصرفه عن الغاية الأساسية من التعلم.


وأوضح أن طالب العلم يحتاج إلى تحديد وجهته منذ بداية الطريق، وأن يسأل نفسه عن الغاية التي يسعى إلى تحقيقها من وراء ما يتعلمه، فهناك نيات صالحة تجعل طلب العلم وسيلة للتقرب إلى الله تعالى، ومنها رفع الجهل عن النفس، والعمل بما يتعلمه الإنسان، وتعليم الآخرين، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما حذر من أن يتحول العلم إلى وسيلة لتحصيل الجاه أو طلب الشهرة أو التفاخر أمام الآخرين أو الحصول على مكاسب دنيوية، أو أن يستخدمه صاحبه لتبرير المواقف التي تخدم أصحاب النفوذ والمصالح، من خلال تأويل النصوص وتحميلها ما لا تحتمل، أو تسخير الفتاوى لإرضاء جهة أو شخص على حساب الحق.


وأشار إلى أن فساد النية قد يحرم طالب العلم بركة ما يتعلمه، حتى وإن تمكن من جمع المعلومات أو نال شهادات علمية، لأن المقصود من العلم أعمق من امتلاك المعارف والقدرة على استحضار الأقوال، فهو بناء للوعي، وتهذيب للنفس، وإعانة على معرفة الحق والعمل به، مؤكدًا أن من العلامات التي يمكن أن يختبر بها الطالب إخلاصه، مدى استمراره في طلب العلم بعد الحصول على الشهادة أو الوظيفة أو بلوغ المرتبة التي كان يسعى إليها.

فإذا كان تحصيله مرتبطًا بامتحان أو شهادة أو منصب، ثم انقطع عن القراءة والبحث بمجرد بلوغ غايته، فإن ذلك يستدعي منه مراجعة نيته ومقاصده.


وقال إن أبواب العلم تظل مفتوحة أمام الإنسان مهما بلغ من التحصيل، وإن الشهادة الجامعية لا تعني انتهاء رحلة التعلم، كما أن بلوغ مرتبة علمية لا يعفي صاحبها من مواصلة البحث والمراجعة والتزود بالمعرفة، لافتًا إلى أن تقدير العلماء ينبغي أن يكون قائمًا على العلم والعمل والفضل، لا على الألقاب وحدها، مبينًا أن المكانة العلمية الحقيقية تتكون من المعرفة الراسخة والسلوك المستقيم والقدرة على نفع الناس، وليست مرتبطة بما يسبق الاسم من ألقاب أو بما يحيط بصاحبه من مظاهر اجتماعية.


كما دعا طلبة العلم إلى صيانة مكانة العلم عن الابتذال، وألا يجعلوا ما يحملونه من معرفة وسيلة للتقرب إلى أصحاب المال والسلطة، أو لتحقيق مصالح شخصية على حساب استقلال الموقف العلمي، وأوضح أن احترام أهل العلم وتقديرهم وتكريمهم أمر محمود، غير أن الخلل يقع عندما يصبح المقابل المادي أو المكسب الشخصي هو الدافع الأساسي إلى أداء الواجب العلمي، أو عندما يتنازل الإنسان عن مقتضيات العلم من أجل منفعة عابرة.


وانتقل المحاضر إلى أهمية الاجتهاد في تحصيل العلم، مبينًا أن تعظيم العلم يظهر في مقدار ما يبذله الطالب من جهد ووقت، وفي استعداده لتحمل المشقة والصبر على طول الطريق، موضحًا أن المعرفة التي تستحق أن يسعى إليها الإنسان تحتاج إلى مثابرة ومراجعة وتكرار، وأن طالب العلم لا يستطيع بلوغ مراتب التمكن بمجرد الرغبة أو التمني، وإنما يحتاج إلى عمل متواصل يتناسب مع قيمة الغاية التي يسعى إليها.


وأشار إلى أن طلب العلم قد يقتضي من صاحبه التضحية ببعض أوقات الراحة، وتنظيم عاداته اليومية، وتقديم القراءة والبحث على بعض الملذات التي تستغرق وقتًا طويلًا، فضلًا عن تحمل مشقة الانتقال إلى المؤسسات العلمية، والابتعاد عن الأهل في بعض مراحل الدراسة، ومواجهة الظروف التي قد تعترض طريقه، مؤكدًا أن الصبر من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، لأن التحصيل يمر بمراحل تتطلب طول النفس، والقدرة على تحمل التوجيه والتصحيح والمراجعة، والاستعداد لإعادة دراسة المسائل التي لم يستوعبها على الوجه المطلوب.


وأشار إلى أن علاقة الطالب بمعلمه ينبغي أن تقوم على الثقة في التوجيه العلمي، ما دام المعلم يريد له الخير ويأخذ بيده إلى التمكن، وأن تقبل التصحيح والتوجيه جزء من العملية التعليمية، وليس انتقاصًا من شخصية المتعلم أو قدراته، مستشهدًا بما كان عليه السلف من الحرص على تحصيل المعرفة، وما بذلوه من جهد في الرحلة لطلب العلم وسماع الحديث، موضحًا أن طالب العلم قد يحتاج إلى الجلوس في مجالس من هم أكثر منه معرفة، مهما بلغ مستواه في تخصص آخر، لأن التواضع العلمي يقتضي الاعتراف بحدود المعرفة الشخصية.


وأضاف أن العالم المتخصص في فن معين قد يكون مبتدئًا في فن آخر، ولا ينتقص ذلك من مكانته، وإنما يعكس إدراكه لاتساع المعرفة وتعدد مجالاتها. ومن ثم، فإن الاعتراف بالحاجة إلى التعلم، والجلوس إلى أهل الاختصاص، وطرح الأسئلة، ومراجعة المسائل، كلها مظاهر تدل على احترام العلم وتقدير قيمته، كما حذر من الكبر الذي يدفع بعض الطلاب إلى الاستعجال في إصدار الأحكام أو اعتقاد بلوغ مرتبة الاجتهاد قبل استكمال أدواته، مؤكدًا أن العلم يحتاج إلى تواضع وصبر وتدرج، وأن استعجال النتائج قد يفضي إلى أخطاء في الفهم والاستنباط.


ولفت إلى أن قيمة الجهد المبذول في طلب العلم تتضح عند مقارنته بجهود يبذلها بعض الناس في مجالات أخرى من أجل تحقيق أهدافهم، مشيرًا إلى أن بلوغ التميز في أي مجال يحتاج إلى تدريب وممارسة، فما بالك بالعلم الشرعي الذي تتصل به معرفة الأحكام وفهم النصوص وتوجيه الناس، مشددًا على أن الطالب ينبغي أن يجعل التعلم ممارسة مستمرة في مختلف الظروف، في الحضر والسفر، وفي مراحل الشباب وما بعدها، وألا يتوقف عن القراءة والبحث لمجرد حصوله على قدر من المعرفة، لأن العلم يتسع كلما ازداد الإنسان منه.


وأوضح أن العلم النافع هو الذي يورث صاحبه خشية الله تعالى، ويجعله أكثر وعيًا بحدود الحلال والحرام، وأشد حرصًا على أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وأكثر مسؤولية في أقواله وأفعاله ومواقفه، مشيرًا إلى أن خطورة العلم الذي ينفصل عن العمل تكمن في أن صاحبه قد يستخدم ما لديه من معرفة في تبرير أخطائه أو تجاوز الحدود الشرعية، بدلًا من أن تكون المعرفة وسيلة لتصحيح السلوك وتقويمه.


وبيّن أن الرسوخ العلمي لا يقاس بكمية المعلومات المحفوظة وحدها، وإنما بقدرة الإنسان على فهمها في مواضعها الصحيحة، واستحضار مقاصدها، والعمل بمقتضاها، مع إدراك أن العلم مسؤولية وأمانة، وأضاف أن طالب العلم مطالب بمراقبة نفسه باستمرار، وأن يراجع أثر ما يتعلمه في علاقته بالله تعالى وفي تعامله مع الآخرين، لأن المعرفة التي لا تصحبها خشية وتقوى قد تتحول إلى حجة على صاحبها بدلًا من أن تكون عونًا له.


كما دعا إلى تجنب توظيف النصوص الشرعية في خدمة الأهواء والمصالح، أو اتخاذ المعرفة وسيلة لتبرير الظلم أو تمرير المواقف التي تخالف مقتضيات الحق والعدل، مؤكدًا أن العالم أو طالب العلم ينبغي أن يكون مستقلًّا في موقفه العلمي، وأن يزن أقواله وأفعاله بميزان الدليل، لا بميزان المكاسب والمصالح، وأن يحافظ على قدر العلم الذي يحمله، وألا يسمح للمغريات الدنيوية بأن تصرفه عن رسالته.


وتطرق المحاضر إلى جملة من التحديات الفكرية التي تواجه طلبة العلم الشرعي، مشيرًا إلى أن بعض الدعوات المعاصرة تنطلق من نقد أخطاء وقعت في فهم الدين أو في ممارسات بعض المنتسبين إليه، ثم تتوسع في نقدها لتصل إلى التشكيك في المرجعيات العلمية أو الدعوة إلى مناهج لا تنسجم مع أصول الاستدلال الشرعي.


وأوضح أن من بين هذه القضايا ما يتعلق بالعلاقة بين العقل والنقل، مؤكدًا أهمية العقل في الفهم والاستنباط والنظر، مع ضرورة إدراك حدوده ومجالات عمله، وعدم تحميله ما لا يستطيع الإحاطة به، وبيّن أن العقل من النعم التي أكرم الله بها الإنسان، وأن الإسلام يدعو إلى التفكير والنظر والتدبر، غير أن ذلك لا يعني جعل العقل البشري حاكمًا مستقلًّا على كل ما ورد في النصوص، ولا يعني في المقابل تعطيله أو إلغاء دوره في فهم الأحكام واستيعاب دلالاتها.


وأكد أن المنهج المتوازن يقوم على إعطاء العقل مجاله الذي يستطيع العمل فيه، والرجوع إلى الوحي في القضايا التي لا تستقل العقول بإدراك حقيقتها، ومن ذلك تفاصيل الغيب وما يتعلق بحقيقة الذات الإلهية وصفاتها، وما ثبت من أمور لا يمكن إخضاعها للتجربة الحسية المباشرة، وأشار إلى أن الخلل قد يقع عندما يتجاوز الإنسان حدود العقل فينفي ما لا يستطيع إدراكه، مع أن عدم الإحاطة بالشيء لا يعني استحالته، كما أن استبعاد أمر ما لا يكفي للحكم ببطلانه إذا ثبت بدليل معتبر، ودعا إلى التمييز بين ما يحكم العقل باستحالته، وما يستبعده من دون أن ينفي إمكانه، مؤكدًا أن طالب العلم ينبغي أن يتعامل مع النصوص والأدلة بمنهج علمي متكامل، يراعي ثبوت النص ودلالته، ويضع المسائل في سياقها الصحيح.