أعمدة

في انتظار نوبل

في عام 2010 كتب الروائي المصري عزت القمحاوي مقالًا ماتعًا عن «النوم لحظة إعلان نوبل»، حكى قصة طريفة عن كاتب أيقظه صديق من القيلولة مستنكرًا عليه النوم ساعة إعلان الجائزة الأدبية الأشهر.

ولأن نوبل، مع اقترابها، يتبادل الكتّاب العرب عادة المجاملات متمنين لبعضهم بعضًا الحصول على الجائزة. ربما دفع صاحب الحكاية المجاملة لمستوى أرفع من الأمنيات؛ استيقظ، وانتظر.

ومن ترقب نوبل تعلم بعض الصحفيين العرب أن يسألوا الفائزين والمرشحين للجوائز العربية عما كانوا يفعلونه عندما انتشر خبر فوزهم. حين سُئلت مرة استحيت أن أقتبس بتصرف عنوان ديوان الشاعر المصري عماد أبو صالح وأقول «كنت نائمًا عندما أُعلنت الجائزة».

لكن كل عام تصطخب بورصة الأدب في انتظار الفائز بنوبل من يقدرون الجائزة ومن يحتقرونها.

وتتكرر أسماء مثل أدونيس وهاروكي موراكامي كل عام على أنهم مرشحون محتملون، وإن رغم أنف لجنة نوبل التي تؤكد كل عام أن قوائمها سرية وترشيحاتها الرسمية لا تُنشر قبل عقود. لكن كل عام يقف عدد من المؤمنين عند شروق شمس الأكاديمية السويدية ينتظرون أن يأتيهم موراكامي في غلل من الضباب تحمله المبيعات ويزفه الوحش الأخضر، لكن ذلك لا يحدث.

نظرة إلى الأرشيف الرسمي للجائزة (والذي اقتبست منه أغلب معلومات المقال) نجد أن الكاتب الكتالوني أنخل غيميرا (1847 - 1924) (صاحب مسرحية الأرض المنخفضة) ظل مرشحًا لنوبل الأدب سنويًا، منذ 1907 حتى 1923. سبع عشرة مرة لسبعة عشر عامًا والرجل مرشح على قوائم الجائزة، لكنه لا يفوز. قيل إنها حسابات السياسة جعلت من الصعب أن يفوز بها «كتالوني».

أما القصة المحزنة فهي للفيلسوف والشاعر الفرنسي بول فاليري الذي ظل مرشحًا لاثنتي عشرة مرة، وبحسب أرشيف الجائزة: «لكنه توفي في الوقت الذي بدا فيه أن الأكاديمية على وشك منحه الجائزة». مثلما قال برنارد شو ساخرًا منها، إنها طوق نجاة يُمنح للمرء بعد أن يصل إلى الشاطئ ولا يحتاج إليه.

بعد سنوات من الانتظار فكرت لجنة الجائزة في منحها لفاليري، لكنه تجاوز الشاطئ وعبر للضفة الأخرى؛ من الحياة. وللمفارقة فإن له أقوالًا كثيرة عن فكرة الموت الذي يجعل الكمال خرافة، وأن لا عمل ينتهي لأن الموت يقطع الخطط.

لكن هناك آخرين ينتظرون ويثمر انتظارهم. مثل الدنماركي يوهانس فيلهلم ينسن الذي رُشّح 18 عامًا أكثر من مرة، قبل أن يفوز بها.

ومثله من رُشّحوا لسنوات وانتظروا ونالوا دعمًا وتشجيعًا وسخرية وتنمرًا، لكنهم حصلوا عليها في النهاية. ويتكرر كل عام التفريق بين مرشحي التوقعات الشعبية ومواقع المراهنات وبين الترشيح الرسمي بالتنافس على قوائم المؤسسة. هذا أمر نعيد نقاشه مرارًا بلا توقف.

أما الأغرب فهم من تأتيهم المكالمة فجأة. بانتظار أو بدون انتظار. فيكون رد فعلهم لطيفًا وغير معتاد. لكن لنشرح سريعًا كيف يصل الخبر إلى الفائز.

وهي معلومات عرفتها باطلاع متفرق عبر سنوات، ولم أطاردها لأي أسباب شخصية أو إعداد النفس لشيء ما. يصل الخبر بمكالمة هاتفية مفاجئة قبل دقائق من الإعلان الرسمي؛ لذلك وصلت المكالمات لفائزين في أماكن طريفة، بينما لم يرد بعضهم على المكالمة.

الأمريكي مارتن تشالفي الذي حصل عليها في الكيمياء لم يرد على اتصال الأكاديمية؛ لأن «الوقت كان مبكرًا جدًا في الصباح». هذا شخص من الذين يدعونهم «كارهي النهار»، أفهم سلوكه وأحييه. حتى جائزة نوبل ليست مبررًا لمكالمة صباحية مبكرة.

كذلك أفهم رد عبد الرزاق قرنح الذي أجاب على الهاتف وظن أن الأمر مزحة لأنه كان يفكر «من سيفوز هذا العام؟» قبل دقائق، فقاطعته مكالمة تخبره أنه هو. لم يصدق قرنح حتى رأى اسمه على موقع الأكاديمية.

المكالمة التي قد تغير حياة الكاتب قد لا يجيب عليها، وقد لا يصدقها، لكن من لطف جائزة نوبل أنها لا تعتد بردود الأفعال هذه، بل أصبحت تترك رسالة صوتية إن لم يرد الفائز.

لولا أن ذلك مشهور لادعى كثيرون منا أننا فوتنا المكالمة فذهبت الجائزة لماريو يوسا.