الانتخابات لن تعالج أزمة البرازيل الحقيقية!
ترجمة: نهى مصطفى
الأربعاء / 2 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:54 - الأربعاء 14 أكتوبر 2026 20:54
أفرزت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي جرت في 4 أكتوبر، سباقًا محتدمًا بين رؤيتين سياسيتين متعارضتين، يتواجه فيهما الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف باسم لولا، والساعي إلى ولاية رئاسية رابعة، وفلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق اليميني المتشدد جاير بولسونارو.
تصدر فلافيو نتائج الجولة الأولى بحصوله على 47.03% من الأصوات الصحيحة، متقدمًا على لولا الذي نال 45.16%، ليتأهل المرشحان إلى جولة إعادة مقررة في 25 أكتوبر.
لا تقتصر أهمية هذه المنافسة على تحديد هوية الرئيس المقبل، بل تمتد إلى موقع البرازيل على الساحة الدولية وطبيعة علاقاتها الخارجية؛ ففي حين يدافع لولا عن الاستقلال الاستراتيجي وتعزيز العلاقات مع الصين وشركاء دوليين آخرين، يتبنى فلافيو توجهًا أكثر تقاربًا مع إدارة دونالد ترامب في الولايات المتحدة.
لا يقتصر الرهان في جولة الإعادة على مستقبل السياسة الداخلية البرازيلية، بل يشمل أيضًا اتجاه سياستها الخارجية ودورها في عالم تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.
على الرغم من التباين الواضح بين لولا وفلافيو بولسونارو، يفترض كلا المرشحين أن البرازيل لا تزال تملك حرية اختيار توجهاتها في السياسة الخارجية. فمواردها الهائلة، وبعدها عن بؤر الصراع المسلح، وقدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، تمنحها مقومات تؤهلها للتعامل مع الاضطرابات العالمية ومنافسة القوى الكبرى والتفاوض معها بما يخدم مصالحها. لكن البرازيل، رغم هذه المزايا الجيوسياسية، تفقد تدريجيًا نفوذها الدولي، فيما تتراجع قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.
وقد باتت قوى كبرى، من بينها الصين والولايات المتحدة، أقدر على فرض شروطها عليها. وفي الوقت نفسه، تتزايد عزلتها في أمريكا الجنوبية، بعدما كانت في طليعة الدول التي أسهمت في بناء مؤسسات إقليمية، مثل السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (ميركوسور). وتكشف علاقتها بالأرجنتين، التي ساعدت على ترسيخ الاستقرار الإقليمي على مدى أربعة عقود، حجم هذا التراجع؛ إذ وصلت الخلافات بين البلدين إلى حد غياب سفير لكل منهما في عاصمة الآخر.
لا تتحمل البرازيل وحدها مسؤولية هذا التراجع، لكنها تتحمل جانبًا كبيرًا منها. فجزء أساسي من نفوذها يعتمد على ثقة شركائها الدوليين في قدرتها على تنفيذ الاتفاقيات التي تبرمها، لا الاكتفاء بالتعهد بها. وتتطلب هذه المصداقية قدرة الدولة على حشد الموارد اللازمة للوفاء بالتزاماتها، وتنسيق عمل مؤسساتها العامة بكفاءة، وضمان استمرار الاتفاقيات رغم تعاقب الحكومات في ظل النظام الديمقراطي.
غير أن مجموعة من المشكلات الداخلية، تشمل الضغوط المالية المتزايدة، والانقسام السياسي، والفساد المستشري، أضعفت قدرة الدولة على الوفاء بتعهداتها. وامتد أثر هذه الأزمة إلى المحكمة العليا، التي يُفترض أن تضطلع بدور محوري في تطبيق القانون بنزاهة، بما يضمن استقرار الالتزامات التي تقطعها الدولة.
وقد زاد التدخل العلني لإدارة ترامب في السياسة الداخلية البرازيلية من هشاشة الموقف؛ إذ جعل الاتفاقيات أكثر إثارة للجدل والاستقطاب الحزبي، ورفع احتمالات سعي الحكومات المقبلة في برازيليا وواشنطن إلى التراجع عنها أو نقضها.
سواء فاز لولا أم فلافيو بولسونارو في جولة الإعادة، فسيرث الرئيس المقبل هذه الاختلالات. وحتى الآن، لم يطرح أي من المرشحين خطة واضحة لمعالجتها؛ فالتقارب مع واشنطن، من جهة، أو التمسك بالدبلوماسية متعددة الأطراف، من جهة أخرى، لن يعالج وحده المشكلة الأعمق التي تقوض استقلالية السياسة الخارجية البرازيلية؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في استعادة قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وبناء الثقة مع شركائها، وتحويل ما تمتلكه من موارد ومزايا جيوسياسية إلى نفوذ فعلي على الساحة الدولية.
لم تكن مصداقية البرازيل الدولية موضع شك دائمًا؛ ففي تسعينيات القرن الماضي، نجحت في كبح التضخم، وتعزيز الديمقراطية، وإبرام اتفاقيات مع الأرجنتين للتكامل الاقتصادي والحد من المخاطر النووية، واستمرت هذه الالتزامات رغم تعاقب الحكومات.
آنذاك، رأت أوروبا والولايات المتحدة في البرازيل وجهة جاذبة للاستثمار وقوة صاعدة في الدبلوماسية متعددة الأطراف.
أما اليوم، فتواجه البلاد ضغوطًا مالية حادة، وانقسامًا سياسيًا، وفسادًا مستشريًا. فعلى الرغم من ضخامة اقتصادها وقدرة حكومتها على تحصيل الإيرادات، فإن أكثر من 90% من الإنفاق الفيدرالي غير المتعلق بالفوائد إلزامي، ما يحد من تمويل البنية التحتية وغيرها من الأولويات الاستراتيجية. يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ الدين الحكومي نحو 98% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2026، فيما تستنزف الفوائد المرتفعة موارد كان يمكن توجيهها إلى الأمن والتنمية.
تُضعف هذه القيود قدرة الدولة على مواجهة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تنشط في حوض الأمازون، وتهرب المخدرات والذهب والأسلحة عبر حدود البرازيل مع جيرانها العشرة، وتستغل ساحلًا طويلًا يصعب تأمينه.
ولا يقتصر أثر هذا العجز على الداخل، بل يمتد إلى الدول المجاورة التي تضطر إلى التعامل مع تداعيات الجريمة المنظمة البرازيلية. تزيد من حدة المشكلة حالة التشرذم داخل مؤسسات الدولة. فعلى الرغم من كفاءة كثير من المسؤولين، تتنافس الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والهيئات القضائية والمالية على الصلاحيات والموارد، فيما أخفقت محاولات إخضاع جهودها لقيادة مركزية في مواجهة مقاومة المصالح المهنية.
ونتيجة لذلك، يصعب تحديد الأولويات وتنسيق العمليات، ما يتيح للشبكات الإجرامية التغلغل في مؤسسات الدولة. كما يعرقل هذا التشرذم التعاون الأمني مع دول مثل باراجواي وأوروجواي، حيث تنشط شبكات إجرامية برازيلية، ويحول دون بناء آليات مستدامة لتبادل المعلومات وتنفيذ عمليات مشتركة.
مع تراجع قدرة البرازيل على إدارة أجندتها الأمنية، باتت قرارات التعامل مع العصابات الناشطة على أراضيها تتأثر على نحو متزايد بأولويات خارجية. فقد صنفت إدارة ترامب أبرز منظمتين إجراميتين في البلاد، «كوماندو دا كابيتال»و«كوماندو فيرميلو»، جماعتين إرهابيتين، ما أتاح لواشنطن أدوات قانونية ومالية إضافية لمكافحتهما، فيما تبنت حكومات أخرى في أمريكا اللاتينية نهجًا مشابهًا. تتراجع قدرة البرازيل على رسم سياستها الأمنية بنفسها، لتصبح أكثر عرضة لسياسات تُحدَّد خارج حدودها.
كما يقوض الفساد طموحات البرازيل في السياسة الخارجية، لكن الفضائح الكبرى التي تفجرت خلال العقد الماضي ألحقت ضررًا بالغًا بسمعتها الدولية.
فقد كشفت التحقيقات المتعلقة بشركة النفط الحكومية «بتروبراس» وشركات الإنشاءات الكبرى الممولة من بنك التنمية الوطني عن رشى وعمولات في مشروعات امتدت عبر أمريكا اللاتينية، وأدت إلى انهيار صفقات أبرمتها البرازيل في المنطقة.
وأسهمت هذه الفضائح في إقالة ديلما روسيف عام 2016، وسجن لولا عام 2018 قبل إلغاء إدانته لاحقًا، كما غذّت موجة الغضب من المؤسسة السياسية التي أوصلت جاير بولسونارو إلى الرئاسة.
واكتسب القضاة والمدّعون الذين كشفوا الفساد نفوذًا استثنائيًا، باعتبارهم قوة رقابية على طبقة سياسية فقدت ثقة المواطنين.
لكن هذا التصور بدأ يتغير مع انكشاف مزاعم تورط شخصيات في السلطة القضائية في فضيحة بنك «بانكو ماستر».
وقد اتُهم مالك البنك بتقديم رشى ومزايا، منها عقود مربحة لأفراد من عائلات قضاة في المحكمة العليا واستخدام طائرته الخاصة في رحلاتهم الشخصية. وأثارت القضية تساؤلات بشأن استقلال المحكمة وقدرتها على محاسبة الحكومة المقبلة.
زادت الفضيحة من أهمية الانتخابات الرئاسية. ففلافيو بولسونارو يخضع للتحقيق بشأن صلات مزعومة بالبنك، وتعهد بمواجهة المحكمة التي أدانت والده، بما في ذلك العفو عنه، في حين لم يُتهم لولا مباشرة في القضية، رغم تورط شخصيات مقربة من حكومته في التحقيقات.
وسيتمكن الرئيس المقبل من تعيين ثلاثة قضاة على الأقل من أصل أحد عشر في المحكمة العليا، ما يمنحه فرصة للتأثير في تشكيلها.
لا يقتصر أثر الفساد على السياسة الداخلية؛ فهو يقوض قدرة البرازيل على بناء نفوذ دولي مستدام.
فقد أسهمت شركاتها الكبرى في تعزيز حضورها الإقليمي عبر مشروعات التنمية، لكن الفضائح أضعفت هذه الأدوات، فيما يهدد تراجع الثقة بالمحاكم استقرار الاتفاقيات طويلة الأجل. ونتيجة لذلك، قد يطالب المستثمرون في قطاعات المعادن الحيوية والطاقة والزراعة والبنية التحتية بضمانات أقوى، أو بشروط تمنحهم سيطرة أكبر، أو يختارون مشروعات أقل طموحًا ومخاطرة.
عززت البرازيل مصداقية التزاماتها الدولية على مدى عقود من خلال قبول قواعد تحدّ من حرية حكومتها في التصرف.
فقد ساعد الالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية على احتواء النزعات الحمائية، وأسهمت معاهدات حقوق الإنسان في الحد من الانتهاكات الأمنية، فيما دعمت المعايير المصرفية الدولية قدرة البنك المركزي على تنظيم القطاع المالي. منحت هذه الالتزامات القادة القدرة على مقاومة الضغوط الداخلية، وطمأنت الشركاء الأجانب إلى استمرارية السياسات. لكن تراجع احترام القواعد الدولية أضعف هذه القيود، وفتح المجال أمام المصالح المحلية الساعية إلى امتيازات في العقود العامة والحماية السياسية.
زاد تدخل إدارة ترامب في السياسة الداخلية البرازيلية من تعقيد الموقف؛ فقد يؤدي رضوخ برازيليا للمطالب الأمريكية إلى تحسين علاقاتها بواشنطن، لكنه قد يقوض ثقة بقية شركائها بها.
كما أن ربط الاتفاقيات بعلاقات شخصية أو بشروط سياسية يجعلها عرضة للإلغاء عندما تتغير الإدارات الأمريكية، التي قد تنظر إليها باعتبارها ترتيبات حزبية لا التزامات دولة.
في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، تصبح مصداقية البرازيل شرطًا أساسيًا للحفاظ على علاقاتها المتوازنة.
فعندما تختار الدولة شريكًا لتطوير شبكات الجيل الخامس أو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يحتاج المستثمرون إلى الثقة بأن الاتفاق لن يتغير تحت ضغط قوة منافسة. وكلما تراجعت هذه الثقة، ازدادت صعوبة احتفاظ البرازيل بعلاقات وثيقة مع أطراف متنافسة.
تتضح هذه المعضلة في قطاع المعادن الحيوية؛ فالبرازيل تهيمن على إنتاج النيوبيوم، المستخدم في صناعة الفولاذ عالي القوة، وتمتلك احتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة، بينما تهيمن الصين على معالجتها.
تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل اعتماد سلاسل التوريد على الشركات الصينية، ما يضع المنتجين أمام ضغوط متعارضة.
أعلنت شركة «فيريديس للتعدين والمعادن» الأسترالية، المطورة لمشروع للعناصر الأرضية النادرة في ولاية ميناس جيرايس، أنها تعتزم البيع للمشترين الأمريكيين والأوروبيين فقط، رغم الاهتمام الصيني.
لكن الصين تظل شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للبرازيل، إذ تستحوذ على نحو 30% من صادراتها وتستثمر في قطاعات استراتيجية، منها الكهرباء والتعدين والسيارات والنفط؛ لذلك، تحتاج برازيليا إلى طمأنة الطرفين، وهو أمر يصعب تحقيقه إذا اعتقد كل منهما أنها قد ترضخ لضغوط الآخر.
أظهرت تجربة سابقة في قطاع النفط تكلفة تغيير القواعد بصورة مفاجئة؛ فبعد اكتشاف احتياطيات بحرية ضخمة، عدلت البرازيل قواعد تطوير حقولها لتعزيز دور الحكومة الفيدرالية.
وعندما طرحت حقوق تطوير حقل ليبرا النفطي في مزاد عام 2013، لم يتقدم سوى تحالف واحد بعرض، ولم يتجاوز الحد الأدنى المسموح به.
وبدلًا من تعظيم عائداتها من أحد أثمن أصولها، أدى تغيير الشروط إلى إضعاف المنافسة وتقليص قدرتها على التفاوض.
تملك الدول وسائل مختلفة لتعزيز مصداقية التزاماتها الدولية.
ففي دول الخليج، يساعد تركّز السلطة السياسية على ضمان تنفيذ الاتفاقيات، بينما تعتمد الديمقراطيات الراسخة على مؤسسات مستقلة نسبيًا عن التجاذبات السياسية، وموارد مالية كافية للوفاء بالتزاماتها. لكن البرازيل لا تتمتع بسلطة مركزية تضمن تنفيذ الوعود، ولا بمؤسسات ديمقراطية قوية وموارد مالية كافية لسد هذه الفجوة، ما يضعف قدرتها على تقديم ضمانات موثوقة لشركائها.
يطرح المرشحان مسارين مختلفين لاستعادة المصداقية؛ يسعى فلافيو بولسونارو إلى تعزيز العلاقات مع واشنطن، بما يشمل دعم خططها للحد من اعتماد سلاسل توريد المعادن الحيوية على الصين.
وقد يكسبه ذلك ثقة إدارة ترامب، لكنه قد يضر بعلاقات برازيليا مع بكين ويجعلها أكثر اعتمادًا على شريك واحد، على حساب استقلال قرارها وعلاقاتها بالقوى الأخرى.
أما لولا، فيدعو إلى الحفاظ على استقلال البرازيل عبر توثيق العلاقات مع مختلف القوى الكبرى وتعزيز الدبلوماسية متعددة الأطراف. لكن هذا النهج يفرض أعباء إضافية على مؤسسات الدولة، ويتطلب قدرة على الوفاء بالتزامات متزامنة تجاه شركاء تتعارض مصالحهم أحيانًا.
لا يعالج أي من المسارين أصل المشكلة، المتمثل في ضعف المؤسسات والقدرات المالية اللازمة لضمان تنفيذ الاتفاقيات.
نتيجة لذلك، قد تضطر البرازيل إلى تقديم تنازلات أكبر لعقد الصفقات، فتتقلص مساحة المناورة المتاحة لها وتضعف قدرتها التفاوضية، في وقت تتزايد فيه أهمية مواردها وأسواقها واستثماراتها بالنسبة إلى العالم.
لن تحل الانتخابات هذه الأزمة بمفردها؛ فاستعادة المصداقية تتطلب جهدًا طويل الأمد لبناء مؤسسات موثوقة، وتعزيز التماسك الحكومي، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ الالتزامات.
لكن اختيار الرئيس المقبل سيحدد كيفية تعامل البرازيل مع هذه الأزمة، وما إذا كانت ستبدأ معالجة أسبابها الجذرية.