نسيبة الغيلاني: رحلة امرأة أعادت ترتيب حياتها كي لا تتخلى عن حلمها
ما لا يراه الناس خلف مشروع «حكاية»
السبت / 5 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 12:01 - السبت 17 أكتوبر 2026 12:01
حين يرى الناس اليوم اسم مشروع «حكاية» يكبر، والعملاء يعودون لطلب منتجاتها، تبدو الصورة من الخارج مكتملة ، مشروع حرفي يحمل فكرة مختلفة، ومباخر تصمم بعناية، واسم بدأ يجد طريقه إلى السوق ، لكن ما لا يظهر في هذه الصورة هو ما حدث قبل أن يصل المشروع إلى ما هو عليه اليوم.
هناك ساعات طويلة من العمل، ومحاولات لم تكتمل، وأيام اضطرت فيها رائدة الأعمال نسيبة بنت ناصر الغيلاني إلى أن تبدأ من جديد، ووقت شخصي كان عليها أن تؤجله، فيما ظلت مسؤولياتها الأسرية حاضرة بكل تفاصيلها.
هذه هي المساحة التي تختار نسيبة الحديث عنها؛ ليس عن نجاح مشروعها فقط، وإنما عن الطريق الذي أوصلها إليه، والتحديات التي لا يراها الناس خلف كل منتج يصل إلى أيديهم.
وقالت نسيبة الغيلاني ، مؤسسة مشروع «حكاية» المتخصص في تصميم المباخر بأسلوب فريد: «يرى الناس النتيجة، ولا يرون الساعات الطويلة التي أمضيناها، ولا التعب الذي رافقنا، ولا المحاولات التي لم تنجح، ولا الأيام التي كنا نضطر فيها إلى البدء من جديد».
عندما لم يعد الوقت يتسع لكل شيء...
لم تكن البداية هي أصعب مراحل الرحلة، بقدر ما كانت المرحلة التي بدأ فيها المشروع يكبر، ومع زيادة الطلبات، ازدادت المسؤوليات، وأصبح عليها أن توفق بين متطلبات مشروع يحتاج إلى حضورها واهتمامها، وأسرة لها حقها من الوقت والحضور.
وتصف نسيبة تلك المرحلة بأنها كانت الأصعب؛ لأنها وضعتها أمام تحدٍّ لم يكن متعلقًا بإدارة المشروع فحسب، وإنما بإدارة حياتها معه.
في بعض الفترات، استحوذ المشروع على جزء كبير من وقتها، فكانت تعيد ترتيب أولوياتها، وتحاول أن تمنح كل جانب ما يحتاج إليه.
ولم يكن ذلك سهلًا دائمًا؛ فقد أجّلت كثيرًا من الأمور التي تخصها شخصيًا، وقلّصت وقت الراحة حتى تتمكن من مواصلة الاستمرار.
واستطردت بقولها : «أجلّت أشياء كثيرة تخصني شخصيا، وقللت من وقت الراحة أحيانًا حتى أقدر أستمر».
وخلف هذه الكلمات تفاصيل كثيرة لا تظهر عادة في قصص ريادة الأعمال، قرارات صغيرة تتخذها المرأة كل يوم، وأشياء تؤجلها، ووقت تمنحه للعمل على حساب راحتها؛ لأنها تعرف أن المشروع في تلك المرحلة يحتاج إليها.
التوازن ليس أن يكون كل شيء مثالي
وتعلمت نسيبة أن التوازن بين العمل والأسرة لا يعني أن يحصل كل جانب على القدر نفسه من الوقت في كل يوم.
فالأيام تختلف، والاحتياجات تتغير، وما يصلح في مرحلة قد لا يكون مناسبًا في مرحلة أخرى. وعندما تحتاج إليها الأسرة والمشروع في الوقت نفسه، تقول إنها تعيد ترتيب أولوياتها، وتحاول ألا يسمح ضغط العمل بأن يستحوذ عليها بعيدًا عن أسرتها.
وتقول: «التوازن لا يعني أن يكون كل شيء مثاليًا، وإنما أن نمنح كل مرحلة ما تحتاج إليه».
وأصبحت هذه القناعة جزءا من طريقتها في التعامل مع مسؤولياتها بالتخطيط، وتقسيم الوقت، وتحديد الأولويات، ثم إعادة ترتيبها كلما تغيرت الظروف.لكنها، رغم كل ذلك، لا تخفي أن المشروع أخذ من وقتها الشخصي؛ فالنجاح بالنسبة إليها لم يكن بلا ثمن، وإن كان ثمنًا اختارت دفعه في مراحل معينة من الرحلة.
الدعم الذي لا يظهر في الصورة
في قصص المشاريع، يظهر اسم صاحبة المشروع في الواجهة، بينما تبقى الأسرة غالبًا خارج الصورة، لكن بالنسبة إلى نسيبة، كان دعم الأسرة أحد الأسباب التي ساعدتها على الاستمرار.
وأوضحت خلال حديثها: إن وجود أشخاص يشجعونها ويساندونها خفف كثيرًا من الضغط، خاصة في المراحل التي تزامنت فيها زيادة مسؤوليات المشروع مع مسؤوليات الأسرة.
فوراء المرأة التي تواصل عملها في الأيام الصعبة، هناك أحيانًا أسرة تمنحها الثقة والمساحة والدعم.
وهذا الدعم، وإن لم يظهر في المنتج النهائي، كان جزءًا من الطريق الذي أوصل «حكاية» إلى ما هي عليه اليوم.
الحرفة يمكن أن تصبح مشروع
وكان من أكبر التحديات التي واجهتها نسيبة كامرأة في القطاع الحرفي أن تثبت أن العمل المنزلي والحرفي يمكن أن يتحول إلى مشروع حقيقي، ينمو مع الوقت ويكتسب ثقة العملاء.لم يكن هذا الإثبات يأتي من خلال خطوة واحدة كبيرة، وإنما من تفاصيل تتكرر يومًا بعد يوم.كل طلب كان فرصة لإثبات جودة العمل، وكل عميل كان اختبارًا جديدًا، وكل ملاحظة مساحة للتطوير.
وأكدت أن الاهتمام بكل طلب، ورضا العميل، والاستمرار في تطوير المنتجات، حتى في أبسط التفاصيل، كانت من الأمور التي أسهمت في بناء المشروع.ومع الوقت، بدأت ترى نتيجة هذا الجهد في صورة أكثر وضوحًا.
لم تكن اللحظة الأهم بالنسبة إليها مرتبطة بحجم الطلبات فقط، وإنما عندما بدأ العملاء يعودون مرة أخرى.
تقول: «لما بدأت أشوف اسم حكاية يكبر، والعملاء يرجعون لنا ويثقون بشغلنا».كانت تلك اللحظة بمثابة تأكيد لها أن التعب لم يذهب سدى.
مشروع غيّر صاحبته
لم يتغير المشروع وحده خلال هذه الرحلة، وإنما تغيرت نسيبة معه ، تقول إنها أصبحت أكثر حزما وتنظيما، وتعلمت أن تثق في قراراتها بصورة أكبر.فالعمل لم يكن بالنسبة إليها مجرد صناعة منتج وإدارة طلبات، وإنما تجربة تعلمت خلالها كيف تتعامل مع الضغوط، وكيف تحدد أولوياتها، وكيف تتخذ القرارات حتى في الأوقات التي لا تكون فيها الظروف مثالية.
ومع هذه المكاسب، تعترف بأنها خسرت أيضًا جزءًا من وقت الراحة والوقت الشخصي، لكنها في المقابل كسبت خبرة وثقة ومشروعًا تشعر بالفخر تجاهه.
اللحظة التي أصبح فيها التعب ذا معنى
في كل رحلة ريادية، تأتي لحظة يشعر فيها صاحب المشروع أن الجهد الذي بذله بدأ يتحول إلى شيء ملموس.
بالنسبة إلى نسيبة، كانت تلك اللحظة حين بدأت ترى اسم «حكاية» يكبر، والعملاء يعودون إليها ويمنحونها ثقتهم.
فعودة العميل لم تكن مجرد طلب جديد، وإنما كانت بالنسبة إليها رسالة بأن التفاصيل التي اهتمت بها، والوقت الذي بذلته، والمحاولات التي خاضتها، وصلت إلى الطرف الآخر.
وهنا، أصبح للتعب معنى مختلف، لم يعد مجرد ساعات عمل طويلة، وإنما جزء من قصة مشروع استطاع أن ينتقل من فكرة إلى اسم يتذكره العملاء ويعودون إليه.
لا تنتظري الظروف المثالية
لا تقدم نسيبة تجربتها للمرأة الأخرى باعتبارها طريقًا سهلًا أو خاليًا من التحديات على العكس، تجربتها تقول إن الطموح قد يحتاج أحيانًا إلى تنازلات، وإن التوازن لا يتحقق دائمًا بالصورة المثالية التي نتخيلها.ولهذا، فإن رسالتها للمرأة التي تشعر بأن مسؤوليات الأسرة قد تقف أمام طموحها واضحة:»لا تنتظري الظروف المثالية، ابدئي بما تستطيعين، حتى لو كانت البداية صغيرة جدًا».
فالبداية الصغيرة، في نظرها، يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو مشروع أكبر، شرط أن ترافقها الرغبة في التعلم والاستمرار والتطوير.لكنها ترى أيضًا أن مسؤولية تمكين المرأة من الاستمرار لا تقع عليها وحدها.
فالمرأة العُمانية، بحسب نسيبة، تحتاج إلى دعم حقيقي من الأسرة والمجتمع، إلى جانب تسهيلات تساعدها على الاستمرار والنمو، من دون أن تشعر بأنها مضطرة إلى التضحية بأحد الجانبين.
في النهاية، قد يرى الناس في «حكاية» مبخرة مصممة بعناية، أو منتج يحمل فكرة مختلفة، لكن خلف كل قطعة قصة أخرى.
قصة امرأة أعادت ترتيب وقتها أكثر من مرة، وأجلت راحتها، وتعلمت أن تكون أكثر حزمًا، واستندت إلى أسرتها عندما أصبحت المسؤوليات أكبر من الوقت المتاح.
ذلك هو الجزء من الحكاية الذي لا يراه الناس.فالنجاح الذي يصل إلى الواجهة لا يأتي وحده؛ خلفه حياة كاملة تتعلم، في كل مرحلة، كيف تفسح للحلم مكانًا دون أن تفقد ما تحب.