أفكار وآراء

مـا اسـتـفـادتـه أوروبـا ومـا لـم تـسـتـفـده

أوروبـا، الـيـوم، قـوة كـبـرى ثـالثـة فـي الـعـالـم - فـي إطـار اتـحـادهـا الـقـاري - إلـى جـانـب الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة والـصـيـن بـعـد أن كـانـت، لـعـقـود مـن الاستــقـطـاب الـدولـي والحـرب الـبـاردة بـيـن الـعـظـيـمـيـن، مـقـطـوعـة الأوصـال مـنـقـسـمـة عـلـى نـفـسـهـا إلـى مـجـمـوعـتـيـن تـابـعـتـيـن لـواشنـطـن ومـوسـكـو، مـؤتـمـرتـيـن بـأوامـرهـمـا ومـقـدمـتـيـن الـسـخـرة الـسـيـاسـيـة لـهـمـا.

هـي، الآن، أحـسـن حـالا مـن ذي قـبـل: اقـتـصـاديـا وسـيـاسـيـا، ولا يـمـاري أحـد فـي أن حـالـهـا هـذه حـصـيـلـة سـيـاسـة انـتـهـجـتـهـا مـستـفـيـدة مـن سـنـوح فـرص وعـوامـل جـاذبـة نـجـحـت فـيـهـا الـنـجـاح الـمـلـحـوظ الـذي خـرجـت بـه مـن دوامـة الانـقـسـام وتـعـدد الـولاءات.

ولـكـن مـن يـسـعـه، فـي الـوقـت عـيـنـه، أن يـمـاري فـي مـا أصـاب سـيـاسـات أوروبـا الـتـصـحـيـحـيـة تـلـك مـن عـثـار نـجـم مـنـه إخـفـاق ذريـع فـي غـنـم مـكـتـسـبـات أخـرى مـن فـرص كـان يـمـكـن أوروبـا أن تـحـولـهـا إلـى فـرص قـابـلـة للاغـتـنـام.

نـسـوق، فـيمـا سـيـلـي، نـمـوذجـيـن مـتـقـابـلـيـن مـن تـلـك الـفـرص الـتـي أتـيـحـت لأوروبـا قـبـلا: مـا اسـتـفـيـد مـنـه فـبـات مـعـدودا فـي خـانـة مـكـاسـبـهـا، ومـا لـم يـسـتـفـد مـنـه فـكـان ثـقـيـلا فـي حـسـاب خـسـاراتـهـا. نـشـيـر إلـى ثـلاثـة مـن الـمـسـتـفـادات وإلـى اثـنـيـن مـمـا تـعـسـرت الاسـتفـادة مـنـه.

أول مـسـتـفـاداتـهـا كـان مـن انـهـيـار الاتـحـاد الـسـوڤـيـيـتـي وانـفـراط مـعـسـكـره «الاشـتـراكـي». بـذيـنـك الانـهـيـار والانـفـراط ارتـفـعـت عـن أوروبـا مـخـافـة كـبـيـرة غـشـيـتـهـا لـعـقـود مـديـدة ولازمـتـهـا مـلازمـة الـكـوابـيـس: الـمـخـافـة مـن تـمـدد الـنـفـوذيـن الـسـيـاسـي والأيـديـولـوجـي للاتـحـاد الـسـوڤـيـيـتـي إلـى بـلـدان غـرب أوروبـا، بـعـد اجـتـيـاحـه شـرق أوروبـا مـنـذ انـتـهـاء الحـرب الـعـالـمـيـة الـثـانـيـة؛ والـمخـافـة مـن صـيـرورة أوروبـا سـاحـة لـحـرب نـوويـة بـيـن الـسـوڤـيـيـت والأمـريـكـيـيـن؛ حـيـث الـرؤوس الـنـوويـة، فـي قـواعـد نـشـرهـا فـي شـرق أوروبـا، مـوجـهـة نحو أوروبـا الـغـربـيـة وجـاهـزة للإطـلاق عـنـد أي أزمـة تـعـتـري الـعـلاقـة بين عـظـيـمـي تلك الحـقـبـة (أمـريـكـا وروسـيـا).

هـكـذا أتـى الانـكـفـاء الـسـوڤـيـيـتـي - الـعـسـكـري والـسـيـاسـي - مـن الـمـجـال الأوروبـي إلـى الـحـدود الـقـومـيـة الـروسـيـة يـطـوي صـفـحـة هـواجـس أمـنـيـة مـن طـبـيـعـة وجـوديـة اسـتـبـدت بـأوروبـا، طـويـلا، وخـاصـة مـنـذ حـيـازة مـوسـكـو الـسـلاح الـنـووي فـي نـهـايـة عـقـد الأربـعـيـنـيـات.

ثـانـي الـمـستـفـادات مَـأتـاهُ مـن اسـتـعـادة ألـمـانـيـا وحـدتـهـا الـكـيـانـيـة الـتـي انـقـسـمـت فـتـوزعـت بـيـن الـمـعـسـكـريـن بـحـيـث صـارت إلـى دولـتـيـن طـوال حـقـبـة الحـرب الـبـاردة.

كـان سـقـوط جـدار بـرلـيـن، فـي الـتـاسـع مـن نـوڤـمـبـر مـن الـعـام 1989، إيـذانـا بـانـتهـاء حـقـبـة الحـرب الـبـاردة؛ إذ سـرعـان مـا أعـقـب سـقـوط الجـدار - بـأقـل مـن شـهـر - انـعـقـاد قـمـة مـالـطـا بـيـن جـورج بـوش الابـن وغـوربـاتـشـوڤ (2 و3 ديـسـمـبر 1989) الـتي تـتـوجـت بـالإعـلان الـرسـمـي عـن نـهـايـة تـلـك الحـرب. هـكـذا فـتـحـت عـمـلـيـة إعـادة تـوحـيـد ألـمـانـيـا - وقـد حـصـلـت رسـمـيـا فـي أكـتـوبـر 1990 - الـبـاب أمـام اسـتـعـادة وحـدة شـطـري أوروبـا الـشـرقـي والـغـربـي؛ الأمـر الـذي تـولـدت مـنـه تـلـك الـديـنـامـيـة التي نـقـلـت الـعـلاقـات الـبـيـنـيـة الأوروبـيـة مـن تـجـربـة «الـجـمـاعـة الأوروبـيـة» (وكـانـت بـيـن دول غـرب أوروبـا حـصـرا) إلـى «الاتـحـاد الأوروبـي»، الـذي قـام - رسـمـيـا - فـي الـعـام 1993، بـمـوجـب مـعـاهـدة مـاسـتـريـخـت (1992).

أمـا ثـالـث المـسـتـفـادات - وهـو الـذي بـنـى عـلى سـابـقـيـه - فـكـان شـروع «الاتـحـاد الأوروبـي» فـي تـوسـعـة فـضـائـه الجـغـرافـي- الـسـيـاسـي، وبـالـتـالـي تـعـظـيـم قـوتـه الاقـتـصـاديـة مـن طـريـق ضـم تـدريـجـي لـدول شـرق أوروبـا إلـيـه.

هـكـذا صـار يـسـع أوروبـا - فـي أول عـهـدهـا بـالـعـولـمـة - أن تـسـخـر مشـروع إعـادة تـوحـيـد شـقـيـهـا فـي بـرنـامـج اقـتـصـادي تـنـمـوي، تـكـامـلـي وانـدمـاجـي، للـصـيـرورة قـوة اقـتـصـاديـة عـالـمـيـة كـبـرى، خـاصـة مـع نـجـاحـهـا، فـي مـطـلـع الـقـرن الحـالـي، فـي بـنـاء وحـدتـهـا الـنـقـديـة واعـتـمـاد اليـورو عـمـلـة لـكـل دول الاتـحـاد.

لـقـد أمـكـنـهـا ذلـك كـلـه مـن تـعـظـيـم قـدرتـهـا عـلى الـمـنـافـسـة الـدولـيـة مـع الاقـتـصـادات الـكـبـرى (الأمـريـكـيـة، واليـابـانـيـة، ثـم الـصـيـنـيـة) وعـلى الـحـد - عـلى الأقـل - مـن الاخـتـلال فـي الـتـوازن مـعـهـا.

هـذه حـالات لـفـرص أمـكـن أوروبـا أن تـغـتـنـمـهـا لـمـصـلـحـة نـهـوضـهـا فـي عـالـم شـديـد الـتـسـارع فـي مـتـغـيـراتـه ومـفـاجـآتـه، وأن تـصـيـب حـظـا مـلـحـوظـا مـن الـنـجـاح فـي الإفـادة مـنـه الإفـادة الـمـنـاسـبـة.

لـكـن الـظـفـر بـالـبـغـيـة هـذا مـا حـصـنـهـا مـن الـمـغـبـات الـسـيـئـة للـتـنـكـب عـن اسـتـثـمـار مـا عـرض لـهـا مـن فـرص مـواتـيـة أخـطـأت سـبـيـلـهـا إلـى الـظـفـر بـهـا.

نـشـيـر، فـي إسـراع، إلـى حـالـتـيـن اثـنـتـيـن أضـيـعـت فـرص اهـتـبـالـهـمـا والاسـتـفـادة مـنـهـمـا؛ وهـمـا مـعـا مـمـا يـلـقـي عـلـيـهـمـا الـضـوء مـا يـحـصـل الـيـوم لـمـنـاسـبـة الحـرب الـروسـيـة - الأوكـرانـيـة والخـلاف الأمـريـكـي- الأوروبـي عـلى أدوار الـمـنـظـومـة الـعـسـكـريـة الأطـلـسـيـة.

لـم تـسـتـفـد أوروبـا، فـي الحـالـة الأولـى، مـن وجـود غـطـاء عـسـكـري أطـلـسـي بـسـط عـلـيـهـا الأمـن الإقـلـيـمـي مـن غـيـر أن يـكـلـفـهـا أعـبـاء مـالـيـة ثـقـيـلـة فـي الإنـفـاق عـلـيـه؛ لأن مـعـظـم الإنـفـاق عـلى هـذه الـمـنـظـومـة الأطـلـسـيـة كـانـت أعـبـاؤه واقـعـة عـلى الـولايـات الـمتـحـدة الأمـريـكـيـة.

أمـا وجـه عـدم الاسـتـفـادة مـن ذلـك الـغـطـاء فـلا يـكـمـن فـي الجـانـب الـدفـاعـي الأمـنـي؛ إذ هـي كـانـت أكـبـر مـن اسـتـفـاد مـنـه خـلال الحـرب الـبـاردة وبـعـدهـا بـعـقـود ثـلاثـة، بـل يـكـمـن فـي عـدم اسـتـفـادتـهـا مـن ضـعـف إنـفـاقـهـا الـمـالـي علـيـه مـن طـريـق تـحـويـل مـا لـم تـنـفـقـه مـن أمـوال عـلى الأمـن إلـى ميـزانـيـات كـبـرى مـسـخـرة للـصـرف عـلى بـرامـج البـحـث الـعـلـمـي وتـطـويـر الـصـنـاعـات الـكـبـرى وتـنـمـيـة الـتـكـنـولـوجـيـا. أضـاعـت هـذه الـفـرصـة عـلى نـفـسـهـا، وحـيـن صـحـت مـن صـدمـة الـحـرب الـبـاردة وعـاصـفـة الـعـولـمـة، فـتـحـت عـيـنـهـا عـلى واقـع جـديـد يـتـرسـخ كـل يـوم ويـتـعـمـق: الاخـتـلال فـي تـوازن الـقـوى الـعـلـمـيـة والـتـكـنـولـوجـيـة بـيـنـهـا والـصـيـن والـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة.

وهـي أيـضـا مـا اسـتـفـادت، فـي الحـالـة الـثـانـيـة، مـن زوال الـخـطـر الـسـوڤـيـيـتـي بـانـهـيـاره وعـودة روسـيـا إلـى حـدودهـا الـقـومـيـة مـن أجـل تـطـويـر فـكـرة الأمـن الأوروبـي، بـشـراكـة مـع روسـيـا، قـصـد بـلـوغ هـدف تـحـيـيـد أوروبـا مـن تـبـعـات الـنـزاع الـدولـي الأمـريـكـي- الـروسـي الـذي تـجـدد مـع الـمحـافـظـيـن الـجـدد فـي أمـريـكـا مـطـلـع هـذا الـقـرن.

ظـلـت أوروبـا سـادرة فـي أوهـامـهـا الأطـلـسـيـة إلـى أن اصـطـدمـت بـروسيـا فـي قـلـب أوكـرانـيـا، ثـم مـا لـبـثـت أن اصـطـدمـت بـمـواقـف واشـنـطـن، الـيـوم، مـن الـمـنـظـومـة الأطـلـسـيـة وسـيـاسـاتـهـا تجـاه تـلـك الحـرب؛ وهـي الـمـواقـف الـتـي أعـيـد الـتـأكـيـد عـلـيـهـا فـي قـمـة الـنـاتـو الأخـيـرة فـي أنـقـرة.