«ميسور» وعهد الصداقة والتعاون مع عُمان
عندما تتكلم الوثائق
الخميس / 3 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:10 - الخميس 15 أكتوبر 2026 19:10
منذ قرون طويلة، كان الساحل الجنوبي الغربي لشبه القارة الهندية المعروف بـ(ساحل المالابار/ المليبار) وجهة حيويّة لعُمان، وقد ارتبط الجانبان بعلاقات تاريخية بحرية قامت على أساس التبادل التجاري، والتواصل الثقافي، والهجرات المتبادلة، لتنسج خيوطًا من العلاقات الإنسانية والحضارية لقرون طويلة.
ومنذ القرن السادس عشر الميلادي واجه المحيط الهندي والخليج العربي موجات استعمارية من قبل البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين والإنجليز.
وفي القرن الثامن عشر الميلادي تحديدًا، فرضت السياسة الاستعمارية ظروفًا دولية متأزمة في المحيط الهندي والخليج العربي، أسهمت في تشكيل العلاقات السياسية بين القوى الفاعلة.
وكانت عُمان في عهد دولة اليعاربة قوة بحرية وتجارية فرضت وزنها على المنطقة، وفي أواخر عهد اليعاربة حدث بعض الضعف بسبب الخلافات في مؤسسة الحكم، إلا أن الإمام المؤسس للدولة البوسعيدية (1744-1783م) استطاع توحيد الجبهة الداخلية واستعادة مستوى القوة المعهود في الجانب الإقليمي والدولي.
أما شبه القارة الهندية فكانت تتنازعها قوى كثيرة محلية وخارجية (استعمارية)، ومن أهم القوى التي برزت في القرن الثامن عشر الميلادي مقاطعة أو مملكة ميسور الواقعة في الجنوب الغربي من شبه القارة الهندية -اليوم هي مقاطعة إدارية تقع في الجزء الجنوبي من ولاية كارناتاكا في الهند- وتمتعت هذه المملكة بخصوصية في علاقتها مع عُمان في عهد الإمام المؤسس وعهد ابنه السيد سلطان (1792-1804م)، يمكن وصفها بعلاقة صداقة وتعاون وثيقة.
ويحسن بنا بادئ ذي بدء التعريف بهذه المقاطعة أو المملكة. مقاطعة أو مملكة ميسور هي مملكة سابقة في جنوب الهند، تأسست في عام 1399م، وحكمتها عائلة آل ووديار من عام 1399م حتى استقلال الهند من الاحتلال البريطاني عام 1947م.
شهد القرن السابع عشر الميلادي توسعًا هائلًا في أراضيها، ووصلت إلى قمة قوتها الاقتصادية والعسكرية وهيمنتها في النصف الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي على يد الحاكم الفعلي حيدر علي وابنه السلطان تيبو، تحديدًا خلال الفترة (1760-1799م). وعلى الرغم من وجود ملوك من أسرة آل ووديار خلال حكم حيدر علي وتيبو سلطان، إلا أنهم كانوا مجرد رموز. وبعد وفاة تيبو في الحرب الرابعة عام 1799م، أعاد الإنجليز أسرة آل ووديار للحكم.
إن الناظر في هذه العلاقة بين عُمان وميسور لا يمكن أن يقرأها خارج توجه العلاقات الخارجية في عهد الإمام المؤسس الذي استطاع الحد من التبعية الاستعمارية تزامنًا مع استعادة سلطة الحكم العُماني بعد حالة التراجع التي واجهت عُمان في أواخر عهد اليعاربة.
فعلى الرغم من الاتجاهات المعتدلة لسياسة الإمام أحمد بن سعيد، وعلى الأخص في عصر النهوض التجاري وانفتاح عُمان على الخارج، لم تقم علاقات رسمية أو خاصّة مع بريطانيا. بل إن الإمام رفض طلب شركة الهند الشرقية إقامة مركز لها في مسقط.
وعلى الجهة المقابلة، زار عُمان مبعوث حاكم مقاطعة ميسور 'حيدر علي'، واستقبله الإمام، مما أدى إلى توثيق العلاقات التجارية مع ميسور، وعيّن حاكم ميسور ممثلًا تجاريًا لمقاطعته بمسقط.
كانت سفن مقاطعة ميسور ترتاد عُمان بما يقارب خمس سفن سنويًّا. وكانت السفن العُمانية تتردد على الموانئ الهندية لتستورد البضائع المتنوعة مثل: الأرز والتوابل والأخشاب، كما تزايدت أعداد الهنود في مسقط خلال فترة حكم الإمام أحمد بن سعيد.
وتوطدت علاقة الإمام أحمد بن سعيد مع المقاطعات الهندية في المجمل، حيث قام الإمام أحمد بن سعيد بمساعدة شاه علم إمبراطور المغول في الهند (1759-1788م) في حربه ضد القراصنة الذين كانوا يعوقون تجارة الأرز بين مانجلور -جنوب غرب الهند- ومسقط، وأرسل حاكم مانجلور مبعوثًا يُدعى طيبو صاحب إلى الإمام أحمد عام 1776م، فعقدت بينهما معاهدة تقضي باستمرار علاقة الصداقة بين البلدين، وإنشاء دار في مسقط لمبعوث الحاكم المغولي سميت ببيت النواب، وتعهد حاكم مانجلور بالوقوف إلى جانب الإمام في حالة تعرض عُمان للغزو الخارجي.
وبالعودة إلى مقاطعة ميسور، فقد أرسل الإمام أحمد بن سعيد، للتعبير عن خصوصية الصداقة العُمانية-الهندية، سفينة الرحماني التي كانت قد خاضت معركة شط العرب ضد الفرس (1775-1776م)، هديةً للسلطان تيبو زعيم مقاطعة ميسور، حيث اعتلى تيبو سلطان أو سلطان علي خان عرش مقاطعة ميسور في ديسمبر 1782م بعد وفاة أبيه حيدر علي؛ فورث دولة تشكلت منذ عام 1760م من تحالف بين القوة العسكرية لحيدر علي التي باتت أقوى جيش غير أوروبي في الهند آنذاك، والنظام السياسي المغولي، ومملكة راجا الهندوسية الوراثية المحلية.
هذا النجاح الذي تحقق في العلاقة مع مقاطعة ميسور على وجه الخصوص والمقاطعات الهندية عمومًا، كان ناتجًا عن اهتمام الإمام أحمد بالأسطول الحربي الذي دافع عن السواحل العُمانية وأمَّن الحماية لطرق التجارة من القرصنة، ونتج عن الأمن والاستقرار في عُمان ازدهار الموانئ العُمانية؛ خاصة ميناء مسقط، فهجر التجار، خاصة الأوروبيين، ميناء بندر عباس وتوجهوا إلى مسقط بسبب مرافئها الآمنة وحاكمها الذي منح الحرية للتجار في ممارسة أعمالهم التجارية وشعائرهم الدينية.
وعلى وجه الإجمال فإن السياسة الخارجية لعُمان في عهد الإمام المؤسس أعطت عُمان في بضع سنوات مكانة عظيمة على المسرح الإقليمي ووطدت التحالفات التقليدية للبلاد في محيطها الجغرافي (الخليج والمحيط الهندي). كل ذلك على الرغم من استمرار الحضور الاستعماري في تربص اللحظة المناسبة.
بعد تولي السيد سلطان بن أحمد (1792-1804م) السلطة في مسقط، تعززت الروابط التجارية بين مسقط وميسور من خلال تأسيس علاقات تجارية قائمة على مبدأ إعادة التصدير، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن ديفيد سيتون المقيم السياسي البريطاني في مسقط؛ إذ وصلت البضائع إلى مسقط من 'سواحل سورات، وبهافناغار، وبومباي، ومالابار، وكورومانديل، ومكران، والسند، والبنجاب، وكوتش، والبنغال، وباتافيا (إندونيسيا)، وجزر الملايو، وشرق أفريقيا، وجزر ماسكارين، وبالطبع من البلدان المطلة على الخليج العربي'، بحسب ما جاء في تقرير سيتون.
في المقابل، كان تيبو سلطان أو سلطان علي خان على عرش مقاطعة ميسور (1782-1799م)، وكانت العلاقة المتينة بين مسقط وميسور تُراقب بتوجس من قبل القوى الأوروبية، وتحديدًا الإنجليز والفرنسيين. وتعيق هذه العلاقة مخططاتهم الاستعمارية في المحيط الهندي ومشروع الهيمنة على الهند.
ومع تغير الظروف الإقليمية والدولية كان على مسقط وميسور التهادن مع القوى الفرنسية والبريطانية التي احتدم التنافس بينها في الهند فضلًا عن المحيط الهندي.
وأمام تطور وتسارع الأحداث والتجاذبات السياسية، عقد السيد سلطان بن أحمد أول اتفاقية سياسية بين عُمان وبريطانيا ممثلة في شركة الهند الشرقية البريطانية في 12 أكتوبر 1798م، وأهم ما تضمنته الاتفاقية ببنودها السبعة، أن المادتين الأوليين منها اختصتا بالتأكيد على إرساء علاقات الود والصداقة بين شركة الهند الشرقية البريطانية وحكومة مسقط، في حين اختصت المواد الأخرى بوضع قيود من شأنها عرقلة النفوذ الفرنسي في مسقط، كما تعهد بمقتضى المادة الخامسة من الاتفاقية بأن يقف إلى جانب السفن الإنجليزية إذا ما نشب صراع بينها وبين السفن الفرنسية في مياهه، أما خارج تلك المياه فليس هناك ما يلزمه بالوقوف إلى جانب السفن الإنجليزية.
كان الدافع الأكبر وراء توقيع تلك الاتفاقية التي عُرفت بـ(اتفاقية الحلف) الخطرَ الذي مثله الوجود الفرنسي في مصر على إثر حملة نابليون بونابرت (1798م/1801م)، والتخوف البريطاني من اقتراب ذلك الخطر نحو الهند، لأن عُمان تحتل موقعًا استراتيجيًّا متميزًا في الطريق إلى الهند، مما جعل السلطات البريطانية تبذل جهودًا كبيرة لإنجاز تلك الاتفاقية.
وبالنسبة لعُمان، كان السيد سلطان يريد تأمين المزيد من الإنجازات التجارية في الهند، لاسيما في سياق بسط السيطرة البريطانية على التجارة في المناطق التي يرغب السيد سلطان بن أحمد في توسيع أعماله فيها، وكان البريطانيون أيضًا مدفوعين في الوقت نفسه باعتبارات مماثلة في سياق المنافسة التجارية، والمخاوف البريطانية من المنافسة الفرنسية.
وفي إطار التجاذبات الناجمة عن التنافس البريطاني الفرنسي في المحيط الهندي، تلقى كل من السيد سلطان بن أحمد وتيبو سلطان رسائل في عام 1799م من الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت يتعهد بتقديم الدعم لكليهما في حالة الوقوف في وجه البريطانيين، وبمجرد انحسار قوة بونابرت في مصر قبل نهاية عام 1799م تحرك البريطانيون ضد تيبو سلطان حاكم ميسور متسللين إلى حصنه في سيرينغاباتام، ودارت معركة بين الطرفين استشهد فيها تيبو سلطان في الرابع من مايو 1799م بعد رفضه الاستسلام واختيار المقاومة حتى آخر رمق، وبات يُعرف بأنه 'المحارب الأول للحرية في تاريخ الهند'. ومع وفاة تيبو سلطان عام 1799م، أعاد البريطانيون أسرة آل ووديار إلى العرش عبر تحالف تبعي، وتحولت ميسور المتضائلة إلى مملكة محدودة الجغرافيا.
وتُوِّج الأمير كريشناراجا ووديار الثالث، الذي كان يبلغ من العمر خمس سنوات، ملكًا على ميسور.
بعد القضاء على المحارب الأول 'تيبو سلطان'، نعود إلى مسقط. ففي 18 يناير 1800م، وُقعت اتفاقية أخرى بين السيد سلطان بن أحمد والإنجليز، عززت من اتفاقية عام 1798م، وسمح بموجبها السيد سلطان لبريطانيا بإنشاء وكالة في مسقط، وهكذا تم القضاء على العلاقة القوية بين ميسور ومسقط.
وبالقضاء على المقاومة التي قادتها ميسور ممثلة في 'تيبو سلطان'، أصبحت الهند في عام 1858م تحت التاج البريطاني بعد سنوات من الاحتلال غير المباشر خلف شركة الهند الشرقية. وواصلت أسرة آل ووديار حكم ميسور كتابعين للإمبراطورية البريطانية، حتى استقلال الهند في عام 1947م، حين انضمت ميسور إلى دولة الهند المستقلة.