عندما يفقد الاعتذار قيمته!
الخميس / 3 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:00 - الخميس 15 أكتوبر 2026 19:00
يُقال: إن «كسر الخواطر بمثابة خطأ طبي، الاعتذار فيه لا يرد عافيتك».. لن نبالغ إذا قلنا: إن كسر الخواطر يُحدث جرحًا عميقًا في النفس البشرية، وقد يعجز الزمن عن ترميم ما قد كُسر، وربما يستطيع البعض لملمة ما كُسر من قلوبهم والتعايش مع ما تبقى لهم من الجزء السليم، وفي كل الحالات نرى بأننا نعجز عن إعادة الكأس المكسورة إلى سابق عهدها، فالبلور المتناثر إلى شظايا صغيرة ليست لدينا قدرة على جمعه في قالب جديد.
وهنا فروقات ما بين كسر يُجبر، وآخر لا يمكن أن يعود إلى حالته الأولى حتى ولو جئنا بأمهر الجراحين والمتخصصين في جبر القلوب، أما الكسور التي تُجبر في القلب فهي التي تتعلق بـ«الآلام والصدمات النفسية والعاطفية العميقة»، فالزمن لديه قدرة على أن تلتئم مثل تلك الكسور، خاصة إذا وجدت دعمًا نفسيًا وقدرة ذاتية على التعافي من ذلك الكسر.
انزواء الأشخاص وتقوقعهم على أنفسهم لا يأتي أحيانًا من أبواب الصدف أو الطبيعة البشرية، وإنما ينتج من كثرة الخطوب وعدم احتمال الوجع، لذلك لا تستغرب إذا سمعت من يقول إن كسر القلوب «لا يصدر صوتًا»، لكن بالمقابل هذا الصمت ليس معناه أنه لا وجود للتفاعل الذاتي؛ فالكتمان أحيانًا هو من يولد حالة من العزلة وانهيارًا للإنسان مع الوقت.
لذلك الكسر، ومهما كان حجمه وشدته، لا بد أن يترك نوعًا من الصرخات، والشعور بالوجع الذي يؤذي النفس كونها لا تحتمل، قد لا يخرج للعلن على هيئة صراخ وشكوى ويظل محبوسًا في الذات، مكتومًا ومحبوسًا بإغلاق محكم، لكنه مع الوقت يبدأ في مرحلة سلب العافية من الجسد ببطء.
هناك رأي جميل للكاتبة نادية الخالدي: «هناك مواقف لا تصلحها الكلمات مهما كانت صادقة؛ لأن الألم تجاوز حدود الخطأ، ووصل إلى حدود الكرامة.. والكرامة، حين تُمس، لا يصلحها ندم، بل وعي لا يكرر الإساءة.. فيمكن أن أسامحك إن كسرت شيئًا أملكه، لكن كسرك لقلبي ليس فعلًا يُجبر بالاعتذار.. لأن المشاعر حين تُهدر، لا ترممها الحروف، بل الأفعال».
إن صرخات أعماقنا لا يشعر بها إلا من يتألم بها مثلنا، لذا احذر من كسر الخواطر فقد لا تعرف جراحًا يجبر قلوب المكسورين، بمعنى آخر «حتى لو اعتذرت الريح سيبقى الغصن مكسورًا، هناك أخطاء لا تُصلحها كلمة آسف»..
ومع ذلك، نجد أن ثمة تهافتًا بشريًا نحو استعمال كلمة «آسف» حتى إنها أصبحت تُقال في كثير من الأحيان وليست في مواضعها، تُقال وكأنها «تعويذة» سحرية تمحو أثر الألم عند الآخرين، والواقع أن هذه الكلمة أصبحت جزءًا من ثقافة أخرى، وروتين اجتماعي نلفظه دون أي إحساس أو قصد للتعبير عن شعورنا بالندم، ولكن يبقى مصير وتأثير هذه الكلمة معلقًا بقبول الاعتذار من عدمه.
كم من دعوات نتلقاها دائمًا ممن نظن بهم الظنون الحسنة والمعرفة والحكمة والوقار وسعة الأفق، مثل هؤلاء الأشخاص يؤكدون علينا بأن نراعي المشاعر، ونجبر الخواطر، فالذين يحبون الله لا يؤذون خلقه، ولنتذكر قول الناصحين: «كسر الخواطر ليست عظامًا تُجبر، وإنما هي أرواح تُقهر»، والنصيحة الأسمى تقول: «إذا دخلتم القلوب فأحسنوا سكناها؛ لأن خرابها ليس بهين، وتذكر أيضًا بأن القلوب الكبيرة تسامح، ولكن لا تستهينوا بحجم أخطائكم معها».
لذلك احذر أن تكسر نفسًا ساقها الله لك لتكون جبرًا لها، فكسرة النفس مؤلمة للغاية، فالله سيسألك يومًا عن عين أبكيتها بحرقة، وقلب أوجعته بشدة، وروح كنت سببًا في فقدانها الأمن والأمان، فاحذر أن يشتكيك أحد إلى الله، وعند الله تجتمع الخصوم.