رأي عُمان

مسؤولية بناء الوعي

 

يستهلك الكثير من الناس وقتهم في متابعة أخبار محيطهم والعالم لكن الكثير منهم يظلون في حيرة أمام تفسير بعض الأحداث التي تمس حياتهم المباشرة. يتابعون صعود النفط وهبوطه وتضخم أسعار المواد الاستهلاكية وعدد المرات التي تُشن ضد الجبهة الفلانية والرد عليها كما يتابعون جديد التقنية والهواتف النقالة وثورة الذكاء الاصطناعي.

هذا الكم الضخم من الأخبار التي تحيط بالناس في كل مكان تزيد من حيرتهم خاصة عندما يختلط الواقع فيها بالتوقعات والأمنيات ويغيب مقياس فحصها على معيار الحقيقة. هذا الغياب وتلك الحيرة تذكرنا بالمسؤولية الاجتماعية تجاه بناء الوعي وتأسيسه وهي مسؤولية تستحق أن تحظى باهتمام المجتمعات في الوقت الحالي بشكل خاص.

درجت العادة أن يطلب من الأفراد التمسك بالوعي ومتطلباته عند مناقشة الشائعات أو السلوك العام أو التعامل مع التحولات الاقتصادية. وتحمل هذه المطالبة توقعا مشروعا بأن يتثبت الإنسان مما ينقله ويفكر في عواقب ما يفعله.

لكن هذا الأمر على أهميته لا يجب أن ينسينا الطريقة التي تتكون بها قدرة الإنسان على التثبت والتفكير. ينمو الوعي بالتعلم والخبرة والنقاش، وبوجود مصادر يستطيع الوثوق بها وفرص تسمح له بالسؤال ومراجعة ما اعتقده صحيحا.

لا يستقيم أن يطلب المجتمع من أفراده أحكاما مسؤولة مبنية على المنطق وإخضاع الأحكام للنقد دون أن يقوم المجتمع بدوره في بناء وتأسيس هذه القدرة لدى الأفراد.

تكافئ الحياة اليومية بإيقاعها الحالي سرعة الاستجابة وتقلل من شأن التمهل والفهم وتمحيص الحقائق.. يحدث هذا في جهات العمل كما يحدث في المؤسسات البحثية والإعلامية وفي النقاشات العامة التي تتجنب العمق وتخاطب العاطفة والوجدان وسرعان ما يتحول التمهل في إصدار الأحكام علامة ضعف وتردد لا علامة بحث وتقصٍ وتعمق.

ومع التكرار، يألف الإنسان الانتقال من انطباع إلى آخر، وتضيق المساحة التي يستطيع فيها وصل الأحداث بأسبابها، أو اختبار التفسير الذي بدا مقنعا عند سماعه للمرة الأولى.

تشكل الطريقة التي تقدم بها المعرفة مستوى وعينا بالأحداث وعلاقتنا بالعالم، فالأخبار المنزوعة من سياقها تدفعنا نحو أحكام مختلفة فيما لو تضمنت تلك الأخبار تفاصيلها والسياق الذي جاءت فيه. والأمر يحدث مع الأرقام الحكومية ومع القوانين التي تقرأ بعيدا عن دلالتها ومقصدها وتدفع بذلك لاستنتاجات متعجلة.

وحين تتعلق الأخبار والبيانات والأرقام بحياة الناس وأعمالهم وانتماءاتهم يصبح مراجعة ما رسخ في وجدان الناس حولها شديد الصعوبة ولا يسهل تغيير الصورة النمطية التي شكلتها، لأن الاختلاف يمتد إلى الوقائع التي يفترض أن ينطلق منها المتحاورون، ويغدو كل خبر مادة لتأكيد موقف سابق.

ويمتد أثر هذه الأحكام إلى الخيارات التي يتخذها الناس في حياتهم اليومية، وإلى توقعاتهم من المؤسسات وقدرتهم على المشاركة في تحسين أوضاعهم. وقد يدفعهم الفهم الناقص لأسباب مشكلة تمس حياتهم إلى تبنّي حلول تعجز عن معالجتها، أو إغفال فرص متاحة لتغيير واقعهم. لذلك تتصل العناية ببناء الوعي بقدرة المجتمع على فهم مشكلاته وتقدير المسؤوليات والخيارات الممكنة لمعالجتها.

تتحمل المدرسة والجامعة والمؤسسات الثقافية، والمسجد والسبلة، مسؤولية كبيرة في بناء الوعي. ويتصل أداء هذه المسؤولية بما تتيحه من فرص للسؤال والنقاش وفحص الأدلة، وبالطريقة التي تتعامل بها مع اختلاف الآراء. وحين يجد الإنسان مجالا لعرض فهمه ومناقشته ومراجعته، تتكون لديه عادات تساعده على التثبت مما يسمعه وقراءة ما يجري حوله.

ومع تكرار هذه الممارسة، تصبح مراجعة الحكم أمرًا مألوفًا في الحياة العامة.

وعلى الصحافة مسؤولية مباشرة، وإن كانت صعبة إن عملت منفردة، في توفير شروط الفهم وإعادة الحدث إلى سياقه والتمييز بين المعلوم والمحتمل ويحتاج هذا تمكينا أكبر لوسائل الإعلام وخاصة فيما يتعلق بالوصول للمعلومة وشرحها وتفصيلها والإجابة على الكثير من الأسئلة التي تنشأ حولها.

وفي عُمان، التي تراهن على مشاركة المواطنين في عملية التنمية والتحولات التي تصاحبها، يستحق بناء الوعي أن يُعامل على اعتباره مشروعا تنويريا يجد صداه الدائم في التعليم والإعلام والحياة العامة.

والمرحلة في عُمان وفي العالم العربي بشكل خاص تستحق أن يكون فيها المواطن قادرا على فهم الخيارات، التي تؤثر في حياته الآنية وفي مستقبله، ومناقشتها بمعرفة ومسؤولية. وهذا كله يضعنا أمام التزام بتوفير الوقت والمعلومة ومساحة السؤال التي يحتاج إليها. ومطالبة الناس بالوعي تُلزم المجتمع بالعناية بالشروط التي تجعل الوعي ممكنا.