«عين الطائر» تقرأ عوالم القصة القصيرة وتناقش مصادرها وتقنيات بنائها
أربع تجارب تستكشف الحلم والاغتراب والغموض في جلستها الـ 11
الأربعاء / 2 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:18 - الأربعاء 14 أكتوبر 2026 19:18
متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي
جاسم الطارشي: تتوالد عقد القصة لتترك في عقل القارئ أسئلة تتجاوز نهايتها -
علي الرواحي: قد أبدأ بقصة قصيرة وأكتشف أن الفكرة تحتاج إلى رواية -
منتصر الحراصي: تكثيف الفكرة وصنع المفارقة وتوظيف الخيال يمنح القصة جماليتها -
توفيق الشحي: أتحدى القارئ بتوقع النهاية وأقوده إلى المفاجأة -
سلطان البادي: أغوص في أعماق الشخصيات لأكشف أحسن ما فيها أو أسوأه -
نظم النادي الثقافي مساء أمس الثلاثاء الجلسة الحادية عشرة ضمن مشروع «عين الطائر على القصة القصيرة في عُمان» بمشاركة القاص منتصر الحراصي والقاص علي الرواحي والقاص سلطان البادي والقاص توفيق الشحي فيما أدارها الكاتب والباحث جاسم الطارشي، وقدمت الجلسة قراءات في تجاربهم السردية وناقشت مشاغل الكتابة القصصية وتحولاتها الفنية وأسئلة بناء الشخصية واللغة وتقنيات السرد ومصادر التأثر الأدبي.
واستهل منتصر الحراصي القراءات بنص «قمر لا يشبه امرأة» من مجموعته القصصية الأولى التي صدرت قبل نحو عشرين عاما، وتتبع النص حكاية شخصية يلازمها حلم الوصول إلى القمر منذ الطفولة حتى تختار الطيران طريقا للاقتراب منه.
وفي قراءته للنص رأى جاسم الطارشي أنه يقدم تمثيلا سرديا لأحلام لا يكترث لها أحد ويجسد نزوع بطله إلى التسامي على الواقع الأرضي والتحليق إلى عوالم أخرى بحثا عن حلم أعلى يعجز الواقع عن احتوائه، وقد لازم هذا التطلع الشخصية منذ الطفولة فكانت تستلقي على سطح البيت ساعات طويلة لترصد القمر وتصعد إلى مئذنة الحارة كي تقترب منه وتبتعد عن الأرض وصاغت بذلك حلما يختلف عن الأحلام المألوفة التي رسمها أقرانها على الورق، فيما اكتفت هي بدائرة صفراء وسط ورقة سوداء ومع تقدمها في العمر ازداد تعلقها بالقمر حتى أصبح جزءا منها واختارت الطيران طريقا إليه، ولم تستحوذ عليها مغريات الحياة الأرضية من أضواء باريس إلى امرأة تشبه القمر فيما كانت رحلاتها المتكررة عبر المدن تزيد قلقها وشعورها بالقيود، حتى كسرت تلك القيود ومضت خلف حلمها.
وتوقف «الطارشي» عند البناء الدرامي المتصاعد للنص الذي تتنامى أحداثه ببطء حتى تبلغ لحظة الانفجار في نهاية سينمائية مفارقة، ورأى أن هذه النهاية تجمع بين انتقام الشخصية من تجاهل أحلامها واتحادها بالحلم في الوقت نفسه، كما تناول نموها النفسي والفكري وما تحمله من بذور الاغتراب منذ الطفولة حتى يتحول إلى خيار شخصي وغرابة في المصير، مشيرا إلى اللغة الشاعرية التي تنقل القارئ إلى ملكوت سماوي وإلى ضمير السرد الذي يجسد توحد الذات وانفصالها عن جماعة لا تستوعب حلمها، ويفتح للقارئ مجالا ليتقمص التجربة ويتحد ببطلها.
رؤية خاصة
بعد ذلك قرأ علي الرواحي نص «ماتسومي تعلمني الهايكو» من مجموعته القصصية «حافلة الموتى» استعاد في نصه علاقة شاعر بماتسومي التي عرف من خلالها فن الهايكو وفلسفة الزن قبل أن تقوده رحلته إلى اليابان إلى اكتشاف قبرها والجلوس تحت سنديانة في حديقة يغمرها الهدوء.
وفي تعقيبه على النص رأى جاسم الطارشي أن الكاتب يستثمر معرفته بعوالم الهايكو وما يختزنه هذا الفن من رؤية خاصة للزمن وإحساس بالانسجام الذي تمنحه الطبيعة لتقديم وصفة روحية لعلاج القلق واللهاث وراء السرعة في العصر الحديث، ويتجلى ذلك في سعي الشخصية الرئيسة إلى بلوغ التوازن والصفاء في عالم يموج بالاغتراب مستعينة بكتابة نصوص الهايكو وما تحيل إليه من اندماج بالطبيعة، وقد ظهر هذا السعي منذ المشهد الافتتاحي الذي تقف فيه الذات الساردة أمام الضباب الذي يلف المحيط الهادئ محاولة الإمساك بلحظة هاربة سبق أن عاشتها متوحدة بالطبيعة وما تفيض به من روحانية ونقاء نفسي وكأنها تريد تأبيد الزمن عند تلك اللحظة، وهو ما يتصل بطبيعة الهايكو الذي يلتقط ومضة خاطفة من الزمن الحاضر ويتيح الانغماس فيها بما يسكن قلق الذات الساردة.
وقال «الطارشي»: إن ارتباط الهايكو بفلسفتي الزن والطاو وما تستدعيانه من حضور معلم أو ملهم أو مرشد روحي ينقل التعاليم عبر التجربة المباشرة ويساعد على اكتشاف حقيقة العالم وصلته بالطبيعة، وقد تجسد هذا الدور في شخصية ماتسومي المختصة بالأدب والهايكو التي تحدثت عن هذا الفن بروحانية طافحة واستحضرت قصص الزن لتجعل من قصيدة الهايكو زفرة للطبيعة وتنهد روح هائمة في الجمال الكوني وفكرة راهب تمتزج بألوان الزهر.
كما توقف «الطارشي» عند اختتام النص باقتباس للشاعر باشو الذي نقل الهايكو من لعبة أدبية ترفيهية إلى تعبير روحي وفلسفي عميق متصل بالطبيعة وفلسفة الزن، ورأى في هذا الاقتباس إشارة إلى تماهي الذات الساردة مع الفن الذي تجد نفسها في كتابته وقراءته وتنغمس من خلاله في لحظتها الخالدة كما يظهر في جلوسها تحت السنديانة خالية الفكر ومتحررة من المشاعر، وربط «الطارشي» هذه الرؤية ببنية النص واختيار ضمير المتكلم الذي يجسد ذاتية الشاعر وغنائيته ومبدأ التوحد مع الطبيعة، إلى جانب حضور المشاهد الطبيعية التي يغلب عليها التأمل والهدوء وما يتصل بها من لغة شعرية وصياغة دلالية تفيض بالمشاعر وتنسجم مع التجربة الروحية التي تعيشها الشخصية.
مرارة الشخصيات
وانتقلت القراءات بعد ذلك إلى سلطان البادي الذي قدم نص «استراحة طويلة» من مجموعته القصصية «قهوة مرة» متتبعا حكاية شخصية أنهكها التعاطي وتعثر مسارها الدراسي حتى وجدت نفسها أمام أحد زملائها السابقين وقد وصل إلى الجامعة، لتستعيد سنوات بقيت خلالها عالقة في مكانها فيما مضى الآخرون إلى مراحل جديدة من حياتهم.
وفي تعقيبه على النص رأى جاسم الطارشي أن عنوان المجموعة يحيل إلى قسوة واقع الشخصيات ومرارته وينبه المتلقي إلى معاناة الفئات الاجتماعية التي تتناولها القصص ويوقظ الضمائر تجاه أوجاعها خصوصا أن أغلب النصوص ينتهي بنهايات مرة، وتتمركز هذه النصوص حول شخصياتها الرئيسة فتنطلق منها وتستبطن دواخلها وتكشف ما يعتمل فيها من آلام ضمن بناء يتنامى مع تحولاتها النفسية وكأن السرد يتغذى على تلك الأوجاع وينسج منها لغة لا تخلو من شاعرية تجسد حالات الفشل والحرمان والضياع وعدم التصالح مع الواقع.
وقال «الطارشي»: يمعن توظيف ضمير المخاطب الذي استأثر بجميع نصوص المجموعة في الكشف عن أوجاع الشخصيات وكأنه نوع من الحوار الداخلي الذي تجلد به الذات الساردة نفسها، كما يلغي المسافة بينها وبين القارئ ليتقمص دورها وتصل إليه معاناتها ويتجسد ذلك في شخصية «استراحة طويلة» العالقة في زمنها الخاص وهو زمن القحط الطويل الذي لا ينتهي، وقد عبر تعاطيها للغراء عن نزعتها إلى الخروج من دائرة واقع تعجز عن التصالح معه.
كما توقف «الطارشي» عند الرسوم والكتابات الموجودة على جدران الاستراحة وما تحمله من تجليات فن الغرافيتي الذي وصفه بفن الغرباء وصعاليك العصر الحديث رابطا حضورها في النص بالانفصال عن الواقع وعدم التصالح معه، لتتحول الاستراحة من محطة مؤقتة وعابرة إلى محطة طويلة تبقى فيها الشخصية عالقة في دائرة التيه والضياع دون أن تبرح مكانها وزمانها فيما ينتقل أصدقاؤها وأقرانها من زمن إلى آخر ومن مصير إلى غيره.
الغموض والترقب
واختتم توفيق الشحي القراءات بمقطع من نص «هل استيقظت؟» من مجموعته القصصية «كتبها مجهول» مستحضرا شخصية تستيقظ في غرفة مظلمة وتجد أمامها رسالة تدفعها إلى محاولة فهم ما يجري حولها على ضوء شمعة توشك على الانطفاء، فيما يتصاعد خوفها من الظلام وتتكشف أمامها احتمالات تزيد ارتباكها وترددها.
وفي تعقيبه على النص رأى جاسم الطارشي أن تجربة توفيق الشحي تتفرد بكتابة نصوص تنتمي إلى أدب الرعب والفنتازيا وتستثمر تقنيات هذا النوع من الكتابة عبر التركيز على الفضاءات المغلقة والمنعزلة كما تظهر في الغرفة المظلمة التي تتحرك فيها أحداث القصة، ويقوم بناء الحبكة على الدهشة والتشويق والغموض والترقب مع توظيف ضمير المخاطب لإدخال القارئ في أجواء الإثارة وإشراكه في حالة الانتظار التي تعيشها الشخصية، ويتصل هذا الضمير بسارد عليم يتحكم في إيقاع الأحداث ومجرياتها ويزيد إحكام سيطرته عليها حتى تصبح الشخصية المصابة برهاب الظلام فريسة قلقها وخوفها وترددها.
وقال «الطارشي»: يظل هذا كله موصولا بخيط من التشويق فما إن تلوح نهاية متوقعة لمشكلة الشخصية الرئيسة حتى تتولد عقدة أخرى وتستمر سلسلة العقد الجديدة التي يتجاوز أثرها نهاية النص لتتناسل في عقل القارئ أسئلة أخرى، ويعول النص كثيرا على الاستفهام في بنائه وتصاعده الدرامي كما يستثمر الحوار الداخلي لإبراز قلق الشخصية ويستخدم لغة مباشرة تسهل على القارئ متابعة الأحداث وتتابع تصاعدها.
التكثيف والمفارقة
وبعد القراءات والتعقيبات النقدية انتقل جاسم الطارشي بالحوار إلى دوافع الكتابة ومصادر التأثر وتطور الأدوات الفنية فتحدث منتصر الحراصي عن انتقاله من الشعر إلى القصة التي وجدها أقرب للتعبير عن بعض أفكاره وتجاربه، وقال «الحراصي»: تأثرت بالاستماع إلى قصص زملائي في الملتقيات الأدبية واخترت أسلوبي الخاص وشجعني تفاعلهم على الاستمرار، وأوضح أن اختلاف القراءات النقدية لأعماله يكشف دور الذائقة مع بقاء النقد مصدرا يستفيد منه الكاتب في تطوير تجربته، وحول نزوع نصوصه الجديدة إلى الاختزال قال: أصبحت أجد في تكثيف الفكرة وصنع المفارقة وتوظيف الخيال ما يمنح القصة جماليتها وقد تطور هذا الاتجاه تدريجيا مع سنوات الكتابة دون أن يعني عدم رضاي عن نصوصي السابقة.
حرية الكتابة
وانتقل الحوار إلى علي الرواحي الذي تحدث عن أثر ترجمة القصص والقصائد في توجهه إلى كتابة القصة وعن تأثره بجبران خليل جبران في مزج الشعر بالنثر قبل أن تتسع قراءاته إلى جيمس جويس وكافكا، وقال «الرواحي»: أتاحت لي الأفكار الفلسفية الاقتراب من مكان الإنسان في المجتمع وحرية الفكر فيما أجد في متابعة التجارب القصصية المحلية والعالمية والاتجاهات الحديثة في الكتابة ما يساعدني على تطوير تجربتي، وحول التوفيق بين تدفق الكتابة وصرامة الصنعة أوضح أن معرفة الكاتب نفسه وغاياته توجه مساره، مضيفا: أكتب في المسودة الأولى ما يخطر ببالي ثم أعود إلى النص لمراجعته وقد أبدأ بقصة قصيرة وأكتشف أن الفكرة تحتاج إلى رواية.
أعماق الشخصيات
أما سلطان البادي فربط انجذابه إلى القصة القصيرة بما تتيحه قلة شخصياتها من تركيز على دواخلها وتفاصيلها موضحا أنه انتقل من التأثر بقراءات نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق في مجموعته الأولى إلى تكوين أسلوبه الشخصي في الثانية، وحول علاقته بالنقد قال «البادي»: شعرت بالضيق من الملحوظات في البداية ثم اكتشفت أنها تقوّم تجربتي وتصلح أدواتي الكتابية فأصبحت أحب قراءة النقد، وعن بناء شخصيات «قهوة مرة» أوضح أن عنوان المجموعة يعبر عن عوالم قصصها مجتمعة، فأنا أحب الغوص في أعماق الشخصيات لأكشف أحسن ما فيها أو أسوأه حتى يشعر القارئ بالتفاصيل ولذلك جاء استخدام ضمير المخاطب اختيارا مقصودا لتقريب عالمها الداخلي منه.
تحدي القارئ
من ناحيته ربط توفيق الشحي توجهه إلى أدب الغموض بقراءاته لنبيل فاروق وأحمد خالد توفيق ولا سيما مجموعة «الآن أفهم» التي كشفت له إمكانية بناء قصة مشوقة في صفحات قليلة، وقال: إن الرواية تمنح القارئ معايشة أطول للشخصيات فيما تبقى القصة القصيرة في الذاكرة من خلال فكرتها ومفارقتها مستعيدا أثر القراءة ووقائع الحياة اليومية في تشكيل عوالمه، وقال «الشحي»: أميل إلى تحدي القارئ وقدرته على توقع النهاية وأحاول أن أقوده خلال صفحات محدودة إلى المفاجأة لكن القصة تحتاج إلى الإقناع في تفاصيلها ومواقفها فأي فكرة عادية يمكن أن تتحول إلى حكاية مشوقة إذا أديرت بالطريقة المناسبة.
مداخلات الحضور
وشهدت الجلسة مداخلات من الحضور تناولت علاقة الكاتب بنصوصه القديمة وكيفية قراءتها بعد سنوات من كتابتها وأثر التأثر بالتجارب القصصية المحلية في تشكيل مساره الإبداعي، كما ناقشت دور النقد في تطوير أدوات القاص وإمكان الإفادة من الحكايات والأساطير المحلية في كتابة الرعب والفنتازيا إلى جانب أثر القراءة الصوتية في إيصال مشاعر النص إلى المتلقي، وتوقفت المداخلات عند استخدام ضمير المخاطب وما يتيحه من استكشاف دواخل الشخصية وإشراك القارئ في تجربتها وامتدت إلى التساؤل عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة وما يميز التجربة الإنسانية في صياغة النص القصصي.