الرائد ثرياء الكلباني.. الوعي والالتزام مفاتيح لخلق توازن بين متطلبات العمل ومسؤوليات الأسرة
السبت / 5 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 12:01 - السبت 17 أكتوبر 2026 12:01
في حياة المرأة العاملة، يبدو التوفيق بين متطلبات المهنة ومسؤوليات الأسرة أشبه بمعادلة دقيقة، تتغير تفاصيلها من يوم إلى آخر، وفي حياة الرائد ثرياء بنت أحمد الكلباني، رئيس قسم الصحافة والنشر بإدارة العلاقات والإعلام الأمني بشرطة عُمان السلطانية، لم يكن هذا التوازن أمرًا سهلًا منذ البداية، بل كان رحلة من التجربة والتنظيم وإعادة ترتيب الأولويات.
تقول الرائد ثرياء إن الموازنة بين العمل والأسرة لم تكن سهلة في كل حين، لكنها تعلمت مع مرور الأيام أن تفصل بين واجبها في العمل وواجبها في البيت، ففي مكان العمل تؤدي واجبها بكل تركيز وإخلاص، وعندما تعود إلى المنزل تسعى لأن تكون حاضرة مع أسرتها بقلبها ووقتها، وتحاول دائمًا ألا يطغى أحد الجانبين على الآخر.
وفي بداية مسيرتها، لم يكن الوصول إلى هذا التوازن أمرًا يسيرًا، إذ كانت تشعر أحيانًا بالتقصير تجاه أحد الجانبين، مع إدراكها لأهمية كل منهما في حياتها، ولكن مع مرور الوقت، وبفضل التجربة والتنظيم، وجدت الطريقة التي تناسب ظروفها، ومنذ البداية كانت واعية بأهمية المجال الذي اختارته وصعوبته، لذلك حرصت على وضع أولوية واضحة لما يستحق التقديم في كل مرحلة، وألا تقصر في شيء قدر الإمكان.
وتضع الرائد ثرياء العمل والأسرة في مقدمة أولوياتها، بينما تأتي الالتزامات الاجتماعية في مرتبة لاحقة، فهي تخصص أوقاتًا محددة للبيت، وتتجنب كثيرًا من الدعوات الاجتماعية حتى لا ترهق نفسها أو تقصر مع أهلها، ومع ذلك، فإن ظروف العمل قد تفرض عليها أحيانًا تقديم واجباتها المهنية على وقت الأسرة، خاصة عند وجود مهام إضافية أو ظروف طارئة، وفي مثل هذه المواقف، تقول إنها تحرص على توضيح الأمر لأسرتها بصراحة، ثم تعويضهم بعد انتهاء المهمة بوقت جيد تقضيه معهم، حتى لا يشعروا بالبعد أو الإهمال.
كان للأسرة، بحسب الرائد ثرياء، دور كبير جدًا في مسيرتها المهنية، فقد وقف أهلها إلى جانبها منذ البداية، فيما كبر أبناؤها وهم يدركون طبيعة عملها، مؤكدة أن هذا الدعم والتفهم كانا عاملين أساسيين في قدرتها على الاستمرار في مجال يحمل الكثير من الضغط والمسؤوليات، مؤكدة أنها تحرص على أن تشارك أبناءها ما يناسب أعمارهم من تفاصيل حياتها المهنية، حتى تحبب إليهم هذا العمل، وينمو في نفوسهم الشعور بالرغبة في خدمة الوطن، وبحكم انتمائها إلى السلك الأمني، تسعى دائمًا إلى إظهار أهمية ما يقومون به وجماله في خدمة الوطن والمواطن.
وتشعر بفخر أبنائها خصوصًا عندما يرونها على شاشة التلفاز بزي العمل، أو عندما يشاهدون مقالًا لها منشورًا في المجلة، وهذا الشعور، كما تقول، يمنحها قوة إضافية ويجعل كل تعب مستحقًا، مشيرة إلى أنه عند عودتها إلى المنزل، تحاول أن تترك ضغط العمل خلف الباب، فتخلع زي العمل، وتخلع معه ما قد يؤثر على دورها كأم وزوجة، وتأخذ بعض الوقت لاستعادة هدوئها، ثم تدخل إلى أسرتها بهدوء، وتسعى إلى أن تكون حاضرة معهم بقلبها واهتمامها، لا بذهن مشغول بمهام العمل.
لكن هذا الحضور الأسري لا يعني التخلي عن جاهزيتها، فهي تؤكد أن عملها في المقام الأول خدمة للوطن والمواطن في كل وقت وحين، ولذلك تبقى مستعدة لأي أمر طارئ أو عمل إضافي.
وتختلف شخصيتها في المنزل إلى حد ما عن شخصيتها في العمل، ففي العمل تكون أكثر حزمًا وانضباطًا، بحكم طبيعة المهنة التي تتطلب ذلك، بينما تكون في المنزل أكثر هدوءًا ولينًا، وتحرص على أن يجدها أبناؤها وزوجها أمًا وزوجة قريبة منهم، لا مسؤولة مشغولة دائمًا، موضحة أنه رغم ضغوط العمل، هناك أشياء تحرص على ألا يسمح لها بالاستيلاء عليها، في مقدمتها حضور القلب مع أسرتها، والقدرة على الابتسام لهم والاستماع إليهم مهما اشتد الضغط، وتسعى لأن تمنحهم وقتًا حقيقيًا واهتمامًا صادقًا.
كما تؤكد أن الأمومة انعكست إيجابًا على أدائها المهني، فقد علمتها الصبر والهدوء في التعامل مع الناس، والنظر إلى الأمور من زوايا متعددة، فأصبحت أكثر تفهمًا وقدرة على احتواء المواقف بهدوء وحكمة، وفي المقابل، حملت من عملها إلى بيتها قيم الانضباط والمسؤولية والإخلاص في أداء الواجب، وتحرص على غرسها في أبنائها، مع التأكيد على أن خدمة الوطن والمواطن شرف كبير، وأن الإنسان القوي هو من يجمع بين الحزم في عمله والرحمة في بيته.
وبعيدًا عن الإنجازات المهنية، تفخر الرائد ثرياء بنجاحها في بناء أسرة متماسكة ومتفاهمة، وأن أبناءها يكبرون وهم يشعرون بالأمان والحب، ويدركون في الوقت نفسه قيمة العمل والمسؤولية، وترى أن التوازن بين الحضور العاطفي وغرس القيم هو الإنجاز الذي يمنحها أكبر شعور بالرضا، كما تواصل دراستها أمام أبنائها، لتغرس في نفوسهم أهمية العلم والعمل معًا.
وفي محيطها الاجتماعي، تحرص على اختيار اللقاءات ذات المعنى، وتخصص لها وقتًا مناسبًا دون أن تثقل على نفسها أو على أسرتها. بالنسبة لها، الحضور الحقيقي أهم من التواجد الشكلي، وجودة الاهتمام أهم من كثرة الظهور، وترى أن نجاح المرأة يكتمل عندما تستطيع أداء أدوارها المختلفة بوعي وتوازن، دون أن تطغى واحدة منها على الأخرى، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن النجاح لا يقتصر على العمل الوظيفي، فهناك نساء ينجحن في بناء أسرة رائعة ومتوازنة وتربية أبناء متميزين دون أن يشغلن وظيفة رسمية، وهذا بالنسبة لها نجاح متميز وعظيم. فلكل امرأة مسارها الذي تتميز به، وربات البيوت لسن أقل نجاحًا، بل يصنعن أجيالًا ويغرسن قيمًا ويبنين أسس المجتمع بصبر، وهو دور لا يقل أهمية عن أي إنجاز مهني.
وتؤمن الرائد ثرياء بأن نجاحها المهني ترك أثرًا في نظرة أبنائها للطموح والعمل والمسؤولية، فقد رأت كيف أصبحوا ينظرون إلى الطموح بصورة إيجابية، ويربطون بين العمل الجاد والمسؤولية وتحقيق الذات، كما أن مواصلتها لدراستها العليا تضيف بعدًا آخر لهذا الأثر، إذ يرونها تسعى باستمرار إلى العلم والمعرفة رغم مسؤولياتها، ويدركون أن التعلم رحلة لا تنتهي. وهي تحثهم دائمًا على طلب العلم والعمل بإخلاص، وتغرس في نفوسهم أن الطموح الحقيقي يجمع بين الجد في الدراسة والإخلاص في أداء الواجب، وأن النجاح يبدأ من حب المعرفة والالتزام بالمسؤولية.
ولم تخلُ هذه الرحلة من تحديات حسب قول الرائد ثرياء، فأصعب ما واجهها كان الشعور أحيانًا بأن الوقت لا يكفي للطرفين معًا، ففي بعض الأيام كانت تعود إلى المنزل متعبة، وتشعر أنها لم تمنح أسرتها ما تستحقه من حضور واهتمام، رغم حرصها الشديد على ألا تقصر، كما أن بعض المهام كانت تتطلب منها البقاء خارج المنزل لأيام متتالية، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لها، فترك الأبناء ليس أمرًا سهلًا على قلب الأم، غير أن واجب العمل وخدمة الوطن يقتضيان ذلك.
وتقول إنها مرت بلحظات شعرت فيها بأن أحد الجانبين يحتاج منها وقتًا أكبر من الآخر، ففي فترات الضغط المهني كان العمل يطلب منها أكثر، وفي أوقات أخرى كانت ترى أن الأسرة تحتاج حضورها بصورة أعمق، وكانت تحاول في كل مرة أن توازن بينهما بوعي، وأن تضع الأولوية لما هو أشد حاجة في تلك المرحلة.
وتؤمن بأن التوازن لا يمكن أن يكون دائمًا كاملًا، إذ لا بد من تقديم بعض التضحيات، وأحيانًا يضغط الإنسان على نفسه فوق طاقته سعيًا لتحقيق هذا التوازن. وهذه، في نظرها، طبيعة الحياة، فإذا أردنا النجاح الحقيقي فلا بد أن نتقبل التضحيات بوعي وصبر.
وبعد يوم عمل شاق، تحاول الرائد ثرياء أن تفصل نفسها عن ضغط المهام فور عودتها إلى المنزل، إن أمكن، ثم تستريح قليلًا وتحرص على قضاء وقت هادئ مع أسرتها. إلا أن الوقت لا يتاح دائمًا للراحة، فالتزامات المنزل والأطفال كثيرة، ما يجعلها تبذل جهدًا إضافيًا، وترى في ذلك إحدى التضحيات التي تقدمها المرأة أحيانًا من راحتها الشخصية حتى تؤدي دورها كاملًا، ومع ذلك، فإنها ترى أن الأمر يستحق في النهاية، لأن استعادة التوازن، ولو بجهد مضاعف، تمنحها القدرة على أن تكون حاضرة للطرفين.
وتؤكد أن النجاح في أكثر من مجال يتطلب بعض التضحيات، لكنها تضحيات واعية ومنظمة وليست عشوائية، فالمرأة التي تسعى إلى التوفيق بين أدوارها المختلفة تحتاج إلى ترتيب أولوياتها، وإلى قبول أن بعض الأمور قد تتأجل مؤقتًا من أجل أمور أهم، مضيفة: «ومن السنوات الماضية، تعلمت أن التوازن ليس حالة ثابتة، بل مهارة تُبنى يومًا بعد يوم، وأن الصدق مع النفس ومع الأسرة، والتخطيط المسبق، والقدرة على طلب الدعم عند الحاجة، كلها أمور تصنع فرقًا كبيرًا في القدرة على الاستمرار دون إرهاق أو تقصير».
ومرت على الرائد ثرياء مواقف مهنية تركت في نفسها أثرًا عميقًا، وظلت حاضرة في تفكيرها لبعض الوقت، وكانت تسعى جاهدة إلى التعامل معها بهدوء، وأن تفصل بينها وبين حياتها الأسرية قدر المستطاع، لكنها تدرك أن الأمر ليس يسيرًا دائمًا؛ فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يمر به، ولا يستطيع أن ينفصل تمامًا عما حدث له، وتقول إن البشر ليسوا مثاليين، وقد يأتي يوم لا تكون فيه في أفضل أحوالها، فالحياة متقلبة وهم معها، ومع ذلك تحرص دائمًا على أن يظهر أفضل ما في داخلها، حتى تستمر الحياة بهدوء، ويُعطى كل ذي حق حقه.
أما اللحظات التي تشعر فيها بأن تعبها المهني لم يذهب سدى، فتتعدد، عندما تلمس أثر عملها في خدمة المواطنين، أو ترى فخر أبنائها بما تقوم به، أو تحقق تقدمًا في دراستها العليا رغم كثرة المسؤوليات، وتزداد قيمة هذه اللحظات عندما تشهد الأعمال التي بذلوا فيها جهدًا كبيرًا واستعدوا لها بعناية وقد تحققت على أرض الواقع بنجاح، عندها يطمئن قلبها وتدرك أن كل تعب كان مستحقًا، وأن الجهد المخلص لا يضيع أبدًا.
وبعيدا عن الرتبة والإنجازات، فإن مصدر السعادة الحقيقي للرائد ثرياء هو أن ترى أسرتها بخير، وأن تشعر بأنها قادرة على أن تكون أما حاضرة وزوجة متفهمة، وفي الوقت نفسه تؤدي عملها بإخلاص، وهذا الشعور بالتوازن هو مصدر الرضا الأعمق لديها، واصفة رحلة الموازنة بين العمل والأسرة برحلة يومية تحتاج إلى وعي وصبر وتنظيم، رحلة لا تخلو من التعب، لكنها مليئة بالكثير من العبر، لأنها تجمع بين خدمة الوطن وبناء الأسرة، وهما أغلى ما يملك الإنسان.
وفي رسالتها للمرأة التي تخشى أن يكون نجاحها المهني على حساب أسرتها، تقول إن عليها ألا تخاف من النجاح، فالنجاح المهني لا يعني بالضرورة التفريط في الأسرة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة لها، وتدعوها إلى أن تجعل أسرتها شريكة في رحلتها، وأن تكون واعية وصادقة في ترتيب أولوياتها، مؤكدة أن التوازن ممكن لمن يسعى إليه بجد وإخلاص.