الاقتصادية

صيد السردين بمحافظة ظفار مهنة متوارثة ومورد اقتصادي

 

العُمانية/ يشكّل موسم صيد السردين، المعروف محليًّا بـ 'الضواغي'، في محافظة ظفار أحد المواسم البحرية التي تجمع بين الأهمية الاقتصادية والامتداد التاريخي والاجتماعي، إذ تتوارث الأجيال ممارساته وأساليبه التقليدية، فيما يمثل موردًا مهمًّا لدخل الصيادين ومصدرًا لدعم الأنشطة المرتبطة بقطاع الثروة السمكية.

ويبدأ موسم صيد السردين خلال شهر أكتوبر ويمتد إلى شهر أبريل من كل عام، عقب انتهاء موسم الخريف ودخول موسم الصرب، حيث تشهد السواحل المطلة على بحر العرب نشاطًا ملحوظًا في عمليات الصيد، المصحوبة بعددٍ من الفنون والأهازيج التقليدية.

وقال المهندس عبد الناصر بن عوبد غواص، مدير دائرة الثروة السمكية، بالمديرية العامة للثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بمحافظة ظفار إنّ مصائد السردين تُعد أحد الموارد البحرية المهمة في دعم قطاع الثروة السمكية وتعزيز العائد الاقتصادي للصيادين والعاملين في الأنشطة المرتبطة به.

وأضاف أنّ إنتاج محافظة ظفار من السردين بحسب تقديرات عام 2025، بلغ 28 ألفًا و587 طنًا، بقيمة إجمالية تقدر بأكثر من 3 ملايين و232 ألف ريال عُماني، فيما بلغ إجمالي الإنتاج على مستوى سلطنة عُمان 292 ألفًا و75 طنًا، بقيمة بلغت أكثر من 43 مليون ريال عُماني، ما يعكس أهمية هذا المورد ضمن منظومة الإنتاج السمكي في سلطنة عُمان.

وأشار إلى اهتمام وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بتنمية هذا القطاع ورفع كفاءة الاستفادة من المصائد البحرية، بما يحقق التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على استدامة الموارد السمكية، مبيّنًا أنّ تعظيم الاستفادة من السردين لا يقتصر على تسويقه للاستهلاك المباشر، بل يشمل أيضًا مجالات التجفيف والتصنيع السمكي، بما يتيح استغلال الكميات المتاحة خلال مواسم الوفرة، وتعزيز القيمة المضافة للمنتج، وفتح المجال أمام تنويع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به.

وأكد المهندس عبد الناصر بن عوبد غواص على أهمية تنظيم عمليات الصيد والتداول، ورفع جودة المنتجات السمكية، وتعزيز فرص تسويقها، بما يدعم دخل الصيادين ويسهم في تنمية المجتمعات الساحلية بمحافظة ظفار.

ولا تقتصر أهمية موسم صيد السردين في محافظة ظفار على ما يمثله من مورد اقتصادي ومهنة ارتبطت بمعيشة الصيادين فقط، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية شكلت جانبًا من حياة المجتمعات الساحلية، وأسهمت في تعزيز قيم التعاون والعمل الجماعي، وما تصاحبه من عادات وتقاليد وفنون شعبية توارثتها الأجيال.

وقال الكاتب والباحث حامد بن جمعان باوزير المهتم في الشأن الثقافي والموروث إنّ موسم السردين ارتبط تاريخيًّا بحياة السكان مع انتهاء موسم الخريف ودخول موسم الصرب، وتحديدًا مع بدايات نجم 'الحوت'، حيث يتجه الناس إلى البحر باعتباره أحد المصادر الرئيسة للرزق وتوفير الاحتياجات اليومية، الأمر الذي جعل صيد السردين جزءًا من منظومة الحياة المعيشية والاجتماعية في الماضي.

ووضّح أنّ تنظيم عمليات الصيد كان يقوم على العمل الجماعي من خلال مجموعات تُعرف باسم' الضواغي'، يتقدم كلًّا منها مسؤول تُنسب إليه المجموعة، ويتولى إدارتها وتمويل احتياجاتها، فيما تتوزع الأدوار بين النواخذة والبحارة، الذين يضطلعون بمهام تجهيز معدات الصيد وقيادة القارب وملاحقة أسراب السردين وتوجيهها نحو شباك 'الجريف'، ثم سحبها إلى الشاطئ، في منظومة تعكس تكامل الأدوار وتراكم الخبرات البحرية لدى الصيادين.

وأشار إلى أنّ المظاهر الاجتماعية المصاحبة للموسم كانت تبدأ قبل انطلاق عمليات الصيد، من خلال تجمعات الصيادين في عددٍ من المواقع الساحلية، من بينها ميدان 'سمحان' على شاطئ الحافة، إلى جانب عددٍ من المواقع في منطقتي عوقد والدهاريز، بالإضافة إلى ولاية طاقة، حيث تتحول هذه التجمعات إلى مناسبات اجتماعية وثقافية يلتقي فيها الصيادون والنساء والشعراء وأفراد المجتمع، استعدادًا للموسم وتجهيزًا لمستلزمات الصيد.

وبيّن أنّ النساء كنّ يشاركن في غزل خيوط القطن باستخدام 'الديلاب'، فيما يتولى الرجال عملية 'الوشاعة'، وهي حياكة أجزاء شباك الصيد وخياطتها، وتتخلل هذه الأعمال مطارحات شعرية يتنافس فيها الشعراء في إظهار قدراتهم، وسط تفاعل الحاضرين الذين يرددون القصائد والفنون التقليدية، في مشهد يجمع بين العمل والإبداع الشعري والتواصل الاجتماعي.

وأضاف أنّ هذه التجمعات كانت تستمر عدة أيام، حتى اكتمال تجهيز شبكة 'الجريف'، التي تُحاك من جزأين يُعرفان محليًّا باسم 'درج' للشق الكبير و'شقة' للشق الصغير، ثم يُجمع الجزءان لتشكيل الشبكة المستخدمة في صيد السردين، موضحًا أنّ هذه الممارسات تمثل جانبًا من المعارف التقليدية التي ارتبطت بالمهنة، وتعكس ما كان للموسم من دور في تنظيم الحياة الاجتماعية وتعزيز المشاركة بين أفراد المجتمع.

ولفت إلى أهمية تكثيف الجهود في توثيق الموروث الثقافي والاجتماعي المرتبط بموسم صيد السردين في محافظة ظفار، والعمل على أرشفة متكاملة تحفظ العادات والتقاليد البحرية والأغاني التقليدية المصاحبة لهذا النشاط، وإنتاج المزيد من البرامج والمواد الوثائقية التي تسهم في حفظه، وإتاحتها للباحثين والأجيال القادمة، مؤكدًا على أهمية تعزيز حضور هذا الموروث في البرامج الثقافية والإعلامية والسياحية، من خلال إنشاء قرية بحرية تراثية تجسّد أنماط الحياة الساحلية التقليدية وممارسات الصيد المتوارثة، وتوظيف الوسائل التعريفية والإعلامية للتعريف بها لدى الزوار والسياح.

وأشار إلى أنّ توسيع نطاق التعريف بهذا الموروث وإبرازه بصورة مستدامة، وعدم اقتصار حضوره على بعض الفعاليات المحدودة من شأنه الإسهام في صونه ونقله إلى الأجيال القادمة، وتعزيز ارتباطها بتاريخها البحري وهويتها الثقافية.

وأكد الكاتب والباحث حامد بن جمعان باوزير على أنّ موسم صيد السردين يعكس من خلال ارتباطه بالممارسات البحرية والتقاليد الاجتماعية والفنون التقليدية، جانبًا من الموروث الثقافي لمحافظة ظفار، إذ لم يكن مجرد موسم للصيد، بل مناسبة تتجدد فيها الروابط بين أبناء المجتمع، وتنتقل خلالها الخبرات والمعارف من جيل إلى آخر، بما يجعل المحافظة على هذه الممارسات وتوثيقها جزءًا من صون الذاكرة البحرية للمحافظة.

وحول تطور مهنة صيد السردين في محافظة ظفار، قال سالم بن سعيد البراكة، أحد قدامى الصيادين بالمحافظة إنّ المهنة شهدت تغيرات في أدوات الصيد وأساليبه، إذ كان الصيادون يعتمدون في السابق على الحبال التي تُعرف محليًّا باسم 'السيفة'، فيما تُستخدم حاليًّا شباك 'الجريف' المخصصة لصيد السردين، والتي تُحاك خلال موسم الخريف استعدادًا لموسم الصيد.

ووضّح أنّ طول شبكة 'الجريف' يبلغ نحو 100 متر، فيما يصل عرضها إلى 50 مترًا، مشيرًا إلى أنها كانت تُصنع قديمًا من الخيوط القطنية، بينما تُستخدم في الوقت الحاضر خيوط البلاستيك في صناعتها، بما يتناسب مع متطلبات عمليات الصيد.

وأضاف أنّ الاستعداد لموسم السردين يبدأ بتجهيز أدوات الصيد وصيانة الشباك، ويتولى مالك 'الضاغية' توفير مستلزمات العمل للصيادين، مقابل حصوله على النسبة الأكبر من عائد الإنتاج، موضحًا أنّ عدد العاملين في 'الضاغية' كان لا يتجاوز 20 فردًا في السابق، فيما ارتفع حاليًّا إلى نحو 40 فردًا، نتيجة زيادة متطلبات العمل باستخدام شباك 'الجريف'.

وأشار إلى أنّ سواحل محافظة ظفار تشهد، قبل موسم الخريف، وصول سمك السردين ويأتي من أعالي البحر من جهة الشرق متجهًا نحو الجنوب، مرورًا بالمناطق الساحلية للمحافظة، من نيابة الشويمية إلى ولاية ضلكوت.

ويظل موسم صيد السردين في محافظة ظفار شاهدًا على استمرار المهن البحرية التقليدية وقدرتها على التكيف مع متطلبات العمل الحديثة، جامعًا بين دوره في دعم الاقتصاد المحلي وما يمثله من رصيد ثقافي واجتماعي يستدعي مزيدًا من التوثيق والتعريف، بما يضمن انتقال خبراته وممارساته إلى الأجيال القادمة.